في تاريخ صحافة الامارات تبقى «الازمنة العربية» تجربة مميزة وعلامة واضحة في ذاكرة الذين عايشوها او الذين سمعوا بها وتصفحوها فيما بعد. من اهم المرتكزات التي ادت الى نجاح هذه المطبوعة وانتشارها والتصاقها بوجدان وخيال الناس انها عاشت للقراء وعلى كتابات القراء، انها رفعت شعار «كل قاريء محرر» وعلى مدار السنوات التي صدرت فيها، اثارت صفحاتها كثيراً من القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية والرياضية ايضا، وكان كتاب واطراف هذه الحوارات والكتابات هم قراء المجلة بل شارك هؤلاء حتى في كتابة افتتاحية المجلة. هذا التشجيع اثمر في زيادة شعبية المطبوعة وترويجها وكذلك قدمت بشعارها هذا خدمة جليلة للمجتمع ولبناء انسان هذا الوطن، فأبرز الكتاب والصحفيين والمثقفين الذين ساهموا واثروا الساحة طوال السنوات الماضية، الذين توقف بعضهم ولايزال بعضهم يواصل العطاء، هؤلاء كانت بداياتهم او مرحلة نضجهم وانتشارهم على صفحات الازمنة العربية. لا يمكن لاحد ان ينكر هذا الدور الطليعي للازمنة في الاهتمام والحماس الزائد للقراء وتشجيعهم على الابداع والحوار وتنمية مواهبهم. وكذلك فعلت «اخبار دبي» وغيرها من المجلات والصحف التي توقفت، جميعها ساهم بدور في الاهتمام بالقاريء وتنميته بدرجات متفاوتة، وهذه الدرجات في اغلب الاحيان هي المعيار الذي كان يحرك التوزيع، ويرسخ مكانة المطبوعة ليس في السوق وحده انما في قلوب قرائها الذين هم كتابها. الصحف اليومية التي لا تزال تواصل الصدور، انتبهت الى اهمية رأي القاريء ومشاركته في كتابة الجريدة، فسعت هذه الصحف الى تخصيص مساحات يومية لرأي القراء، ومع التواصل ومشاركة القراء وتنافس الصحف فيما بينها على جذب اكبر شريحة من هؤلاء القراء الكتاب تمددت المساحات لتصبح صفحة كاملة يوميا وتوسعت في حالات ليكون بريد القراء صفحتين، وصفحات اخرى مكملة بمسميات مختلفة مثل: الواحة، وعلى طريق الابداع، تعنى بالمواهب في مختلف شئون الأدب والفنون مثل كتابة القصة والشعر والخواطر والرسم والكاريكاتير. هذه الثورة وهذا الاهتمام الذي ساد صحفنا في بداية الثمانينيات الى منتصف التسعينيات، ولد كثيراً من المواهب والاسماء، فكنت تجد في صفحات القراء في الصحف الثلاث الرئيسية منبرا متسعا يثير كثيراً من القضايا والموضوعات التي تهم الشباب وتشغل المجتمع، وتجد مشرف هذا البريد يرفع من سقف النشر واستيعاب الاراء المختلفة والمتضادة في احيان كثيرة، ويسمح لها، بالتعبير والاختلاف، ويشجعها على ذلك بمواصلة النشر لها ونجحت صفحات القراء في ان تكون من الصفحات اليومية الثابتة في تبويب الجرائد الثلاث بسبب كثرة المشاركات، وتأثير هذه الصفحة في توزيع الجريدة، لكن هذا النجاح الذي يرجع الى القراء ومشاركاتهم، ما كان ليحدث ويكبر ويتوسع لولا المحرر المشرف الذي يحرك صفحة القراء، ففترة ازدهار صفحات البريد في جرائدنا الرئيسية كان يشرف عليها نخبة صحفية مميزة، ملكت وعملت على قناعة مفادها ان هذه الاقلام الصغيرة هي المستقبل، مستقبل الجريدة، ومستقبل الوطن، لابد لها ان تكتب وتقرأ وتتحاور وتختلف وتتفق، وان تكبر وان تعطى فرصتها، اتذكر ومن خلال ارشيف «البيان» ان فترة ازدهار بريد القراء فيها، كان في الفترة التي اشرف عليها الزميل الاستاذ المرحوم محمد نوراني، الذي كان عشقه وشغله هذه الصفحة، يتواصل مع قرائها الذين حولهم الى اسرة صحفية تكبر وتتواصل