نشرت صحيفة أخبار اليوم المصرية في 6 يوليو الماضي نقلا عن موقع شبكة BBC في الانترنت، أن قيادة السلاح الجوي الأميركي ، تأكدت من أن حجم الترسانة النووية الاسرائيلية يصل الى 400 سلاح نووي متنوع القدرات، بينها قنابل تكتيكية واخرى هيدروجينية (اندماجية). وقد تواكب نشر هذا الخبر من حيث التوقيت مع نشر اخبار اخرى حول قرار للحكومة البريطانية برفع الحظر الذي كان مفروضا على الشركات البريطانية بشأن تحديث المقاتلات الاسرائيلية، وأخبار أخرى قديمة حول تجربة لاطلاق صاروخ باليستي من طراز (أريحا) من غواصة اسرائيلية طراز (دولفين) ألمانية الصنع في المحيط الهندي قرب سواحل سريلانكا، أجريت في يونيو عام 2000، ثم تعمدت أجهزة المخابرات الأميركية في 17 يونيو الماضي اعادة الحديث عن هذه التجربة!! فماذا يعني كل هذا في ضوء الأحداث الجارية على الساحة الشرق أوسطية وارتباطا بالولايات المتحدة؟ ممالا شك فيه أن هناك علاقة وطيدة بين توقيت اعادة اثارة هذه الموضوعات الثلاثة غير الجديدة، ومايجري اليوم في الاراضي المحتلة الفلسطينية من اجتياحات يومية للقوات الإسرائيلية، وتغيير جذري تقوم به حكومة شارون للطبيعة السكانية للمناطق المحتلة.. من حيث طرد العرب واعتقال شبابهم وهدم مساكنهم وتدمير البنية الاساسية الفلسطينية كلها وليس فقط بنية السلطة الفلسطينية وتكثيف الاستيطان، والتخطيط لجلب مليون مهاجر يهودي قبل عام 2005، واغلاق القدس الشرقية في وجه سكان الضفة وعزلها بجدار فاصل عن باقي الضفة، الى جانب الجدار العازل الجاري اقامته بطول 300 كم بحذاء الخط الأخضر، ناهيك عن فرض الحكم العسكري الاسرائيلي على المدن الفلسطينية، وبروز موجة جديدة من تصريحات المسئولين الاسرائيليين حول الوطن البديل للفلسطينيين في الأردن، باعتبار ان شرق الأردن هو موطنهم الطبيعي، أما الاراضي الواقعة غرب الأردن فهي في المزاعم الاسرائيلية تقع ضمن اراض اسرائيل التي لا يمكن التنازل عنها، على أساس ان نهر الأردن هو الذي يشكل الحدود الشرقية الطبيعية لاسرائيل. والغريب في الأمر أن يكون مصدر نشر هذه المعلومات هو أجهزة المخابرات الأميركية وقيادة سلاح الجو الأميركي ممايدل على انها تثار في اتفاق تام مع اسرائيل، وفي اطار استراتيجية موحدة ذات أهداف اسرائيلية - أميركية مشتركة بدأت تتضح ملامحها في مطالبة الدولتين معا بالاطاحة بسلطة عرفات تحت دعوى ضرورة اجراء اصلاحات في السلطة الفلسطينية، وفرض قيادة فلسطينية جديدة ترضى عنها اسرائيل وبالتالي الولايات المتحدة. استراتيجية الردع تدرك اسرائيل والولايات المتحدة معها جيدا خطورة ثورة الغضب المتأججة في نفوس الشعوب العربية والاسلامية ضد اسرائيل بسبب ممارساتها العدوانية التي تتصف بالوحشية في الاراضي المحتلة، والتي تلقى دعما ومساندة وانحيازا مطلقا من جانب الولايات المتحدة، ممثلة في رئيسها وأركان ادارتها. والكونجرس ووسائل الاعلام الأميركي. وفي تقدير أجهزة المخابرات الأميركية أن ثورة الغضب هذه، والتي تعم معظم البلدان العربية والاسلامية، من الممكن أن تشكل تهديدا ومخاطر شديدة على المصالح الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، تخرج عن سيطرة الحكومات العربية، الأمر الذي يتطلب وضع سياسة جديدة متكاملة للتعامل مع بلدن المنطقة، تراعي التعامل مع توجهات الشعوب والمنظمات التي تحركها، أكثر من التعامل مع حكوماتها. وإذا كانت الولايات المتحدة واسرائيل قد اتفقتا على أن الوضع المتفجر في الاراضي المحتلة يتطلب التعامل مع قيادة فلسطينية جديدة، باعتبار أن قيادة عرفات - طبقا لرؤية الدولتين - قد استهلكت دوليا وعربيا وحتى فلسطينيا، الا انهما يدركان تماما استحالة امكانية تعاملهما مع قيادة فلسطينية جديدة يشعر الجميع داخل وخارج