في الوقت الذي كانت وسائل الإعلام العالمية، وبشكل خاص الإسبانية، منشغلة بقضية جزيرة ليلى/ البقدونس التي اندلعت فجأة بين إسبانيا والمملكة المغربية، دون أن تكون هناك مقدمات «طبيعية» تمهد لظهور مثل هذه الأزمة الغريبة بين البلدين التي وصفها الكثيرون بأنها غريبة أو مفتعلة، ظهر بجريدة «الباييس» الإسبانية مقال لرئيس الوزراء الأسباني الأسبق فيليبي جونثالث تحت عنوان «الأزمة الغريبة». لفت العنوان نظر الكثيرين من الذين كانوا يتابعون أزمة الجزيرة، واعتقدنا جميعا أن الزعيم الإسباني قرر النزول إلى حلبة هذه القضية وهو ما يعني تطورا مهما فيها، خاصة أن لدى رئيس الحكومة الأسبانية الحالي «خوسيه ماريا أزنار» حساسية خاصة تجاه آراء فيليبي جونثالث السياسية، وهي حساسية وصلت بالفعل في بعض اللحظات إلى ما أهو أقرب إلى «المرض النفسي» الذي يصيب عادة أنصاف السياسيين عندما يحكم عليهم القدر أن يتولوا المسئولية بعد زعيم لامع محليا ودوليا. لكن مطالعة مقال فيليبي جونثالث خيب ظن من طالعوا معناه الظاهر، أما من يهتمون بالبحث عن أبعاد الأزمات السياسية خارج إطار صورة الأزمة المعلنة نفسها فيمكنهم فهم أبعاد جديدة لما يجري في إطار الأزمة الصغيرة، لأن أزمة الجزيرة بين المغرب وأسبانيا ليست بعيدة تماما عن معالجة الأزمات العالمية في ظل الوضع الدولي الراهن. البعد الديني المقال يشير إلى الأزمة السياسية التي يعيشها العالم منذ أن تعرضت الولايات المتحدة لأحداث «الثلاثاء الدامي» في الحادي عشر من سبتمبر من العام الماضي، ويقدم قراءة جادة وجديدة لما نتج عن تلك الأزمة وانعكاساتها على الولايات المتحدة ونتائجها المباشرة على نظام إدارة الأزمات الدولية بطريقة منفردة. ينطلق فيليبي جونثالث في تحليله مما يبدر من جورج بوش الابن من أفعال وكلمات، تجعل أي مراقب يقف مندهشا من معاني هذا الخطاب السياسي القائم على الجملة الإنجيلية: «من ليس معي فهو ضدي»، وهو تقسيم يوحي بأن الأبعاد الدينية لتفكير القيادة السياسية الأميركية سيكون هو الركيزة الأساسية لأي سياسة دولية، وهو ما يعتبر خطرا، لأنه سيحول المواجهة ما بين الولايات المتحدة ومن تعتقد أنهم أعداؤها من العداء الأيدلوجي إلى العداء الديني، أي التحالف المسيحي اليهودي في مواجهة الآخر، وذلك الآخر يتمثل بالطبع في الإسلام، وربما من هنا كان مركز «محور الشر» يعتمد على نظامين سياسيين إسلاميين هما العراق وإيران (؟!). يبدو أن ضم كوريا الشمالية من قبيل التمويه السياسي، أو ربما لفتح جبهة صراع حضاري أيضا تصلح لتطبيق النظريات الأميركية في السيطرة على العالم، خاصة أن هناك قوى تتمثل في الصين التي لا يستهان بخطرها المستقبلي ولا تزال خارج إطار التحالف المسيحي اليهودي. حتى لا يتهم أحد فيليبي جونثالث انه ينطلق في تحليله من موقف معاد للولايات المتحدة، فإنه يوضح منذ البداية وقوفه في الجانب نفسه، مؤكدا على علاقته القديمة بالرئيس جورج بوش الأب عندما كانا في السلطة، ومذكرا بدوره الحيوي البارز خلال أزمة احتلال الكويت والذي لعبت فيه إسبانيا دورا مهما، فلا يجب أن ننسى أن الطائرات الأميركية من طراز «ب52» العملاقة كانت تنطلق من القواعد الأميركية في إسبانيا مباشرة لتضرب العراق. يؤكد رئيس الوزراء الإسباني الأسبق أن اختلاف نظرة الإدارة الأميركية السابقة تجاه حلفائها كانت السبب في أن تنتهي حرب التحالف الغربي ضد العراق بمؤتمر مدريد للسلام عام 1991 حول القضية الفلسطينية، وإذا كانت نتائج هذا المؤتمر انتهت إلى حيث