مع بعضها، وكان لهم استاذا وصديقا ايضا، يتواصلون معه في رسائلهم وكذلك من خلال اصواتهم على هاتف الزميل الذي لا يتوقف نهارا وليلا والذي كان ينسى معه بقية تكليفات العمل اليومي وحتى موعد انصرافه من المؤسسة، هذه العلاقة والتواصل والتشجيع من قبل المرحوم نوراني، اخرج مجموعة من الاقلام المتميزة التي ظلت سنوات طويلة تتحاور وتبدع، مثل : غادة الصوري، فاضل سليمان، مسعود امر الله، الهنوف محمد، عمر عبدالرحمن سيف، موزة حميد، محمد سعيد البدري، انور حمدان الزعابي، حمد علي الشرقاوي، عبدالله السبب، مريم المطوع، عارف عاشور، وفنان «البورتريهات» احمد المعلم الذي يحرص ان يذكر اسم «الراشدية» مقرونا بتوقيعه، وراشد بن زايد من «قدفع» الفجيرة، وزاوية «من بلدي» التي كانت تكتبها موزة النقبي. هذه النخبة التي كانت تتفاعل كل يوم وعلى فترات طويلة من الزمن، واصل بعضها كتاباته وكبرت مشاركاته ودوره في خدمة موهبته وابداعه، وبعضها انسحب وآثر الصمت والنسيان، ولعل السبب الاهم في هذا الغياب هو ان الصحف بدأت تفقد بريق صفحات القراء، وما عادت تهتم بها واصبحت تعاملها كصفحة مهملة مكملة للعدد اليومي. ظاهرة «غلوم جاني» من الاسماء التي ارتبطت بصفحات القراء، يظهر اسم غلوم جاني واضحا، تجد مشاركاته شبه يومية وموزعة في كل الصحف والمجلات المحلية. اقتصرت مساهماته على الصورة الفوتوغرافية والتعليق القصير على هذه الصورة، وكانت معظم صوره تتحدث عن ظواهر في البيئة المحلية وايضا انطباعاته وما التقطته عدسته من صور غرائبية في رحلاته الخارجية التي غالبا ما تكون الى الهند مثل: الرجل الذي دفن نصفه السفلي او الكلب الذي يقف بأربع على علبة معدنية صغيرة، مساهمات غلوم على مدار سنوات طويلة في مختلف الصحف، كانت ظاهرة ملفتة للنظر، ان يحرص هذا المصور على التواصل مع الاعلام ثم ينقطع فجأة ويختفي، ولا تعود له مشاركات في الصحف. و .. «بوعايدة» ومحمد صالح بداه من الاسماء التي اخلصت لصفحات بريد القراء وفي كل الصحف ايضا، كانت مشاركته تكاد تكون يومية، واستمرت سنوات طويلة، وقد كانت بدايتها انطلاقا من مفهوم الوظيفة التي يعمل بها، وهو الدور الوقائي والتوعوي في الدفاع المدني، فكانت مساهماته ارشادية وتحذيرية، ثم تطورت الى قضايا وهموم المجتمع، كان يوقع في البدايات باسم «النقيب» محمد صالح بداه، ثم زادت مهماته وترقى وواصل كتاباته في صفحات البريد باسم «الرائد» وبعدها ترفع واصبح «المقدم» واستمر ايضا محبا لهذه الصفحات مشاركا فيها، حتى عندما تقدمت به السن وكبرت اسرته، صرت تجد افراد هذه الاسرة مثل قائدها ينتشرون على صفحات البريد، وازدادت مشاركات محمد صالح بداه، ولم تعد في الصحف فقط بل اصبحت في كل وسائل الاعلام وتحديدا في الاذاعات وفي برامجها الحية، وليس المحلية فقط وانما الخليجية والعربية، فلا تستغرب اذا سمعت صوته صباحا في اذاعة ابوظبي وبعد دقائق تسمعه في قطر، وفي المساء يطلب المذيع الكويتي من صديقهم الدائم «بوعايدة» ان يشاركهم الحوار. ان بداه اليوم اشهر صوت اعلامي يمكن ان تسمعه في كل مكان. هكذا لو واصلت صفحات القراء مدّها وتشجيعها واهتمامها لوجدنا اليوم وغدا جيلا جاهزا من الكتاب والمبدعين، لكنها تعثرت وضعفت، وانعكس ذلك على جاهزية هذا الجيل في مجال الابداع والمشاركات، وبالتأكيد ان هناك كثيراً من المواهب والطاقات لم تتفتح، لانها لم تجد جواً ومشجعا يمنحها الفرصة.