في ايران كما في فلسطين كما في اكثر من بلد عربي واسلامي اخر، يجادل الكثيرون من النخب الاهلية والوطنية ومن رموز المجتمع الدولي المتصدي لمعركة، ما بات يعرف بـ «مكافحة الارهاب» حول موضوع «الاصلاحات» وضرورتها، ولا يمر يوم على صحافتنا الوطنية او وسائل الاعلام الدولية وفضائيات العالم المنتشرة بكل اللغات الحية الا ويتم التأكيد فيه على ضرورة «الاصلاحات». واذ يحق لنا التأكيد هنا على أنه لا يمكن انجاز اية مهمة صغيرة كانت او كبيرة في بلادنا العربية والاسلامية الا تحت مظلة الاصلاحات، وبقيادة مصلحين يريدون تحويل حال الامة الى احسن حال، لكن السؤال الكبير الذي يراود الجميع جمهورا ونخبا وحكاما هو «ما نوع الاصلاحات الذي يصلح لبلداننا مفهوما وآلية ومقاصد غائية؟». فيما يخص المفهوم يظل الجدل الدائر في كل الاروقة المعنية محيرا، هل المقصود في الاصلاح والاصلاحات، اصلاح حكامنا وانظمتنا السياسية، ام اصلاح مناهجنا الحياتية والتربوية ام اصلاح ثقافتنا وديننا؟؟ محاذير وتحديات وللاجابة عن مثل هذه الاسئلة ثمة من يضع التحديات التالية: اولا: ان اصلاح الحكام والانظمة السياسية في بلداننا شأن داخلي يحدده ابناء كل بلد واهلها من عامة الناس ونخبها الوطنية، وهي التي تقرر في اخر الامر من سيبقى وماذا سيبقى على رأس الهرم في كل قطر، واي تدخل من خارج الحدود لابد ان يحرف تجاه معركة الاصلاح ويضعها في سياقات لا يمكن ان ينتج عنها اصلاح وطني بكل معنى الكلمة، مهما كانت النوايا حسنة! ثانيا: ان الاصلاحات المطلوبة لسلوكياتنا ومناهجنا التربوية، امر لا يمكن ان ينجح مطلقا بناء على قواعد فكرية وفلسفية او دينية قادمة الينا من خارج سياقات تطورنا الفكري والثقافي والحضاري، واي خلط في المفاهيم في هذا المجال قد يسبب حدوث بلبلة فكرية وثقافية تطيح بمفهوم الاصلاحات نفسه وبالمصلحين انفسهم. ثالثا: ان اية اصلاحات بنيوية تريد التعرض لأسس ديننا او عقائدنا الثقافية والفكرية العامة سيكون مآلها الفشل المحتوم لا محالة، مالم يشرف على مفاهيم الاصلاح البنيوية علماء دين ورجال فكر مختصون وعارفون بشرائط الزمان والمكان، بما يسمح لهم استنباط المتغير من الثابت في عقائد الامة مما هو متداول من افكار واعراق وتقاليد باسم الفكر الديني دون ان يعني ذلك اغلاق باب المناقشات والجدل السلمي الحر بين اطياف المجتمع المختلفة. واما فيما يخص آليات الاصلاح فان التحديات المطروحة امامنا كما يراها اهل الفن والاختصاص فهي الاخرى ليست بالقليلة، واهمها قد يكون مايلي: اولا: ان اية عملية اصلاحية لا يمكن ان يقودها جنرالات ولا رجالات من نخب الانقلابيين ايا كان اخلاصهم او توجهاتهم، لان الاصلاح يعني اصلا فيما يعني التدرج في التغيير وعدم استخدام القوة والعنف وافساح المجال لاوسع الفئات للمشاركة في النقلة النوعية او الكمية المطلوبة وهو ما لايفقهه الانقلابيون والعسكر. ثانيا: ان اية عملية اصلاحية ناجحة لا يمكن ان يكون من وسائلها استخدام الجيوش او الغزو والاجتياح او الاطاحة بالجملة. ثالثا: ان اية عملية اصلاحية حقيقية لا يمكن ان تتحقق بأيد اجنبية مهما كانت تلك اليد نظيفة او مخلصة، او كان الاصلاح قد تحول الى ملف دولي يهم الجميع. واما فيما يخص المقاصد والغاية من الاصلاح فان التحديات هي الاخرى ليست بأقل اهمية من غيرها مما ذكرنا ولعل اهمها ما يلي: اولا: هل الغاية تلبية مطالب شعبية ووطنية ملحة ام نزول عند رغبة خارجية ملحة؟ ثانيا: هل الهدف والغاية اللحاق بما بات يعرف بركب التطور العالمي؟ واذا كان كذلك فهل يعني ذلك فيما يعني بأن كل ما ذهب اليه الاخرون بالضرورة قيمة ثقافية وحضارية وانسانية متفق عليها بكل المعايير، ام ان الامر كما هو اليوم في بعض القضايا مثار جدل حاد حتى لدى اكثر البلدان تقدما؟ ثالثا: هل الغاية من تحقيق الاصلاحات حل مشاكل داخلية ملحة ام توفير الظروف والشروط التي تسهل على هذا الحاكم او ذاك البقاء في معادلة اكثر استقرارا مع شركائه الدوليين؟ معركة المفاهيم القائمة من التحديات والاسئلة طويلة، وهي تتعلق بمجملها في الواقع بما يمكن ان نطلق عليه معركة «المفاهيم» التي باتت اليوم اكثر التباسا واكثر تداخلا واكثر جدلا بل واكثر غموضا اكثر من اي وقت مضى في تاريخ الانسانية خاصة بعد الاستنفار الشامل الحاصل على المستوى البشري العام بعد الحادي عشر من سبتمبر. وقد تتوسع معركة تصحيح المفاهيم هذه في الواقع لتطال كل ما هو متداول اليوم على المشهدين السياسي والثقافي العام. فماذا بات يعني مثلا مفهوم «العنف» او مفهوم «التطرف» او «الراديكالية» او حتى «وقف اطلاق النار» او «الحل السلمي» او «التسوية» او «الحل السياسي» ناهيك عن «مكافحة الارهاب». وغيرها من عشرات المفاهيم والمقولات التي تتزاحم من حولنا وهي ملتبسة على المواطن كما على الحاكم كما على رجل النخبة. فليتصور اي واحد منا ان يقال له مثلا انت راسب في الامتحانات حتى لو اتيت بمعدل 60% بل و 70% وانت غير لائق لقيادة السيارة حتى لو نجحت في اختبار «السواقة» وهلمجرا! فماذا يعني مثلا ان يصدر تقرير من الامم المتحدة او باسمها بان العرب يعيشون عصر الظلام!! كما ورد مترجما في صحافتنا الوطنية العربية والاسلامية، او ماذا يعني مثلا ان يقال ان فلانا من الحكام العرب أو المسلمين غير منتخب من قبل شعبه او غير منتخب ديمقراطيا وبالتالي نحن لانتعامل الا مع من نعتقد نحن انه منتخب فعلا بوسائل الديمقراطية التي نعتنقها نحن!! بل الانكى من ذلك، عندما يخرج البعض ليقول نحن لن نتعامل مع الحاكم الفلاني حتى لو اعيد انتخابه من جديد كما هو الحال مع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، وليس مهما الان الحديث عن تقييم شعبه له سلبا كان ام ايجابا لكن اذا ما فتح هذا الباب امام التداول المفتوح فلن يبقى حاكم واحد على امتداد بلادنا العربية والاسلامية الا ويأتي اليوم الذي سيشمله مثل هذا الترحيم!! لا بل ان الامر سيطال كل مواطن. وعندها لن نستطيع ان نميز المواطن الصالح من غيره الا بمعايير تمنع علينا اختيار حكامنا او اصلاح امورنا الا بأمر من يملكون القوة الغالبة في كل مرحلة من مراحل معادلة الغلبة الدولية! ـ أمين عام منتدى الحوار العربي الايراني