الوثيقة التالية عبارة عن ترجمة حرفية لتقدير موقف أعدته وكالة المخابرات المركزية الأميريكية بتاريخ 15 يناير 1953، وقد رفع الحظر على نشر هذه الوثيقة في 5 أكتوبر 1997، ولقد أستوقفني أغلب ما جاء فيها: وأظن أن القارئ سوف يدهش أيضا، وربما ظن البعض أنها وثيقة معاصرة، حيث يكفي استبدال بعض الكلمات والمصطلحات فقط، فمثلا يمكن استبدال «الاتحاد السوفييتي والشيوعيين» بـ محور الشر والارهابيين، وتصبح الوثيقة وكأنها قد كتبت في زمننا الحالي رغم مرور نصف قرن عليها. صورة طبق الأصل: الظروف والاتجاهات التي تؤثر على أمن الولايات المتحدة في الشرق الأوسط: عرض المشكلة: لتحديد القوى والاتجاهات الرئيسية في المنطقة، ولتقدير جذورها وقوتها واحتمالات تطورها وأثرها على مواقع الغرب والسوفييت في المنطقة في غياب حرب شاملة. استنتاجات: 1 ـ بالاضافة الى هدف الغرب في المساهمة في الاستقرار في الشرق الأوسط، فان لديه اهتمام أساسي ومحدد بالثروات البترولية الواسعة والموقع الاستراتيجي للمنطقة. لأن حرمان الغرب من ذلك سوف يعتبر نكسة خطيرة لكفاحها ضد الكتلة السوفييتية، حتى ولو لم تكن المنطقة قد وقعت تحت السيطرة الشيوعية. 1 ـ أن تزايد عدم الرضا بين كل القطاعات الاجتماعية تقريبا، يؤثر على أنواع السلطة،، وهو ما يجد تعبيرا في شكل المطالبة المتنامية للقضاء على النفوذ الأجنبي، واصلاحات داخلية اجتماعية واقتصادية وسياسية. 3 ـ أن ما يعوق التوصل الى الاستقرار هو عدم فاعلية الحكومات الشرق أوسطية والمؤسسات السياسية، والتنمية غير الكافية لمصادر الثروة الاقتصادية،والعداء العربي الاسرائيلي، والتنافس البين عربي. 4 ـ ان الاتحاد السوفييتي سوف يواصل تشجيعه لحالة عدم الاستقرار ومعاداة الغرب، واستغلال الفرص الحقيقية لخلق شروخ بين دول المنطقة، وبينهم وبين القوى الغربية، لأن الحكام السوفييت ربما يقدرون أنه بالامكان حرمان الغرب من هذه المنطقة دون دخولهم بشكل مباشر تحت السيطرة الشيوعية، وبدون ارغام الاتحاد السوفييتي على القبول بالمسئولية الكاملة لدعم الأنظمة الشيوعية في المنطقة. 5 ـ أن الاحزاب الشيوعية المحلية، ليس من المنتظر أن تمتلك القوة المسيطرة على حكومات الشرق الأوسط خلال السنوات القادمة المقبلة، ومع ذلك فانه من المحتمل أن يتزايد النفوذ الشيوعي، والخطورة الرئيسية هنا هي أن الشيوعيين سوف يكرسون نفوذا متناميا في حكومات غير شيوعية دون سيطرتهم بشكل رسمي على الحكم. 6 ـ ومع ذلك، فانه باستثناء ايران، فان دول الشرق الأوسط لا تشعر بأن الاتحاد السوفييتي يهددها بشكل مباشر، ويخشون من أن قبولهم لدعم الغرب سوف يؤدي الى هيمنة غربية. 7 ـ ورغم أننا لا نعتقد بانهيار السلطة، فان الوضع العام للاستقرار يتدهور. 8 ـ وفي ضوء الظروف السابقة، فانه من المحتمل أن تعتمد الحكومات بشكل واسع على قواتها المسلحة للحفاظ على السلطة، ورغم أن هذه الأنظمة المتسلطة تقدم أملا لوقف الانحراف الى حالة الاضطراب، فانها سوف تواجه بالعديد من المشاكل الداخلية، كما أنه سيكون عليها أن تجد حلا لمشكلة اقامة علاقات مع القوى الغربية بحيث تكون هذه العلاقات مقبولة للأمن القومي للبلاد، وفي نفس الوقت تسمح لها بالحصول على المساعدة والنصيحة الغربية في المجالات العسكرية والاقتصادية. المناقشة: 9 ـ بالاضافة الى هدف الغرب في المساهمة في الاستقرار في الشرق الاوسط، فانه لديه اهتمام أساسي ومحدد بالثروات البترولية الواسعة والموقع الاستراتيجي للمنطقة، لأن حرمان الغرب من ذلك سوف يعتبر نكسة خطيرة لكفاحها ضد الكتلة السوفييتية، حتى ولو لم تكن المنطقة قد وضعت تحت السيطرة الشيوعية. 