بينما فشلت 18 جولة من المفاوضات تباعا بين حكومة الجبهة الاسلامية في السودان وبين الحركة الشعبية التي تقود التمرد حول صيغة سياسية تسدل الستار على فظائع الحرب الاهلية ، التي ظلت تراوح وتيرتها العبثية منذ عام 1983، كمدخل يفضي الى السلام والاستقرار والوحدة الوطنية عبر التوصل الى حلول جذرية لمشكلة الجنوب، اذا بالنجاح يحالف الجانبين مؤخرا في التوقيع على «بروتوكول ماشاكوس » الذي تجاوز الخلاف المستعر حول الشريعة الاسلامية وعلاقة الدين بالدولة والاستفتاء حول تقرير المصير للجنوبيين. ومن الواضح ان عدة عوامل تضافرت على هذا الانجاز، بينما استمر التباطؤ المريب في تفعيل المبادرة المصرية الليبية لرأب الصدع بين الفرقاء السودانيين، ورغم اكتمال عناصرها والقبول بصيغتها من جانب الحكومة والمعارضة، الا ان الوقت مضى حثيثا دون قيام آلية ديبلوماسية متفرغة وعلى درجة عالية من الكفاءة للاضطلاع بعملية التنفيذ، وترددت شائعات لم يتأكد صحتها حول فيتو أميركي صريح أو ضمني يستبعد المبادرة العربية، ويفسح المجال للمبادرة الافريقية الاسبق زمنيا والتي اطلقتها مجموعة دول الايجاد. وكان الرئيس عمر البشير قد وعد بحل مشكلة الجنوب والازمة السياسية برمتها ان سلما أو حربا قبل نهاية عام 2002 وهو مايفسر تراجع الحكومة عن موقفها وموافقتها على حق تقرير المصير بعد انقضاء فترة انتقالية لمدة ست سنوات، وبديلا عن استبقاء العلاقة بين الدين والدولة تظل الشريعة أحد وليس كل مصادر التشريع، مع منح الجنوبيين حرية اجازة القوانين الخاصة بهم مقابل احتكام الشماليين للشريعة الاسلامية، على ان يجمع بين جناحي الامة اطار دستوري فيدرالي والخضوع لهيبة الادارة المركزية وقوانينها، على أن تتواصل المفاوضات في شهر اغسطس المقبل لحسم قضايا الغاء دستور عام 1998 وترتيبات الحكومة الانتقالية ووقف اطلاق النار توطئة لاحلال السلام الشامل. لكن وفي كل الأحوال نحسب أن الفرصة باتت سانحة الآن للمراجعة ونقد الذات جراء الخسائر البشرية للحرب الاهلية بنحو مليوني قتيل، واستنزاف نحو مليوني دولار يوميا من خزانة الدولة المرهقة بالديون كلفة السلاح والعتاد والتعويضات، فضلا عن لجوء ونزوح ثلاثة ملايين الى شمال السودان ودول الجوار، ولابد اذن من اجتثاث الأسباب والدوافع التي أملت على ابناء الجنوب التمرد على السلطة المركزية مرتين، واندلاع العديد من الانقلابات العسكرية بدعوى تدارك كوارث المعالجات الخاطئة لمشكلة الجنوب، مع كفالة الضمانات القانونية والشعبية والاقليمية التي تحول دون النكوص عما يتم الاتفاق عليه بين الجانبين، لتلافي سابقة تراجع الرئيس جعفر نميري عن التزامه باتفاقية السلام على ان يظل الجنوب اقليما موحدا ثم لجأ الى تقسيمه ثلاثة اقاليم. واذا كان نظام الجبهة الاسلامية قد حقق انتصارا سياسيا مؤزرا عبر «بروتوكول ماشاكوس » لأنه قصر الاستفتاء الشعبي حول حق تقرير المصير على ابناء الجنوب فحسب، دون سريانه - كما اراد قرنق - على المناطق المهمشة في غرب وشرق السودان، فأغلب الظن ان النتيجة لصالح وحدة السودان من عدة زوايا، بينها تواضع امكانات الجنوب التي تؤهله لاعلان دولته المستقلة، حيث لا يزال منذ الاستقلال عبئا على موارد ودخل الشمال، اضافة لافتقاره لمنفذ على البحر، وثانيا لأن زهاء ثلاثة ملايين جنوبي من النازحين الى الخرطوم والولايات الشمالية من حقهم المشاركة في الاستفتاء، وهم بحكم استقرارهم ومصالحهم يقفون مع الوحدة، وثالثا ان انفصال الجنوب خيار مرفوض من كافة دول الجوار الافريقي، باعتباره سابقة سياسية خطيرة من شأنها تمزيق الدول التي تعاني من المشكلات العرقية الاثنية على شاكلة السودان. ويبقى المطلوب من الشماليين حكومة وأحزابا العمل بجدية خلال الفترة الانتقالية، لكسب قناعة ابناء الجنوب بالتصويت في الاستفتاء المرتقب حول حق تقرير المصير لصالح الوحدة وهي مسئولية مصر كذلك في الحفاظ على أمنها القومي.