فلسطين انها مفروضة من قبل حكومة شارون وادارة بوش، حيث من البديهي ان مثل هذه القيادة الفلسطينية المفروضة ستواجه بمقاطعة فلسطينية وعربية شاملة، وهو مالا تريده تل أبيب ولا واشنطن حتى يمكن لهما انقاذ سياستهما في المنطقة برضاء الجميع فيها. ومن ثم فإن الاتجاه الاسرائيلي والأميركي لحل هذه المشكلة يتمثل في أن تخرج القيادة الفلسطينية الجديدة من عباءة عرفات ذاته، وبرضاه. هنا سيمكن للشعب الفلسطيني والدول العربية والاسلامية ان ترضى عن هذه القيادة الجديدة، وستستجيب لها، ويسهل بالتالي على اسرائيل - الولايات المتحدة التفاهم معها. لذلك من المتوقع أن تتجه الجهود الاميركية الاسرائيلية نحو اقناع عرفات بالقبول بزعامة شرفية او فخرية للسلطة الفلسطينية، وان يتنازل طوعيا عن سلطاته السياسية لخليفة له، يتم الاتفاق على شخصه مسبقا. وحتى ينال رضاء الشعب الفلسطيني لن يكون لدى اسرائيل مانعا من أن يكون أحد (خريجي) السجون والمعتقلات الاسرائيلية، التي يتم فيها اعادة صهر شخصيته المعتقلين السياستين في ضوء الضغوط النفسية والبدنية التي يتعرضون لها، وعقد اتفاقات ملزمة معهم قبل الافراج عنهم، ومن هذه الشخصيات المرشحة لخلافة عرفات، مروان البرغوثي أمين سر حركة فتح والمعتقل حاليا في السجون الاسرائيلية. ولن يقتصر أمر التغيير على شخص عرفات، بل سيشمل ايضا باقي اركان السلطة الفلسطينية، ولأن هدف التغيير هو ايقاف الانتفاضة الفلسطينية كهدف مباشر وأساسي، فإن ذلك سيتطلب ضرورة اشراك عناصر من المنظمات والحركات الفلسطينية الاخرى التي تحرك الانتفاضة.. مثل حركة حماس والجبهتين الشعبية والديموقراطية وتنظيم الجهاد. وهو ماتحرص الادارة الأميركية وحكومة شارون حاليا على اجراء اتصالات تحتية معهم تضمن بها قبول اشتراكهم في السلطة الفلسطينية الجديدة التي ستخلص لسلطة عرفات الحالية. ولكي تقبل هذه المنظمات والحركات بمثل هذا العرض الأميركي والاسرائيلي المشترك، ولتشجيع الشعب الفلسطيني على القبول به، يتعين على اسرائيل أن تجري انسحابا ملموسا لقواتها خارج المدن الفلسطينية، وتخفف اجراءات الحصار المضروب حول الضفة وقطاع غزة، وتفرج عن بعض الاموال الفلسطينية المجمدة وتطلق سراح اعداد من المعتقلين، وسيكون شرطها الوحيد لذلك هو ايقاف العمليات الاستشهادية سواء في داخل اسرائيل أو ضد مستوطناتها في الاراضي المحتلة، خاصة وان حكومة شارون ستبدي استعدادها لتقديم بعض التنازلات المتمثلة في التخلي عن المستوطنات المنعزلة التي تكلفها الكثير على الصعيد العسكري من أجل حماية سكانها. وسيحرص شارون على ان يتم كل ذلك قبل انتخابات رئيس وزراء اسرائيل القادمة في عام 2004، بحيث يدخل شارون هذه الانتخابات وقد حقق - كما وعد وكما يتوقع - لاسرائيل الامن الذي وعد به بالقضاء على الانتفاضة وأسبابها ومن وراءها، وهيأ الأرضية لمفاوضات سلام قادمة خلال فترة رئاسته الثانية، وذلك بالتعامل مع سلطة فلسطينية جديدة راضيا عنها، ومتفقا معها مسبقا على كل شئ، وبمباركة أميركية وصمت عربي. خطوط حمراء ولكي يحقق شارون كل هذه الاهداف، لابد أن يؤمنها - من وجهة نظره - بأقصى درجات الردع والبطش، وهو مايتثمل في استمرار عمليات اجتياح مدن الضفة عسكريا، ومايرفقها من قتل واعتقال وترويع للفلسطينيين حتى يقضي على روح المقاومة في نفوسهم، ويكسر ارادتهم، ويدفعهم للاستسلام لشروطه. ومن جهة اخرى ردع الدول العربية وتخويفها من الترسانة النووية التي تحوي 400 سلاح نووي، وتجارب الصواريخ «اريحا» من الغواصات الاسرائيلية لتؤكد قدرة اسرائيلية على توجيه الضربة الثانية اذا مافكرت احدى الدول العربية في توجيه ضربة صاروخية لاسرائيل سواء تقليدية أو فوق تقليدية، ورفع بريطانيا الحظر المفروض على بيع الأسلحة والمعدات الحربية