في مشهد يشبه مشهد حرب الخليج الثانية يبدو العالم العربي مقبلا على اختبار صعب بالإعلان عن اقتراب تنفيذ عمل عسكري غربي ـ أو أميركي منفرد ـ لتغيير النظام في العراق، وللمرة الثانية يجد النظام الرسمي العربي نفسه أمام مشكلة لا يستطيع أن يملك زمام القرار فيها ليحلها حلا عربيا تحت مظلة عربية، وكثيرون كانوا يتمنون أن تحل أزمة احتلال الكويت حلا عربيا. ورغم أن الصحافة العربية تمتلئ بتصريحات رسمية وكتابات لمثقفين عرب يشجبون المخطط الأميركي إلا أن أحدا لا يقدم حلا بديلا، كما لم يستطع نظام عربي أن يحول رفضه إلى موقف يوقف عجلة الترتيبات التي بدأت تأخذ شكلا أكثر جدية مؤخرا. وحقيقة أن مثل هذا العمل الأميركي يفتقر إلى مشروعية دولية لا ينفي حقيقة أخرى هي أن النظام العراقي يفتقر ـ أكثر من أي نظام عربي آخر ـ للمشروعية، فما زال النظام يبني مشروعيته على خطاب ثوري كاسح وينتقل بمواطنيه من حرب لأخرى لا ناقة لهم فيها ولا جمل بينما يدفعون وحدهم ثمنها. والمواطن العراقي ليس مغيبا عن اتخاذ قرار الحرب وحسب بل تحكم حياته من الميلاد وحتى الموت إرادة «النخبة الثورية البعثية» التي تقوده في «مواجهات تاريخية» لا تنتهي، دون أن تفكر هذه النخبة في التوصل إلى نقطة تراض مع مواطنيها. كما أنه يشكل مشكلة في محيطه الإقليمي، وهو ما تستند إليه الولايات المتحدة أكثر من اعتمادها على تفويض دولي. فعلى المستوى العربي مازالت العلاقات العراقية الخليجية عموما مصابة بجراح من آثار حرب الخليج الثانية، كما أن التهديد الصهيوني الذي أجرى في شرايين العلاقات العراقية السورية بعض الدماء الدافئة لم يجعل هذه العلاقات طبيعية حتى الآن. وقل الشيء نفسه عن العلاقات العراقية الإيرانية. ولعل من المفارقات أنه استضاف على أراضيه منظمة «مجاهدي خلق» الإيرانية المسلحة وسمح لها لسنوات بأن تمارس أعمالا عسكرية ضد إيران انطلاقا من الأراضي العراقية، فبأي معيار يكون اتصال المعارضة العراقية بأية دولة في العالم موضع تجريم للطرفين، بينما لا يكون اتصال المعارضة الإيرانية بالنظام العراقي موضع تجريم؟ وبقدر ما أدت التداعيات الأخيرة إلى تسليط الأضواء على مختلف فصائل المعارضة العراقية بقدر ما تطرح أسئلة عن مدى مسئولية النظام العراقي نفسه عن ظهور هذه المعارضة واغترابها في المنافي، تبحث عن نصير لقضيتها وتتحول إلى صيد مغر للطامعين من الدول الكبرى في اختراقها واستخدامها لتحقيق أغراضهم، فاللوم لا يقع في المقام الأول على هذه المعارضة ولا على الدول الغربية التي تحاول اتخاذها غطاء لعملية تدخل عسكري، وإن كان الطرفان مشتركين في الخطأ بالطبع، بل يقع اللوم في المقام الأول على النظام العراقي نفسه فالمعارضون السياسيون في أي مجتمع لا يتحولون إلى «معارضة منفى» دون أسباب قوية، وكثرة عدد الرموز المهاجرة من المعارضة واختلاف مشاربهم السياسية وأصولهم العرقية وانتماءاتهم المذهبية يؤكد أن أزمة الحريات في العراق عميقة وشاملة. ومن الإنصاف تنحية التفسير التآمري عند الاقتراب من هذه الظاهرة فهو تفسير مريح لكنه خادع. ورغم أن الموقف العربي يعكس ضعفا شديدا إلا أنه يشير إلى ما هو أهم، فالاهتمام الشديد بسيادة الدولة العراقية وعدم جواز تغيير نظامها السياسي بالقوة على يد دولة ـ أو دول ـ أجنبية لا يقابله اهتمام بدعوة النظام العراقي لإحداث انفراج ديمقراطي يخفف الاحتقان السياسي الشديد الذي تعيشه العراق ويفتح الباب لاحتمال عودة قسم من المعارضين السياسيين إلى الداخل، مع السماح لهم بطرح مطالبهم من داخل النظام السياسي. وهذا الحرص المبالغ فيه على تأكيد أن للدولة سيادة مطلقة على الأرض والناس دون أن يرتبط ذلك بتصور عادل لما للمواطنين قبل الدولة من حقوق أساسية لا تقبل الإهدار، يرسخ في وعي الغرب صورة العالم العربي كعالم محكوم بديكتاتورية أبوية خانقة، وما لم يتبلور خطاب عربي متزن في هذا الشأن فستتجاوز خسائرنا الملف العراقي بحيث يلحق بصورة العرب المزيد من التشويه.