رسالة تلقيتها من احد القراء عبر فيها عن عتابه الشديد، واستيائه من أولئك الذين يتداولون النكات المقروءة او المسموعة عبر الهاتف الجوال، آناء الليل وأطراف النهار!! رسالة القاريء الذي طلب مني ان اسلط الضوء على ما جاء فيها تعبر عن نوع من التسطيح في التعامل مع التكنولوجيا المعاصرة!! وحتى لا أرمى بتهمة الدعوة الى الكآبة والعبوس، او الى هجر الضحك والتخلي عن المزاح البريء، فإن لي رأيا وسطا استأذن القاريء في بيانه. وخلاصته ان من يريد ان يرسل رسالة من النوع الكوميدي الضاحك فإن عليه ان يراعي عدة امور لابد منها: أولا: ان لا تكون كلمات النكتة من النوع المخل بالأدب، أو التي فيها اجتراء على الناس، او انها عارية عن الصحة وملفقة في حق احد الاشخاص، او انها تحمل اتهاما للغير بالباطل، مع التأكيد على ان الشخصيات العامة التي يعرفها الجميع يجب ألا تكون مادة للتنفيس عن المشاعر المكبوتة بطريقة مبتذلة، وعديمة الاحساس بما ينسج الخيال المتفلّت من عقاله، والسابح في ملكوت الدعابة دون وجود حد او قيد او خط يمنعه من التجاوز الى شطآن كل ما فيها كذب وافتراء. وهنا عند هذه النقطة بالتحديد اطلب من القاريء الكريم ان يعرض هذه المطالب المشروعة وهذا السياج الطبيعي على رصيده من النكات الحديثة او القديمة، فإن وجد انها ليست من النوع الذي يحذر منه مقال اليوم فليحمد الله على الصحبة التي يرتبط بها، حيث انهم ممن يمتلكون نواصي عقولهم، ويحسنون تقليب المعاني التي ترد في اذهانهم ليختاروا منها ما لا يسيء الى غيرهم من الناس. ثانيا: ان لا يوظف وقت العمل في تداول النكات كتابة وارسالا، فهذا من شأنه ان يخل بسير العمل، ويشتت الذهن، كما انه يضعف الانتاجية، ويعيق التواصل مع متطلبات المهام التي بين يديه، مما لا يمكن تسويغه او قبوله. ثالثا: ان لا يتحول اسلوب كتابة النكات الى عادة اصيلة في نفس الانسان لا يستطيع ان يهجرها او يتخلص منها في المستقبل خاصة وان المواظبة اليومية والمتوالية في تكديس هذا السلوك كفيلة بالتأثير على العقل الباطن، حيث يتكون ما نسميه (العادة) ومعها يحتاج الانسان إلى جهود استثنائية ليتحرر من قيدها، ولينفلت من أسرها إذ ان للعادة سلطانا على النفس لا يضاهيه أي سلطان. رابعاً: مراعاة الوقت حين ترسل الرسالة الالكترونية النظيفة، إذ ان هناك من يبادر بحسن نية إلى ارسال طرفته الساخنة التي وصلته للتو من صديق خفيف الظل، إلى صديق آخر في لحظة الذروة من يوم العمل، وفي وقت حرج وحساس كأن يكون ذلك الصديق منشغلاً في اجتماع مهم مع رؤسائه في العمل، وفي لحظة الاستغراق الشديد في تداول الافكار والاخذ والرد في جلسة العمل التي يشارك فيها تصله تلك النكتة الطريفة، المحبوكة السرد، وذات القدرة العالية على انتزاع الضحك من فم قارئها، وحينها، وبفضول معهود من قبل المحترفين في قراءة الرسائل الالكترونية، وبحركة لا ارادية منه، يميل برأسه، ويقرأ تلك الرسالة الطريفة، نعم، يفتح صاحبنا الفضولي الجواب الذي اتاه، ليقرأ تلك النكتة اللاذعة، وفي لمح البصر، وبينما يقاوم رغبته في اطلاق ضحكة مدوية، يستفيق فجأة على وجوه رؤسائه الذي استرعى انتباههم تلك الايماءات الغريبة الصادرة منه، الامر الذي يصيبه بالارتباك الشديد، ويجعله في موقف يدعو للرثاء والشفقة!! ان الذي يعلمه الجميع ان التقدم التكنولوجي في مجال الاتصال يهدف الى تيسير حياة الناس، وتوفير الوقت الذي هو اعظم الموارد المعطلة، كما يهدف الى تسهيل انجاز الاعمال، مع تحقيق قدر من التوافق والانسجام مع متطلبات العصر الرقمي الذي لم يعد يسمح بأي هدر للوقت او الطاقة. كم هي المفارقة شديدة، وكم هو البون بعيد بين الاهداف الحقيقية التي من اجلها وجدت التكنولوجيا وبين الاهداف الزائفة التي استهلكت الكثير من الوقت والمال في غير طائل ولا مكسب حقيقي.