10 ـ أن دول الشرق الأوسط ليس لديها القوة للوقوف وحدها في العالم المعاصر. ولا المقدرة لمواجهة مشاكلها الداخلية، وقد ساهم الوجود البريطاني والفرنسي في استقرار المنطقة في الماضي، ولو أنه كان في نفس الوقت محط تركيز المعارضة القومية. ووجود الحكومات العاجزة وعدم التنمية الكافية لمصادر الثروة يجعل العون الخارجي ضروريا لاستقرار منطقة الشرق الأوسط، الا أن غيرة هذه الدول على استقلالها يجعلها تتخوف من أن الدعم الغربي سوف يؤدي الى الهيمنة الغربية والسؤال اذن هو عما اذا كان من الممكن أن تنشأ علاقة جديدة بين دول الشرق الأوسط والغرب، علاقة تؤدي الى تهدئة شكوك دول الشرق الأوسط، ومن ناحية أخرى تسمح لتصالح الغرب ودعمه أن يمكن تلك الدول من المحافظة على الأوضاع الداخلية بشكل يخدمها ويخدم مصالح الغرب في الوقت نفسه. القوى الرئيسية: 11 ـ ان عدم الرضا بين كل القطاعات الاجتماعية تقريبا يؤثر على أنواع السلطة. أن الطبقات الحاكمة، والاقطاعيين، زعماء القبائل، كبار التجار ـ يقاتلون للمحافظة على امتيازاتهم، الا أنهم في نفس الوقت لم يظهروا مقدرة كبيرة أو استعداداً لحل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية المتنامية، ان هناك تزايدا سريعا في العناصر المتعلقة وشبه المتعلقة على المدن ـ الطلبة، الموظفين الحكوميين، الطبقات المهنية، شباب ضباط الجيش، صغار رجال الأعمال ـ وهؤلاء تحطمت آمالهم في تحسين الأوضاع الاقتصادية وغالبا متناقضة ـ الأصوليون الدينيون يدعون للعودة الى الممارسة الاسلامية الصحيحة،والاصلاحيون العلمانيون يروجون لبرامج مثل الاصلاح الزراعي، والقضاء على الفساد، وتوسع الحكومة الديمقراطية. 12 ـ أن كل دولة تحتل مرتبة مختلفة في التغير الاجتماعي والنمو الاقتصادي، ففي السعودية واليمن حيث لا توجد أحزاب سياسية، فان الملكيات القبلية تحكم قبضتها على الأمور، وفي الأردن فان النشاط السياسي بدأ يأخذ شكلا بعيدا عن بطانة الملك وزعماء القبائل، وتغذيه في الأساس العناصر المتعلمة من غرب الأردن، وفي العراق لايزال الحرس القديم مسيطرا،ورغم أن الاصلاحيين العلمانيين يسيطرون في مصر وسوريا، الا أنه من غير المؤكد المحافظة على الاستقرار السياسي والاجتماعي،وفي ايران فان الجبهة الوطنية تركز على اتباع سياسة معادية لبريطانيا، بغض النظر عن أثر ذلك على اقتصاد الأمة، وقد يؤدي ذلك الى تفكك سياسي واقتصادي لن يستفيد منه سوى الشيوعيين. 13 ـ وفي المنطقة كلها، توجد عناصر للتغيير لديها سلوكيات سلبية وانفعالية مشابهة، فهناك استعداد عام للتخلص من القوى (الغربية) دون النظر أو التفكير فيما سيعقب ذلك، والقوتان الأساسيتان للتغيير هما: ـ الرغبة في التخلص من النفوذ الأجنبي، فحكومات وشعوب الشرق الأوسط لديها شكوك قوية في النوايا الغربية، وتتجه الى أن تصبح قومية ومحايدة. ـ الحاجة المتزايدة للاصلاح الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ولا يوجد سوى قليل من هذه الاصلاحات في شكل برامج ايجابية. معوقات الاستقرار: 14 ـ أن الحصول على الاستقرار يصطدم بعدد من المشاكل التي لا توجد حلول سهلة أو سريعة لها، ومن ضمنها عجز أدوات الحكومة، ومشاكل اقتصادية خطيرة، والتنافس بين دول المنطقة. 