«خذ الفلوس واجري» ليس عنوانا لمسرحية كوميدية هابطة! ولا لفيلم من افلام «الفانتازيا»، بل عنوان لدراسة تحدد السياسات المالية لولاية اميركية في التسعينيات من القرن الماضي. وتلخص الدراسة واقع الفساد الذي ينخر في جسد المؤسسات الفيدرالية الاميركية سواء كانت سياسية او اقتصادية، وتكشف عن عملية تفريخ الفضائح التي بدأت تهز الولايات المتحدة، بكل ألوان الطيف الفضائحي، منها فضيحة تورط جورج بوش وديك تشيني اي الرئيس الاميركي ونائبه في الانهيار الدرامي لمؤسسة «انرون» النفطية العملاقة، والذي بدأ التحقيق حول ملابساته، وربما لن ينتهي قبل رحيل بوش وادارته عن البيت الابيض ومغادرة واشنطن عائدا الى تكساس. وقبل ان تهدأ توابع فضيحة انهيار «انرون» تفجرت فضيحة مدوية بانهيار مؤسسة «وورلد كوم» للاتصالات وتلتها فضائح متنوعة على الهامش، اشبه بتنويعات على لحن اساسي، منها فضيحة النائب المرتشي مدمن النصب والاحتيال، والذي طرده الكونغرس في سابقة لم تشهدها الحياة البرلمانية منذ نحو قرنين. على ان ام الفضائح ان صح القول، هي الكشف عن تبني الحاكمة السابقة لولاية نيوجيرسي لسياسة مالية عنونتها بـ «خذ الفلوس واجري» لتبرهن على ان الفساد المالي واحد سواء ارتكبه موظف صغير في دولة «نايمة او نامية» او كان مرتكبه حكومة ولاية او اكبر قيادة في الدولة الاعظم التي تقود عالمنا.. لا نعرف الى اين، هل الى الهاوية وجحيم الحروب العبثية، أم الى بدايات طريق العودة الى عقلنة واتزان النظام الدولي بعد تضحيات تتقزم الى جوارها تضحيات كل حروب القرن الماضي. غايته، فلقد كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» في عددها الصادر في 30 يوليو الماضي عن دراسة اعدها لفيف من صناع القرار والخبراء في ولاية نيوجيرسي في التسعينيات لصالح كريستي ويتمان الحاكمة السابقة للولاية عنونت بـ «خذ الفلوس واجري»! وجاء الكشف عن الدراسة الفضيحة في نيوجيرسي التي وصفها احد كتاب «نيويورك تايمز» بأنها ام الفضائح او الولاية الحاضنة للفضائح بعد وصولها الى مرحلة مزرية في الخدمات مقارنة بارتفاع معدل الضرائب، والتوقف عن مساهمة حكومة الولاية في صندوق المعاشات وتدني الرعاية الصحية، ونقص في اعداد المدرسين، وضياع 22 مليار دولار خسائر في استثمارات الولاية. ولو ان احدا قال ان «خذ الفلوس واجري» شعار لعصابة من الفاسدين في اي دولة من تلك التي تدور في الفلك الاميركي لما كان الامر غريبا او مثيرا للدهشة، بل سيكون من قبيل تحصيل الحاصل، طالما ان الديمقراطية الحقيقية وليست «الديكور» غائبة والرقابة مفقودة، والسلطة بوليسية قبضتها حديدية والفساد عنوان لمرحلة وثقافة عصر، يستوي فيه من هم على قمة الهرم ومن هم قابعون عند سفحه، قانعون بنصيبهم من كعكة نهب المال العام وشق جيوب المواطنين فيما الكبار يلتهمون الحصة الاوفر يضخونها في بنوك الخارج ويجففون منابع الثروة في اوطانهم، على غرار ما جرى في الأرجنتين واندونيسيا والفلبين، وكولومبيا وبيرو وغيرها من الدول الموبوءة بزمر الفاسدين. أما ان يصبح شعار «خذ الفلوس واجري» تعبيرا عن سياسات في الولايات المتحدة زعيمة ما يطلقون عليه «العالم الحر» وارض الديمقراطية راعية الحريات فينبغي ان تكون الدهشة لا حدود لها، ويجب ان يخرج تمثال الحرية الشهير في نيويورك عن صمته ويخرج لسانه ساخرا من عبثية ما يجري الآن في الولايات الاميركية التي وصفتها «نيويورك تايمز» بجمهوريات الموز. صحيح ان آليات الدولة الديمقراطية ونظام المؤسسات لم يفقد قدرته على العمل، ويلاحق الفاسدين وينتج المزيد من الفضائح لكن قدرته باتت تتضاءل امام سطوة الفساد المبرمج والمسيطر تحت مظلة القوة الجهنمية للمؤسسات الكبرى التي تلتهم كل مزايا الديمقراطية وتحولها الى مسرحية عبثية ولمن يقوده حسن ظنه في اتهامنا بالمبالغة ان يراجع «سيرك» الانتخابات التي شهدت تزويرا فاضحا في ولاية فلوريدا وجاءت ببوش رئيسا رغم اصوات الاغلبية التي حصدها منافسه الديمقراطي آل غور.