في الأول من يوليو العام 2002 أصبحت المحكمة الجنائية الدولية التابعة للأمم المتحدة أمرا واقعا بعد مصادقة أكثر من ثلاث وسبعين دولة، على معاهدة روما التي قررت في العام 1998 انشاء هذه المحكمة بموافقة مائة وستين دولة عضوا في المنظمة الدولية. وفيما اجراءات المصادقة على المعاهدة وانشاء المحكمة تتم على قدم وساق من قبل الدول في العالم، فان دولتين فقط، هما الولايات المتحدة واسرائيل، أعلنتا أنهما لن تصادقا عليها بل انهما تعارضان انشاء المحكمة في الأصل. أما الأسباب التي تتحدث الدولتان عنها فتدينهما أولا وقبل كل شيء.. ليس لما اقترفتاه من جرائم في الماضي، وهي كثيرة، فلا صلاحية للمحكمة للنظر بما حدث في السابق، وانما لما يبدو أنهما تتجهان لارتكابه من جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وجرائم ابادة جماعية في المستقبل. والعالمان العربي والاسلامي يدركان حقيقة هذا المستقبل، حاليا ومنذ هذه اللحظة. فلا معنى سوى هذا المعنى بالتحديد، الاتجاه الى مزيد من الاجرام، لوقوف الولايات المتحدة واسرائيل وحيدتين تقريبا ضد المحكمة التي يفترض ان ترسي مبادئ العدالة والقانون والشرعية الدولية، ومعزولتين في العالم من ناحية وعنه من ناحية أخرى بينما هما تختبئان خلف شعارات براقة مثل «الديموقراطية» و«حقوق الانسان» و «دولة القانون» ، خصوصا وأن هذه الجرائم من دون غيرها هي ما تشمله صلاحيات المحكمة. ولا معنى له ايضا سوى هذا المعنى، ما دام انتداب المحكمة يبدأ من لحظة انشائها، بمعنى ان عملها لا يطال الجرائم التي شهدتها البشرية قبل ذلك التاريخ، فضلا عن أنها لا تحاكم الدول وانما رجال السياسة والمدنيين والضباط والجنود الذين قرروا، أو أصدروا الأوامر بارتكاب الجرائم، أو ارتكبوها بأيديهم. مع ذلك، بل لعله لذلك، يأتي موقف الدولتين المعنيتين - الولايات المتحدة واسرائيل - من المعاهدة، وتاليا من المحكمة. ولن يصبح هذا الموقف مفهوما الا اذا نظر اليه في ضوء السياسات العدوانية والممارسات غير الانسانية التي تنتهجانها حتى الآنه ضد شعوب العالم، والتي تعطيان الدليل على انهما ستواصلان انتهاجها في الفترة المقبلة. الى أين من هنا؟! .. عمليا تلك هي المسألة التي من شأنها، بالنسبة لـ «الدولة العظمى الوحيدة في العالم» ان تفتح عيون البشرية على أي نفق مظلم تريد هذه الدولة ادخال البشرية والعالم فيه. وبالنسبة لاسرائيل، ان تفتح عيون العرب بشكل خاص على شكل ونوعية المستقبل الذي ترسمه هذه الدولة لهم وللمنطقة التي عاشوا فيها دائما بسلام. لكن المحكمة الجنائية الدولية، برغم ذلك، باتت قائمة فعلا بل هي باتت حقيقة واقعة في مقرها في لاهاي بهولندا، مع أن أحدا لا يتوقع ان تبدأ عملها بصورة رسمية قبل نهاية العام الحالي. الأهم أن صلاحياتها تشمل النظر في الجرائم التي ترتكب على أراضي الدول الموقعة عليها، اذا طلبت هذه الدول ذلك، أو قرره المدعي العام في المحكمة، حتى لو كان مرتكبو هذه الجرائم من دول لا تعترف بالمحكمة أو أنها لم تصادق على المعاهدة. ويبقى أن على هذه الدول ان تتحدى الولايات المتحدة واسرائيل، فتدعي عليهما وتطلب محاكمتهما والحكم عليهما على الجرائم التي ستقترفانها. لم تقل الولايات المتحدة، في تبرير موقفها الرافض للمحكمة الجنائية الدولية، سوى أن من شأن هذه المحكمة أن تهدد عمليات حفظ السلام في العالم وقد تحول دونها، لأنها تجعل القائمين على هذه العمليات عرضة للمساءلة، وحتى للمحاكمة الجنائية، على أعمال قد يكونون مضطرين للقيام بها في اطار المهمات التي يكلفون بها. وطلبت واشنطن، من أجل ذلك، أن تعطي المحكمة هذه القوات ( والأميركية منها بصورة خاصة ) حصانة بعدم محاكمتها على مثل هذه الأعمال. وعلى الأرض، جسدت واشنطن موقفها هذا، في ذات اليوم الذي كان فيه العالم يحتفل فرحا بقيام المحكمة، أي في الأول من يوليو، عندما استخدمت الفيتو ( حق النقض ) في مجلس الأمن ضد قرار تمديد انتداب قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في البوسنة. ولأن المجتمع الدولي، وأساسا الدول المشتركة في القوات، رفض الموقف الأميركي المستهجن، وحتى هدد بتجديد الالتزام بالقوات وبمهمتها برغم سقوط القرار بالفيتو، فقد تراجعت واشنطن وسمحت بالتمديد لأيام فقط على طريق الوصول الى «تسوية» تنقذ - كما قالت - قراراتها وممارسات جنودها في اطار القوات العاملة في البوسنة . الا أن الموقف كله لم يكن سوى ذريعة، بل و«عملية