هل حقا تريد ادارة بوش ان ترى في السلطة الوطنية الفلسطينية مؤسسة ديمقراطية منتخبة شعبيا على كل مستوياتها وتلتزم بمبادئ سيادة القانون والقضاء المستقل؟ الاجابة الصحيحة عن هذا السؤال نجدها لدى شخصية مرموقة من اليهود الأميركيين. هنري سيجمان خبير سياسي بارز في شئون الشرق الاوسط. وبهذه الصفة التخصصية فإنه يكتب بانتظام مقالات تحليلية رصينة تنشر في «نيويورك تايمز». ولا تمنعه يهوديته من توخي الموضوعية والانصاف في تحليلاته. في آخر مقالة نشرت الاسبوع الماضي يكشف لنا سيجمان ان دعوة الرئيس بوش الى الاصلاح الديمقراطي في السلطة الفلسطينية ليست سوى «ستار دخاني» لإخفاء اتفاق سري بين بوش وشارون لمنح اسرائيل ما تحتاج من وقت لاستكمال برنامج تهويد الضفة الغربية لوضع الفلسطينيين في نهاية المطاف عند امر واقع.. فلا يبقى في الارض ما يمكن ان يجري بشأنه تفاوض. ضع نفسك مكان جورج بوش، يقول سيجمان انت تعرف ان لأرييل شارون برنامجا محددا من ثلاثة بنود رئيسية هي: ـ التوسع في بناء المستوطنات في اراضي الضفة لتبلغ المساحة الممتدة عليها نحو 60 في المئة على الأقل في هذه الاراضي. ـ استكمال بناء «الجدار الأمني» الذي يمتد بطول الضفة من الشمال الى الجنوب وبمحاذاة الخط الحدودي الاسرائيلي.. وذلك بغرض منع تسلل الاستشهاديين الفلسطينيين الى الداخل الاسرائيلي. ـ استكمال تنفيذ خطة انشاء نقاط التفتيش الاسرائيلية والطرق الالتفافية بطول ارض الضفة وعرضها حتى يستحيل عمليا على أي سلطة فلسطينية مستقبلية ممارسة أي نفوذ اداري على الارض. أنت لا تزال جورج بوش.. لا تعرف هذا البرنامج وتفاصيله فحسب، بل التزمت ايضا بتأييده ودعمه امام ارييل شارون ومنظمات الضغط اليهودية في الولايات المتحدة، وان تعرف ايضا ان تنفيذ البرنامج بكل بنوده يحتاج وقتا.. ربما ثلاث سنوات. لكنك تعرف ايضا ان التزامك بتأييد البرنامج الاسرائيلي ودعمه ـ وهو بالضرورة التزام سري ـ يتناقض مع التزام قطعته لقادة عرب بأن الولايات المتحدة تؤيد من حيث المبدأ قيام دولة فلسطينية. فكيف توفق بين هذا وذاك؟ وكيف تمكن حكومة شارون من الحصول على ما تحتاج من مهلة زمنية لاستكمال تنفيذ برنامجها؟ سوف تتوصل الى قناعة نهائية بأنه لا حل لهذا التناقض سوى ان تخدع احد الطرفين ـ الاسرائيلي أو العربي ـ ولا تحتاج الى عناء تفكر لتقرر لنفسك من هو الطرف الذي يجب ان يخدع، فالخيار واضح! هنا يتساءل اليهودي النزيه هنري سيجمان: ماذا يقول جورج بوش للقادة العرب وقد قرر أن يخدعهم؟ ان على بوش في هذه الحالة ان يفتعل قضية يضعها كشرط تعجيزي امام القادة العرب.. شرط يتطلب تحقيقه فسحة زمنية حتى ولو وافق عليه الطرف العربي. من هنا ـ يقول سيجمان ـ كانت الرواية التي نسجها جورج بوش ومساعدوه وجعل منها مرتكزا لخطابه الاسبوع الماضي: نعم لقيام دولة فلسطينية لكن بشرط اعادة بناء مؤسسات السلطة الفلسطينية على أسس مبادئ الديمقراطية النيابية. تحقيق هذا الشرط يتطلب بالطبع اجراء عمليات انتخابية فلسطينية على كل المستويات: بلدية وتشريعية ورئاسية مما يتطلب وقتا قد يطول. وهذا بالضبط ما يحتاجه شارون لاستكمال تنفيذ برنامجه. وحتى لو احتاج الزعيم الاسرائيلي الى المزيد من الوقت فان الامر بيده لأنه يملك تأخير الاجراءات الانتخابية بتصعيد العمليات الهجومية على المدن الفلسطينية من اقصى الضفة الى ادناها. ولا تخلو مقالة سيجمان من طرافة. فقد روى انه قبل نحو عام طالب، باعتباره خبيرا في شئون الشرق الاوسط، وزير الخارجية الأميركية كولن باول، بأن تمارس الادارة الاميركية ضغطا على الرئيس عرفات لإشاعة الاصلاح الديمقراطي في سلطته من اجل الشفافية ووضع حد لفساد رموز السلطة. لكن باول كان له رأي اخر. فقد اعترض الوزير، وفقا لرواية سيجمان، محتجا بأن الزام قيادة السلطة الفلسطينية بتوخي الوسائل الديمقراطية سيؤدي حتما الى عرقلة جهودها في «محاربة الارهاب الفلسطيني»! كان ذلك قبل عام. والآن تطالب ادارة بوش السلطة الفلسطينية بالاصلاح الديمقراطي. وفي الحالين فإن الدافع والهدف هو خدمة اجندة شارون.. ليس الا.