لاسرائيل، وتخصيص الكونجرس 400 مليون دولار لشركة بوينج الاميركية لاستكمال تصنيع مكونات لنظام الدفاع الصاروخي الاسرائيلي (آرو أوالسهم)، أضف الى هذا أحاديث المسئولين الاسرائيليين عن ضرب قواعد حزب الله في سوريا ولبنان، وهو مايعني ضمنيا ضرب منشآت البنية العسكرية السورية - خاصة تلك المتعلقة بالصواريخ البالستية واسلحة الدمار الشامل والقواعد الجوية والدفاع الجوي، وتدمير البنية الاساسية في لبنان، الى جانب التهديد بضرب أهداف البنية الصاروخية والنووية في ايران، لا سيما بعد أن أعلنت طهران عن نجاح تجربتها الاخيرة لاطلاق الصاروخ (شهاب - 3) وفشل الرئيس الأميركي بوش في اقناع الرئيس الروسي بوتين خلال زيارة الأول الأخيرة لموسكو، بوقف التعاون النووي والصاروخي والعسكري لروسيا مع ايران، ناهيك عن التهديد بضرب السد العالي بمصر. ولتوفير مصداقية أعلى للرادع الاسرائيلي، فلابد أن تقتنع الدول العربية المطلوب ردعها بوجود أسلحة الردع التي تمتلكها اسرائيل وتهدد بابستخدامها، وان تتأكد هذه الدول أيضا من نية اسرائيل في استخدام هذه الأسلحة في حالة تخطي الدول العربية لخطوط حمراء تحددها اسرائيل بوضوح، وان تنفذ اسرائيل تهديداتها فعلا بأن تضع اسلحتها الردعية موضع الاستخدام في حالة خرق دولة عربية أو أكثر - وكذلك ايران - لأي من الخطوط الحمراء التي حددتها. أما الخطوط الحمراء التي حددتها اسرائيل، وأبلغتها بوضوح في رسالة ردعية مكشوفة الى الدول العربية، والتي في حالة خرقها قد تلجأ اسرائيل الى استخدام مالديها من أسلحة نووية فتتمثل في الآتي: 1- تبني واحدة أو أكثر من الدول العربية خيارات نووية، سواء في شكل مشروعات بنيوية داخلية، أو بالحصول على الأسلحة النووية من دول أخرى. 2- خرق الترتيبات الأمنية المتفق عليها، سواء في معاهدات سلام (مثل التي مع مصر والأردن) أو في اطار اتفاقات ضمنية، لا سيما فيما يتعلق بالمناطق المنزوعة السلاح والمخففة القوات، كالتي في سيناء والجولان. 3- تحرك قوات عربية من دول العمق والمساندة (مثل السعودية والعراق وليبيا) الى دول الطوق العربية في سوريا ولبنان ومصر والأردن. 4- حدوث خلل في الميزان العسكري التقليدي القائم حاليا لصالح اسرائيل، وبما يشجع الدول العربية على تبني خيارات عسكرية ضد اسرائيل. 5- قيام تحالفات استراتيجية جادة بين واحدة أو أكثر من دول الطوق العربية - خاصة بين مصر وسوريا - وبين دول الطوق العربية ودول العمق العربي. 6- حرمان اسرائيل من موارد المياه العربية التي تحصل عليها حاليا. وتكون الضغوط السياسية الاسرائيلية الأميركية المشتركة، وكذلك الضربات الوقائية التقليدية قد فشلت في منع الدول العربية من هذه الاجراءات. لذلك لم يكن غريبا ان يهدد رئيس الموساد (افرايم هاليفي) في محاضرة له القاها في يونيو الماضي امام دول الناتو في بروكسل ان اسرائيل تتحرك من اجل منع واحباط وعرقلة الجهود التي تبذلها دول مثل ايران والعراق وسوريا وليبيا للتزود بأسلحة الابادة الجماعية، حيث اتهم ايران بأنها تزيد من مدى صواريخ (شهاب - 3) لتصل الى 5000 كم في (شهاب - 5)، كما تطور سلاحا نوويا وتنشئ بنية تحتية مدنية تمكنها من تطوير غاز الاعصاب ويتهم العراق بالمحافظة على جزء من قدراته الكيميائية والبيولوجية، واستئناف في انتاج غاز الاعصاب، وانه من المحتمل ان يقوم بانتاج بكتيريا الانتراكس، ويتهم سوريا بتطوير صواريخ طويلة المدى من نوع سكود وغازات مختلفة، أما ليبيا فقد اتهمها (هاليفي) بانها بدورها تطور صواريخ طويلة المدى بمساعدة كوريا الشمالي. وبهذه الاتهامات يحاول رئيس الموساد ان يخلق المبررات التي يمكن لاسرائيل ان تتذرع بها لتوجيه ضربات وقائية تقليدية ثم نووية اذا لزم الأمر ضد هذه الدول العربية والاسلامية. ـ كاتب مصري