يقف شارون وجورج بوش الابن الآن، لا بد من الإشارة هنا إلى أن نتائج مؤتمر مدريد كان يمكن أن تؤدي بالقضية الفلسطينية إلى نتائج مختلفة تماما، لو أن العرب أنفسهم بما فيهم الزعامة الفلسطينية لم يتعاملوا مع ما كان بين أيديهم بهذه الطريقة التي حولتهم إلى مجرد «عرائس» في مولد السياسة الدولية. خيار التصادم أعتقد أن إشارة الزعيم الإسباني لدوره هذا ودور جورج بوش الأب كان مقدمة لابد منها للدخول في موضوع يؤكد على الآثار المدمرة للسياسة الأميركية الحالية، ليس على أعدائها فقط، أو حتى على مصالح حلفائها، بل على الولايات المتحدة نفسها، فالرجل ينطلق من موقف الصديق للسياسي الأب ومعارض بالطبع للسياسي الابن الذي يقود الولايات المتحدة والعالم نحو صدام لا يستفيد منه أحد، فالكل خاسر فيه حتى الولايات المتحدة نفسها، ومن هنا يطالب فيليبي جونثالث بان يتحرك أصدقاء الولايات المتحدة لإنقاذها من نفسها وإنقاذ أنفسهم من نتائج تلك السياسة الصدامية التي لا يمكن أن تحقق شيئا طيبا لأحد على الإطلاق. يرى رئيس الوزراء الإسباني الاسبق فيليبي جونثالث في مقاله التحليلي أن الولايات المتحدة تمارس سياسة «الإبعاد» لكل المؤثرين في السياسة الدولية حتى الحلفاء المؤيدين لها، سواء الأعضاء في حلفها العسكري بشكل مباشر كما هو الحال بالنسبة لأعضاء حلف الاطلسي الذي يرى أنه فقد دوره العسكري تماما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق واصبح الآن يهدد بتدمير العلاقات السلمية القائمة ما بين الغرب وغيره من مناطق العالم الأخرى، وبشكل خاص الشعوب العربية والإسلامية، لأن الخطاب السياسي الحالي للقيادة السياسية للولايات المتحدة معاد لتلك الشعوب منذ أن تم اتخاذ «التطرف الإسلامي» عدوا بديلا عن «الشيوعية» العدو القديم الذي لم يعد له وجود، ويرى أن الخطر لا يكمن في اتخاذ التطرف الإسلامي عدوا بقدر الفلسفة التي تقف وراء هذا الشعار والتي تسحب المواجهة على العالم الإسلامي كله، فتعامل الفلسطينيين الذين يواجهون الاحتلال الصهيوني بعمليات استشهادية مشروعة على أنهم جزء من منظومة «الإرهاب». الأخطاء التي ترتكبها القيادة الاميركية الحالية ليست قاصرة على المجال السياسي فقط، أو حتى في مجال الأمن، بل تمتد إلى مجالات الانشطة الاقتصادية، فتلك القيادة تعتمد في النشاط الاقتصادي على ما يمكن أن تحققه الانشطة الصناعية العسكرية التي تحتاجها بالطبع في تموين نشاطها العسكري حول العالم الذي ينتج عن سياسات المواجهة التي تؤدي بالضرورة إلى مواجهات عسكرية مع الآخرين، ونظرا إلى الآثار السلبية لهذه السياسة على الاقتصاد المحلي تقوم بخفض أسعار الفائدة إلى أدنى معدل لها لمساعدة الأفراد على الاستهلاك وضخ أموال في الأسواق المحلية، في الوقت نفسه تغلق أبوابها أمام الآخرين للمشاركة فيه بفرض ضرائب جمركية على الاستيراد، وهي سياسة خاطئة، لأنها تريد من الآخرين فتح أسواقهم أمام منتجاتها بينما تحرمهم من مشاركتها في أسواقها. الغاء الوسطية هذه السياسة التي تطبق مبادئ متعارضة في رأي فيليبي جونثالث، دليل واضح على التخبط الذي يسيطر على تفكير الإدارة الأميركية التي يقودها الثنائي «بوش ـ تشيني» وكلاهما ينتمي إلى صناعة البترول الأميركية، من هنا يمكن الشك في توجهاتهما التي وجدت في أحداث سبتمبر ذريعة لتنفيذ ما خططاه قبل وصولهما إلى البيت الأبيض، ولذلك لم يحاولا تبين أسباب ما حدث في أحداث الثلاثاء الدامي المروعة لمواجهة أحداث مماثلة كل الدلائل تشير إلى أنها يمكن أن