يسألونك وأنت في هذه الأيام القائظة اللافحة من بدايات يوليو: أي المشاهد أحب إلى قلبك وأي الرؤى أقرب وأكثر فتنة وأشد سحرا إلى شبكية العين ؟ هنالك تتوالى المشاهد وتنداح الرؤى مثل شريط ينثال عبر الخاطر ويمضي متسللا متسربا في زوايا الوجدان.. قد تتذاكر مشاهد الطفل إذ يلثغ بأولى الحروف.. أو الحسناء إذ تخطر مدلة بسحر جمالها يكاد أديم الأرض يلثم خطواتها أو تصدق عليها كلمات إبراهيم ناجي: واثق الخطوة.. يمشى ملكا ظالم الحسن.. شجي الكبرياء.. أو قد يتوارد على الخاطر مرآى شموخ الجبل أو سندسية المروج أو ابتسام السهل أو انبساط الصحراء أو عناق الشمس مشربا بحمرة شفق مع موج البحر وقد مالت زرقته إلى هدأة المساء يا ألطاف الله.. كم أهدتنا عبقرية الخلق كونا رائعا وعالما جميلا.. أروع ما فيه أنه مفعم بأسرار ان أمعنت التفكير في آلائه لاهتديت القطرات إلى أن كل منظر رائع تطالعه معنى كامنا وراءه أو سرا مستكنا في أعماقه.. فالجمال بغير معنى لا يعدو أن يكون واجهة من زواق أو لافتة من زخارف والسحر بغير أسرار هو مجرد تناسق في التركيب أو توافق في الهيكل والتركيب ولو سألوا الفقير كاتب السطور عن أبهج المشاهد إلى قلبه لتجاوز هذه المشاهد جميعا؟ كان مشهد الحسناء المختالة بجمالها.. ولأجاب على الفور: انه مشهد الماء.. بالذات مشهد اجتماع ملايين القطرات في منظومة تكتسب لون الفضة وإذا بها تتحول إلى دفق مبارك الإيقاع منبعث من أعماق بئر في مزرعة أو من فوهة أنبوب يرفع الماء من قاع النهر، فإذا ما انعكست على هذا الدفق من عذوبة الماء أشعة الشمس اكتسب الماء الوان الطيف جميعا ولحظتها يفهم القلب ويدرك العقل معنى أن الماء هو باعث الحياة، معنى أن جعلنا من الماء كل شئ، نعم كل شئ حي. إن مشهد التراب في حد ذاته مدعاة لإحباط المشاعر، التراب له لون رمادي كئيب يكاد يجسد معنى اللاشيء.. اللاكينونة معنى العدم والزوال، فما بالك لو انصب الماء على هذا التراب المعدم الرمادي الكئيب تكاد لحظتها تحس بعناق ذرات الرماد مع قطرات المياه، لون الرماد يتحول إلى لون الطين، وهو أصلنا جميعا وفي هذا يقول أديب مفكر هو عبد الله فكري باشا وكان وزيرا لمعارف مصر إبان ثورة أحمد عرابي : أرجو من الله لي طينا أعيش به في أرض مصر على حال السلاطين مازلت - ما عشت - لي في الطين كل هوى وإنما خلق الإنسان من طين ولا أكتمك أن مازال المرء يسعده كثيرا أن يتناهى إلى أعطافه رائحة امتزاج الماء بالتراب لهذه الرائحة أريج خاص يمكن أن نصفه انه أريج الطين.. أو هو عبير الأرض كما عبر يوما واحد من رواد الشعر العربي الحديث هو المرحوم فوزي العنتيل الذي أطلق على ديوانه اسم عبير الأرض ولو واصلنا اتباع الاستعارة.. الممتدة أو الموسعة كما يقولون في علم البلاغة عند الإنجليز لقلنا أن فضة الماء تصافح رماد الغبار وإذا به وقد تحول إلى سواد المسك وهو لون الطين طازجا.. يافعا، مفعما بالعافية واعدا بأنفاس الحياة ومبشرا في مواسم القطاف بزهرة مونقة أو في مواسم الجمع بثمرة يانعة أو سنبلة تحمل ما شاء لها فاطرها أن تحمل من حبات الغلال. ولأمر ما حاول المصريون في لهجتهم الدارجة أن يداعبوا لفظة الطين، أن يعاملوها بشئ من التدليل.. التخفيف، الدلع كما قد نقول لهذا عمدوا إلى استعمالها في صيغة الجمع ليدللوا بها على سعة الرزق وبشرى اليسار فقالوا، الأطيان.. آية على أن مالكيها هم من صفوة المجتمع.. الزراعي على وجه التخصيص، وقصروا إلى تقويم مساحة