حبس العالم أنفاسه طويلاً، وأطلق تنهيدة عميقة، منتظراً «الخطاب الموعود» يطل من البيت الابيض، فيضع حداً للواقع الأسود في أرض فلسطين العربية، حيث الموت والدمار والقهر والابادة العنصرية تكتسح الزرع والضرع والبشر والحجر، غير ان ولادة «الجبل» تمخضت عن مولود، يضاف الى المواليد السابقة والمدججة والمنحازة للمعتدي الصهيوني، والساخرة من الضحية التي تحترق بنار شارون! وإذا كان العارفون أسرار القضية ودهاليزها والملتزمون بها، والمتلاحمون معها، لم تفاجئهم مقترحات ـ بل تعليمات وأوامر ـ الخطاب الموعود لأنها من طبيعة السياسة الاميركية ازاء الصراع الطويل والمرير بين العرب والصهيونية العنصرية، فإن المفاجأة المضحكة والمبكية في آن، تكمن في قبول بعض أولياء الأمر بما جاء في هذا الخطاب وتسويقه على ان فيه ايجابيات يُبنى عليها! ويتساءل الذين قلوبهم على القضية، والمحترقون في نيرانها على حد سواء، عن الجديد في الخطاب الموعود.. وعن الحلول المقترحة لعقدة المنطقة، بل عقدة الأجيال السابقة واللاحقة. هل كان لمرجعية مدريد موقع في «الخطاب»؟.. وهل لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة وبخاصة (242 و338) مكان يذكر فيطمئن في هذا «الخطاب»؟!.. وهل للقدس اشارة أو ايماءة ولو كومض البرق، تزرع الأمل في صحراء اليأس؟!.. وهل للدولة الفلسطينية التي كاد العالم كله ان يعترف بها واقعياً، ذكر على غير استحياء في الخطاب؟.. ألم يصفها الخطاب بالمؤقتة ليقرر واقعياً ان الاحتلال هو الدائم حتى يوم النشور؟.. وهل الاصرار الذي تجلّى في الخطاب على الديمقراطية والشفافية في اختيار القيادات الفلسطينية المقبلة من مباديء العدالة الدولية والديمقراطية العالمية التي ترفض التدخل في خيارات الشعوب؟.. وهل تطالب أميركا اصدقاءها المهذبين في بيت طاعتها بالديمقراطية التي تطالب بها الفلسطينيين من خلال هذا الخطاب؟! أما المستعمرات التي يطلق عليها ـ تيمناً ـ المستوطنات فقد دعا «الخطاب» الى تجميد البناء فيها، فمتى وكيف يكون الغاؤها.. والتوقف عن توسيعها؟! وهي احدى العقد القاسية في سلسلة الصراع. أما الاجتياح والاحتلال وانتشار الدبابات والجنود أمام كل بيت، وفي كل شارع وساحة ومدرسة في الضفة والقطاع، فهل طلب «الخطاب» من الغزاة زحزحتها قيد شعرة؟! واللاجئون في أربع جهات هذا الكون ومفاتيح بيوتهم في فلسطين مازالت سبحات في أيديهم، فليس لهم جملة مفيدة في الخطاب، لأن الفلسطينيين المتواجدين على أرضهم في فلسطين مطلوب ترحيلهم، فكيف بالمشردين في مختلف أصقاع هذا الكون؟ إن الحرص على اصلاح حال السلطة، والقضاء على الفساد فيها.. لاشك مطلب فلسطيني قبل أن يكون أميركياً أو أوروبياً، شريطة ألا يكون الالحاح في هذا الحقل كلمة حق يراد بها غير الحق.. وهل تطالب أميركا اصدقاءها وحلفائها الأقربين في المنطقة بالقضاء على الفساد واصلاح الأحوال للبلاد والعباد، شرطاً للقبول بهم وبأنظمتهم؟! إن صاحب الخطاب الذي ضرب بالرأي العالمي عرض الحائط عندما كرس شارون «رجل سلام»، وهو يفعل ما يفعل على مرأى ومسمع العالم يؤكد ما كان مؤكداً من أطروحات الصراع في المنطقة، وهي استحالة استقلالية القرار الأميركي عن القرار الاسرائيلي. ذلك ان ما تنفذه أميركا إنما هو سياسة اسرائيلية جذراً وفرعاً تقوم بتنفيذها الادارة الاميركية بوسائل وسبل شتى. يقيني ان الأمة العربية ممثلة بشارعها الذي أثبت ارتفاع منسوب وعيه، وبخاصة في الأشهر الماضية، وتلاحمه مع الشرفاء والمناضلين من قياداته الوطنية والقومية، يدرك خطورة شخصنة القضية وتحويلها لمسرحية من الجدل تنتهي إما مع هذا القائد الفلسطيني أو ذاك، وكأن انهار الدماء التي تدفقت من قلب هذه القضية قد هانت لتصبح ورقة في صندوق انتخاب، أو خطبة لتأييد هذا المسئول أو ذاك. وعلينا ان ندرك ان المطلوب أميركيا ـ واسرائيلياً ـ هو رأس الانتفاضة، ورأس كل الرافضين للخضوع والركوع أمام شارون وناخبيه ومؤيديه العنصريين المعتدين. ولهذا فالمطلوب عربياً، أولاً ووسطاً وأخيرا هو الدعم الكامل والتلاحم المطلق مع الانتفاضة الباسلة، وتصليب المواقف على الصعيدين القطري والقومي في المعركة الطويلة والمريرة والتي تحقق بانتصارها تحرير الانسانية من وحش العنصرية الصهيونية وتعيد للأمة العربية أرضها المحتلة، وحقوقها المسلوبة، وتدفع بها خطوات جسورة نحو سيادة قرارها وانجاز مشروعها القومي النهضوي المنشود. ـ نائب رئيس اتحاد الصحفيين العرب