تتكرر لو استمرت سياسة الولايات المتحدة على هذا الطريق، بقدر ما يحاولان استخدام نتائج هذا الحدث لتنفيذ خططهما المبيتة، ويبدو هذا واضحا في القوانين التي مرراها في الكونغرس تحت شعار أن البلاد في حالة حرب، وعدم التعاون مع الرئيس ونائبه ورفض سياستهما يعد خيانة وطنية، فتكون النتيجة أن القراءة الخاطئة للأحداث تؤدي إلى الرد عليها بأدوات خاطئة. ففي رأي رئيس الوزراء الإسباني الأسبق أن العمل العسكري التقليدي الذي قامت به الولايات المتحدة ضد أفغانستان، كان ردا خاطئا على ما حدث في 11 سبتمبر الذي يعتبر عملا غير تقليدي من جهات لم يتم تحديدها تماما. بعد ذلك يطرح فيليبي جونثالث سؤالا مهما: ماذا يمكن أن نفعل عندما تعلن القيادة الأميركية الحالية انه لا بد من الوقوف في صفها حتى لا نصبح في نظرها من أعدائها؟. يقول ردا على السؤال أنه في هذه الحالة لن يجد الأصدقاء سوى أن يقبلوا بتلك السياسات التي يمكن أن تؤدي في النهاية إلى نتائج عكسية تماما، وتعرض مصالح الولايات المتحدة ومصالح أصدقائها للخطر، وعدم قبول القيادة الأميركية مناقشة رأي الحلفاء ينذر بتقسيم العالم إلى «أخيار وأشرار»، وبذلك تفقد ساحة السياسة الدولية تلك المنطقة الرمادية التي كان يقف فيها البعض، ويلتقي فيها الجميع للحوار والخروج بحلول وسطية لأزمات كثيرة لو انفرد طرف أو آخر بحلها حسب ما يعتقد انه الحل الصحيح لانتهى بالعالم إلى كارثة، وهو ما كان يحدث في السابق من تحاور مع القيادات الأميركية وإعلان الاختلاف مع سياستها، وهو ما كان يصحح في النهاية توجهات القيادات الأميركية ويدفعها إلى التخلي عن بعض عقائدها السياسية حتى لا تفقد تأثيرها على الساحة الدولية. العداء للجميع لكن الآن، وبعد أن قررت إدارة الرئيس بوش الابن وضع حد فاصل لا يقبل النقاش أو الحوار بين الخير والشر،فإن أي تعاون من جانب حلفاء غير مقتنعين بجدوى أي عمل يصبح عائقا بالنسبة للولايات المتحدة وغير ذي نفع لحلفائها، لأنه صادر عن «خضوع» لا عن قبول واقتناع، وأول خلاف بين الولايات المتحدة وحلفائها يوجد في أساس السياسة الخارجية الأميركية وهو تحديد أساس تلك السياسة بما تسميه مواجهة «محور الشر»، لأن الحلفاء الأوروبيين وغير الأوروبيين لا يمكنهم المشاركة في عمل عسكري ضد أي دولة لمجرد أن الإدارة الأميركية تصنفها في هذا الإطار دون تحديد لهذا الوصف. إن عدم تحديد هوية العدو بشكل قاطع وتحديد لأساس هذا العداء يفتح الباب أمام وضع الآخر أي آخر في دائرة العداء، وبذلك يكون العالم كله عدوا، هذا في لحظة ما تحددها الإدارة الأميركية، وقد يجد بعض الحلفاء أنفسهم في مكان هذا الآخر فيتحولون إلى أعداء في لحظة أخرى، وهنا تكمن خطورة السياسة الأميركية الحالية. المطلوب الآن وقفة جادة من جانب حلفاء واشنطون لتحديد هوية الخطر، وأسبابه حتى يمكن تحديد وسائل مواجهته، وحتى لا يسقط العالم فريسة لسياسة الولايات المتحدة على حلفائها وأصدقائها وإنقاذها من رؤية إدارتها الحالية القاصرة، هذا ما تجرأ على مناقشته رئيس الوزراء الإسباني الأسبق وزعيم الاشتراكية الدولية وشريك جورج بوش الأب في حرب الخليج الثانية، لكن يبقى السؤال الأهم: هل رأي فيليبي جونثالث بداية إعلان عن الجهر بالاختلاف الأوروبي مع إدارة جورج بوش الابن أم انه مجرد صوت يصرخ في برية لا ترى سوى المصالح والأرباح التي يحققها الثنائي «بوش ـ تشيني» للوبي الصناعات العسكرية الأميركية، بغض النظر عن الدماء التي تجري في تلك البرية؟! ـ كاتب مصري مقيم في أسباني