عاد الوضع الفلسطيني الى ما كان عليه قبل اوسلو، واذا كان هذا الارتداد يجب ان يعتبر بالحسابات الاستعمارية الاسرائيلية رجعة الى القديم، فانه بالحسابات النضالية الفلسطينية، ايذان بمرحلة جديدة وقد لا تكون القيادة التقليدية القديمة ملائمة لمتطلبات الظرف النضالي الجديد. انا أرتال الدبابات الاسرائيلية تنتشر الآن في كافة المدن الفلسطينية السبع الكبرى في الضفة الغربية شمالها وجنوبها وربما يقول قائل ان الامر ليس جديدا تماما فقد ظلت ارتال الدبابات في حال دخول يعقبه خروج منذ نهاية مارس، لكن اعتبارا من الاسبوع الجاري فان دخول الدبابات الاسرائيلية لن يعقبه خروج هذه المرة، انها جاءت لتبقى الى اجل غير مسمى لاعادة الوضع الاحتلالي الاسرائيلي وتكريسه عمدا وعن سبق اصرار. تأسيسا على هذا المشهد الجديد فانه اصبح من المحتم ان تخرج القيادة الفلسطينية التقليدية من مجرى التاريخ ـ طوعا او كرها ـ لتفسح المجال لقيادة بديلة. ولندع التنظير جانبا لبعض الوقت لننظر في وقائع المشهد الجديد، وسنكتشف على الفور ان السلطة الوطنية الفلسطينية لم يعد لها عمليا اي وجود على الارض ومن سخرية القدر ان شطب السلطة الفلسطينية من الخريطة السياسية لاراضي الضفة بل والخريطة الطبغرافية ايضا، جاء على يد العدو لان ارييل شارون قد وطد العزم على تدمير اي رمز يمكن ان يذكر العالم بان اسرائيل اعطت في يوم ما «تنازلات» في اطار اتفاق اوسلو. ومن غرائب التشابكات في المشهد العام المتحرك ان الحرص على قتل «اوسلو» خنقا يمثل نقطة التقاء بين شارون وقيادات المقاومة الفلسطينية المسلحة ولكن بالطبع لاسباب متناقضة. فبينما يستكثر شارون على الفلسطينيين حتى «الحكم الذاتي» الذي تنص عليه اوسلو فان قيادات المقاومة ترى فيه نتيجة بالغة التواضع قياسا الى حقوق الشعب الفلسطيني المصيرية. الآن باعادة الوضع الى ما كان عليه قبل اوسلو احتلالا استعماريا استيطانيا، فان شارون يسقط بذلك اخر قناع عن نواياه «التوراتية»، فأرض الضفة الغربية من منظور اليمين الاسرائيلي جزء من «ارض الميعاد» الموعودة «الهيا» لبني اسرائيل فلا تفريط فيها. ولان شارون بهذه المخاطرة ينتقل باسرائيل الى مرحلة جديدة في مواجهة الشعب الفلسطيني، فان هذا الظرف يفرض تغييرا قياديا على الجانب الفلسطيني. قادة اليمين الاسرائيلي مشغولون الآن على صعيد السلطة برسم ترتيبات لكيفية ادارة شئون السكان في المدن الفلسطينية، ويتحدثون في هذا السياق حتى عن تنظيم الخدمات الاجتماعية كالصحة والتعليم. فقد بدأ عهد اعادة الاحتلال المستديم الذي سوف ينتهي حسب الخطة الشارونية الى ضم الضفة الى اسرائيل. وازاء هذا الظرف الخطير لا يعقل ان تبقى قيادة تقليدية فلسطينية تستخدم ما تبقى لديها من سلطان في عمليات اعتقال لعناصر منظمات المقاومة المسلحة وملاحقتها استرضاء لحكومة اسرائيلية تعيد محاصرة مقر رئيس السلطة الفلسطينية وادارة اميركية ترى في ذلك وغيره حقا اسرائيليا «للدفاع عن النفس». لقد اندلعت انتفاضة الاقصى ـ التي تواجه اليوم ظرفا حرجا للغاية ـ بعد ثماني سنوات من اتفاق اوسلو، وما كان لها ان تندلع لو ان القيادة الفلسطينية التقليدية استطاعت ان تثبت عمليا ان نهج اوسلو التفاوضي كفيل بتحقيق اي حد ادنى من المطالب المصيرية الفلسطينية. لكن رغم هذا الفشل التاريخي للنهج التفاوضي وما ينطوي عليه من بذل تنازلات فلسطينية بلا قاع فان القيادة الفلسطينية لاتزال تراهن عليه لانها ببساطة باتت عاجزة عن تقديم اي بديل عنه. وهكذا وفي ظل عهد اسرائيلي جديد من اعادة الاحتلال يغلق كل الدروب التفاوضية فان القيادة الفلسطينية التقليدية تكون قد بلغت نهاية عمرها الافتراضي. لقد آن الاوان لبروز قيادة فلسطينية جديدة ترقى الى مستوى التحدي «التوراتي» المسلح الذي يجسده شخص ارييل شارون فهو تحد لا يتجاوب مع لغة الموائد التفاوضية.