15 ـ أن المؤسسات الحكومية الحالية، والآلة الحكومية غير مناسبة في الوضع الحالي، ورغم أن كثيرا من الاشكال القانونية والسياسية تم نسخها من الغرب، الا أنها لم تكيف لتناسب اجتياجات الشرق الاوسط، وبالاضافة الى ذلك فان هناك عجزا في عدد الأفراد المدربين، كما لا يوجد عرف لمسئولية واستقامة الحكومة، كما أن الحكومات مقيدة بموقف الطبقة التي سبق لها الهيمنة فهي طبقة غير مرنة وضد التغيير، ومن ناحية أخرى فانه من الغالب أن عناصر التغيير تقدم برامجا غير مؤهله للتطبيق العملي والسريع، كما أن أي محاولات للحكومة لاجراء برامج الاصلاح تواجه بمقاومة من أصحاب المصالح الخاصة. 16 ـ أن الضغوط المتزايدة لتحقيق تحسين اقتصادي، تضيف للمشاكل التي تواجه حكومات الشرق الاوسط، وباستثناء البترول فان المنطقة ليس لديها سوى مصادر قليلة للثروة، مصر والأردن ولبنان لديها زيادة سكانية بالمقارنة مع الأراضي المزروعة أو الثروات الاقتصادية، ورغم أن سوريا والعراق وايران لديها أراضٍ كثيرة يمكن زراعتها، فان تنمية هذا القطاع يتطلب سنوات عديدة واستثمارات كبيرة وتؤثر الاجراءات الاقتصادية غير الجيدة، والأفراد غير المدربين ومقاومة التغيير على جهود الحكومة لتنمية الثروات الاقتصادية. 17 ـ كذلك تمثل اسرائيل ومشكلة اللاجئين العرب المرتبطة بها عائقا كبيرا أمام الاستقرار في الشرق الأوسط، فان العداء العربي للدولة الجديدة وخوفهم من نوايا اسرائيل قد ضاعف من الصعوبات التي تواجهها الدول العربية لمعالجة المشاكل الداخلية الضاغطة، فقد حملهم ذلك بميزانية عسكرية كبيرة، وعرقل تطوير وتوسعة المنطقة اقتصاديا، ورغم أن سوريا قد حطمت الجبهة العربية الصلبة ضد توطين اللاجئين العرب (يبلغ اجمالي عددهم 800 ألف لاجيء) حيث أن سوريا قد وقعت اتفاقية مع الأمم المتحدة لتوطين 80 ألف لاجئ فيها، ومع ذلك فان الحل النهائي لهذه المشكلة لايزال أمامه مشوار طويل. ولا يوجد أي تقدم في حل المصاعب العربية / الاسرائيلية الأخرى، أن الدول العربية تخشى من محاولة اسرائيل الاستيلاء على أراضٍ أخرى تحت ضغط الزيادة السكانية وندرة المصادر الاقتصادية وخاصة المياه، ومن ناحية أخرى فان اسرائيل تخشى من أن زيادة القوة العربية سوف تؤدي الى حرب بالمنطقة. 18 ـ التنافس بين الدول العربية أيضا تسبب في اضعاف الاستقرار، وأن هذه الدول لديها تراث ديني وثقافي مشترك، حاول بعض الزعماء السياسيين والدينيين ان يجعلوه أساسا للتعاون والوحدة. الا أن المعنى النفسي والسياسي لهذا التراث المشترك قد تأثر في الماضي القريب بالصراعات العائلية الصغيرة،والسياسات الوطنية الضيقة، والاختلافات الدينية، والاختلافات في المصلحة الاقتصادية، كل ذلك أدى الى أن عدم الوحدة هي صفة الشرق الأوسط، وأثر ذلك على محاولات حل المشاكل المشتركة، وليس من المنتظر ظهور زعامة مؤثرة للمنطقة بالكامل، فمصر التي ينظر اليها باعتبارها الدولة التي من المتوقع أن تأخذ موقع القيادة، تهيمن على جامعة الدول العربية، لكنها لم تحرز نجاحات كبيرة لتحقيق عمل ايجابي مشترك، أما محاولات تركيا وباكستان وغيرهما لدفع الوحدة في المنطقة فلم تجد سوى استجابة ضئيلة. عوائق أمام النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط: 19 ـ أن ارتباط الولايات المتحدة مع اسرائيل لايزال أمرا مؤثرا في العلاقات العربية / الأميركية، والعائق الرئيسي أمام النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط. أن العالم العربي متحد في اعتقاده أن الولايات المتحدة مسئولة