هذه.. الأطيان بمقاييس الفدان الذي كان امتلاك بضعة منه، وربما فدان أو اثنين منه - وخاصة في أراضي وسط دلتا النيل - القليوبية والمنوفية والغربية - (مناطق بنها وشبين الكوم وطنطا) أملا يرتجى باعتبار هذه المناطق - بشهادة الخبراء- من أخصب الأراضي الزراعية في العالم لا عجب أن يكتب الشاعر الكبير حافظ إبراهيم وهو صنو أمير الشعراء أحمد شوقي معبرا عن لهفته إلى أن يمتلك في تلك الأرض الخصيبة قدرا، ولو يسيرا من هذا الطين العجيب يقول الشاعر: جرى بها الخصب حتى انبتت ذهبا يا ليت لي في ثراها نصف فدان وقد كان حافظ إبراهيم يحمل لقب البكوية وكان شاعرا مبدعا يعد في الطبقة الأولى من مبدعي عصره - الثلث الأول من القرن العشرين - وكان موظفا كبيرا في دار الكتب، الخديوية، ولكنه كان.. صعلوكا عبقريا عظيما لا يملك من متاع هذه الدنيا كثيرا ولا قليلا، اللهم إلا موهبته وكانت ثرية وعريضة ودفاقة (ومطلوب إعادة اكتشافه في زماننا الراهن فلا يكاد أجيالنا الناشئة تعرف عنه - ان عرفت وباستثناء ما قد تدرسه في نصوص المدارس - أنه صاحب قصيدة أم كلثوم وقف الخلق ينظرون جميعا كيف ابني دعائم المجد وحدي) ثم كان حافظ بيه إبراهيم يملك - كما قال الرواة - حنجرة قوية جعلته في الصف الأول ممن يستطيعون القاء الشعر في المنتديات والمناسبات العامة وقد انعكس هذا الجانب على الإيقاع الرنان الذي ما برح يتردد جرسه في جنبات هيكله الشعري.. حتى ليمكن أن نقرنه بالشاعر الجاهلي الشهير.. الأعشى الذي كان الناس يتابعونه في أسواق عكاظ وذي المجاز كي يسمعوه وهو يروي أشعاره وكأنما يوقع على أوتار موسيقى وكانوا يطلقون عليه أيامها لقب صناجة العصر الحديث، وللأسف فلم يحفظوا لنا أي تسجيل باق لهذا الصوت الشعري الذي طوي مع مسيرة الزمن وخفتت ثم اختفت نبراته رغم أن حافظ رحل عن الدنيا في عام 1932 قبل رحيل رفيقه شوقي بأشهر قليلة وفي هذا قال أمير الشعراء يرثيه: قد كنت أوثر أن تقول رثائي يا منصف الموتى من الأحياء وفي عام 1932 كانت دنيا التسجيلات- على أسطوانات مزدهرة وفعالة وقبلها بنحو اربع أو خمس سنوات كانت مصر قد عرفت الراديو في إذاعات عديدة كان يقدم عليها القطاع الخاص واسمها الإذاعات الأهلية وبعد رحيله بأقل من سنتين بدأت الإذاعة المصرية الحكومية - الإذاعة اللاسلكية الملكية إرسالها.. بل حفظ لنا التاريخ تسجيلات- ولو نادرة - للمطرب سلامة حجازي الذي مات قبل الشاعرين حافظ وشوقي بأكثر من 15 سنة والحاصل أنهم ربما كانوا يفضلون المطربين والمطربات في التسجيل على الأدباء والساسة والشعراء أو انهم بصراحة كانوا يعتبرون أن وقوف زعيم سياسي مثل سعد زغلول أو زعيم شعري مثل أحمد شوقي امام ميكروفون أو ماكينة تسجيل عند الخواجه بيضافون في حي الموسكي أمرا لا يليق بالساسة الكبار أو المفكرين والشعراء المتربيين المحترمين. وها هو العم حافظ إبراهيم وحكاية غرامه بالطين وأنصاف الفرادي وغياب صوته الجمهوري المعبر إلى الأبد.. وقد حرمونا عن شغفنا بأجمل مشهد تراه العين وهو دفق المياه وأروع عطور تتناهى إلى الوجدان وهو عبير الطين نتيجة امتزاج الأرض الطيبة بالماء المبارك. يقودنا هذا إلى نشأتنا ونحن نروض عقولنا الصغيرة في دنيا الجغرافيا وقد الح علينا أيامها سؤال طريف هو: إيهما أطول نهر النيل أم نهر الأمازون ؟ ورغم سذاجة السؤال فقد ظل يعيش معنا إلى أن قيض الله لنا أن نعيش مع كل من النهرين العظيمين قصة أرجو أن نحكيها لك في حديث يأتي فانتظره.