تخريب» على المحكمة، وفق مدير برنامج العدل الدولي في منظمة «هيومان رايتس ووتش» الأميركية ريتشارد ديكر. كيف، ولماذا؟!. نصوص معاهدة روما قد تقدم بعض الجواب. ذلك أن صلاحيات المحكمة، بحسب المعاهدة المشار اليها تشمل ما يأتي: أولا محاكمة أولئك المتهمين بجرائم ابادة جماعية، جرائم حرب، جرائم ضد الانسانية، وما اعتبر يوما جرائم عدوانية. ان رؤساء الدول وكذلك المدنيين والجنود يمكن ان يقدموا للمحاكمة على هذه الجرائم. ثانيا تنظر المحكمة في القضايا التي لم يجر تحقيق فيها، او لم تجر محاكمة، في الدول التي ينتمي اليها المتهمون. وفقط فان الجرائم المرتكبة بعد الأول من يوليو العام 2002 يمكن النظر واصدار الحكم فيها. ثالثا تنتخب البلدان التي صادقت على المحكمة ثمانية عشر قاضيا من جنسيات مختلفة، ومدعيا عاما، يخدم كل منهم لمدة تسع سنوات، لتتشكل منهم هيئة المحكمة. رابعا القضايا التي تنظر فيها المحكمة هي تلك المقدمة : أ- من اي بلد صادق على معاهدة روما وارتكبت على أرضه جرائم من قبل اجانب او من قبل مواطنيه، ب- من المدعي العام في المحكمة بعد موافقة مجموعة من ثلاثة قضاة من هيئتها، ج- من مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة. .. واذن، فلماذا الأعتراض على المحكمة وعلى مهماتها وصلاحياتها اذا لم تكن لدى المعترضين نوايا مبيتة، حتى لا نقول سياسات مقررة، لاقتراف ما نصت عليه هذه المهمات والصلاحيات من جرائم؟!. هستيريا اسرائيلية ولا تردد اسرائيل، بدورها، الا ما يشبه ذرائع الولايات المتحدة وحججها وان يكن بصورة أكثر صراحة ووضوحا من حليفتها الأستراتيجية وصديقتها الدائمة. في الخطاب الاسرائيلي المعلن أن مجلس الوزراء برئاسة ارييل شارون قرر رسميا عدم الانضمام الى المحكمة برغم موافقة الوفد الاسرائيلي الى روما في وقت سابق على المعاهدة، وبرغم انه ارفق موافقته يومها برسالة، وفق صحيفة «هآرتس» ، تشيد بأهداف المحكمة «وتشدد على ادعاء التزام اسرائيل بالقانون الدولي في ضوء المعاناة التي اختبرتها هذه الدولة عبر تاريخها». لكن اجهزة الأعلام تحدثت عن «مخاوف» اسرائيل من ان تكون المستوطنات المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة مشمولة بصلاحيات المحكمة، ومن أن يكون تلكؤ اسرائيل، او عدم رغبتها، او عدم قدرتها على محاكمة مرتكبي جرائم الحرب وجرائم الابادة الجماعية والجرائم ضد الانسانية أمام محاكمها سببا في اجراء المحاكمة امام المحكمة الدولية، ومن أن يتعرض المسؤولون السياسيون والعسكريون فيها الى ما وصفته بأنه «ابتزاز سياسي» نتيجة قدرة الفلسطينيين، بتغطية من الدول الأخرى، على ممارسة نفوذهم في المحكمة وعليها. ومع أن ايريت كان، رئيس القسم الدولي في مكتب مدعي عام الدولة في اسرائيل، يرى انه لا مبرر لأي هيستيريا اسرائيلية تجاه المحكمة، الا انه يؤكد الحاجة الى المعرفة والاستعداد. كذلك فمع انه يشدد على أن انتداب المحكمة يتناول المستقبل فقط وعلى أن صلاحياتها لا تشمل ما حدث في الماضي، الا انه يتخوف من اقدام مجلس الأمن الدولي مثلا على تقديم شكوى امام المحكمة ضد ممارسات اسرائيل في الأراضي المحتلة وضد خروقاتها الدائمة لقرارات المجلس حول الأراضي وحقوق الشعب الفلسطيني. الا ان الدكتور يافا زيلبرشاتس، الخبير في القانون الدولي في جامعة بارايلان، يضيف سيناريو آخر ممكنا «في حال اقدام مجلس الأمن الدولي على تشكيل محكمة خاصة للنظر في احداث جرت في الأراضي المحتلة». يقول : حاليا، من المستبعد تحول مثل هذا الخوف الى حقيقة في ظل الوضع القائم في مجلس الأمن، حيث ان دولا في المجلس مثل الولايات المتحدة ليست عضوا في المحكمة الجنائية الدولية. أما البروفسور ايلي بينفينيستي، الخبير في القانون الدولي في جامعة تل ابيب، فيقلل من أهمية المحكمة الدولية، في طريقه لأن يقلل بالتالي من أهمية المخاوف التي تبديها اسرائيل وقرارها عدم الانضمام اليها. وفي رأي بينفينيستي ان المحكمة «أقيمت أصلا لشرح مدى ضرورة المحافظة على التقاليد والقوانين الدولية التي لم تتم المحافظة عليها على امتداد التاريخ. وفي هذا الصدد، فمهمة المحكمة هي ان تلعب دور الرادع ولذلك فحسنا تفعل اسرائيل ان هي تبنتها وانضمت اليها». مع ذلك، فمخاوف حكومة اسرائيل حقيقية وجدية، وفي الواقع فهي بسبب هذه المخاوف وعلى خلفيتها تجدد رفضها التصديق على المعاهدة ورفضها المحكمة، جنبا الى جنب مع شريكتها الولايات المتحدة الأميركية. ـ كاتب لبناني