في المقام الأول عن انشاء دولة اسرائيل، وهو ما يراه العالم العربي اجراء استعماري وحشي ضد العرب، فضلا عن أن العديد من العرب يرون أن انحياز الولايات المتحدة الى جانب اسرائيل في النزاع العربي / الاسرائيلي يتضح بعد ذلك في أنها لم تضغط بشكل مؤثر على اسرائيل كي تنفذ قرارات الأمم المتحدة الخاصة باللاجئين العرب،وبترسيم حدود اسرائيل، وبتدويل القدس، ان الولايات المتحدة تواجه مأزقا يتمثل في أن اسرائيل لا يمكنها العيش بدون العون الاجنبي، ومساعدة الولايات المتحدة لاسرائيل تعمق مشاعر الغضب العربية ضدها. 20 ـ ان تحالف الولايات المتحدة مع بريطانيا وفرنسا اللتين تعتبران من أهم القوى الاستعمارية السابقة يؤدي الى تزايد عدم ثقة العرب، حيث أن مطالب استقلال أكبر في شمال أفريقيا الفرنسية تلاقي تأييدا قويا في الشرق الأوسط، وأغلب دول المنطقة سوف تبقى بالتأكيد مصممة على اضعاف ـ ان لم يكن ازالة ـ النفوذ البريطاني والامتياز الخاص، ومن ناحية أخرى فان المملكة المتحدة لأسباب تتعلق بالهيبة وكذلك الاقتصاد والأمن العسكري تشعر أنها لا تستطيع أن تتنازل عن مواقعها العسكرية والاقتصادية الكبيرة. أن جهود الولايات المتحدة للتقريب بين الطرفين تخاطر بما يلي: ـ تشجيع اتهامات بألا يكون هناك استعداد للمساومة على أمل الحصول على تأييد أميركي. ـ استثاره اتهامات الانحياز من الجانبين، وأخيرا فان الاخلاء السريع للمواقع البريطانية سوف يترك فراغا عسكريا ستجد الولايات المتحدة أنها مضطره لملئه، وهو ما سوف يثير القلق ويخلق فرصا اضافية يستغلها السوفييت أو الشيوعيون المحليون. 21 ـ أن الولايات المتحدة مقيدة أيضا بحقيقة أن العرب لا يشعرون بتهديد مباشر من الاتحاد السوفييتي، ولا يعترفون بأي التزام شخصي فيما يتعلق بصراع الشرق والغرب، فهم يتخوفون أكثر من العدوان الاسرائيلي،ويشتبهون في أن اهتمام الغرب بالدفاع عن المنطقة هو مجرد عمل لتقوية النفوذ الغربي على حساب استقلالهم. قدرات ونوايا السوفييت في الشرق الأوسط: 22 ـ أن الاتحاد السوفييتي لايزال حتى الآن يعتمد حركة سياسية قصيرة المدى في الشرق الأوسط، لأنه ربما يقدر حكامه أن النفوذ الغربي يتراجع، وأن التدهور السياسي والاقتصادي سوف يستمر،وأن الوضع العام سوف يصبح لصالح امتداد النفوذ الشيوعي، وربما توصل الحكام السوفييت الى أنه يمكن بالفعل حرمان الغرب من هذه المنطقة بدون دخولها فعليا تحت سيطرة الشيوعيين، ودون ارغام الاتحاد السوفييتي على أن يقبل بشكل دائم مسئولية دعم الانظمة الشيوعية في المنطقة سوف يواصل الاتحاد السوفييتي تشجيع التطرف بمختلف أشكاله، خاصة ضد الغرب، مع استخدام الفرص لاحداث التوتر في العلاقات فيما بين القوى الغربية، وبينها وبين دول المنطقة، أن أوضاع المنطقة في ظل النزاع العربي / الاسرائيلي تقدم للاتحاد السوفييتي فرصا عديدة ليزيد من أنشطته وللحصول على القبول العربي. 23 ـ ورغم أن الاحزاب الشيوعية التي توجهها موسكو صغيرة وغير قانونية، وباستثناء ايران فانها لا تمثل حاليا عنصرا أساسيا هاما في الشرق الأوسط، أن الشيوعية تساهم وتربح من عدم الاستقرار في المنطقة، وبرنامج الشيوعيين. تعقيب أخيرا: انتهت الوثيقة، ويوجد مثلها مئات الوثائق التي افرجت عنها أميريكا، وكلها تكشف عن «لعبة الأمم» التي مارستها، وما زالت تمارسها، تلك الدولة العظمى، ولقد قال، موشى ديان «ذات مرة» ان العرب لا يقرأون.. فهل سنثبت ذات يوم خطأ هذه المقولة؟ ـ كاتب مصري