كان السؤال القديم في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي: هل من مبرر لوجود فئات مختلفة في عالم عربي يتجه نحو الوحدة؟ كانت قضية الاكراد، في العراق ومسألة البربر في الجزائر وقضية جنوب السودان والخلاف بينهم والحكومة المركزية يثير الكثير من التساؤلات في العالم العربي المتجه نحو الوحدة في ظل التوجه العربي القومي، كان الاعتقاد السائد في العالم العربي يجمع على حتمية الوحدة وحتمية التعريب في كل مكان، اما اليوم فتغيرت الاتجاهات اذ اصبح التساؤل كيف نضمن حقوق الاقليات وحقوق الطوائف والفئات دون ان يؤدي ذلك الى تفتيت البلاد العربية ودفعها الى انقسامات وحروب اهلية جديدة؟ ان المسألة الكردية تدخل في مجال التعامل مع حقوق اقلية قومية مسلمة ولكنها ليست عربية، وقد عانى الاكراد على مدى العقود من القهر الموجهه عليهم من قبل الحكومة المركزية في العراق. المسألة الكردية مطروحة اليوم بقوة، اذ تحولت في العراق من صراع عربي كردي الى اعتبار الاكراد جزءا لايتجزأ من المعارضة العراقية وجزءا لايتجزأ من مستقبل العراق. وكما تغير وضع العالم العربي نجد ان وضع الاكراد قد تغير في السنوات القليلة الماضية، فمنذ عام 1991 يعيش الاكراد تجربتهم الخاصة في ظل حكم ذاتي نشأ في اعقاب الانتفاضة التي وقعت في شمال العراق، لقد تمتع الاكراد على مدى عشر سنوات بحكم ذاتي عمق تجربتهم المدنية والسياسية، وهذا يجعل امكانية عودتهم الى الحكومة المركزية في ظل نفس الصيغ السابقة امرا يصعب تحقيقه، فمن الصعب ان يعود الاكراد الى ذات الوضع الذي عاشوه قبل عام 1990 بعد ان تذوقوا طعم الحكم الذاتي وجربوا معنى الاستقلال الذاتي والاعتراف بلغتهم وتراثهم وحقوقهم الانسانية هذا يعني انه مهما سيحصل في مستقبل العراق فالمسألة الكردية سوف تتطلب تفاهما جديدا على الحقوق والتعايش في اطار الفيدرالية. ومازال الخوف العربي من القضية الكردية قائما، فهناك تخوف كبير من ان تؤدي الاحداث المرتقبة في العراق، خاصة في ظل عمل عسكري امريكي متوقع في الخريف او الشتاء المقبل، الى ما يشبه حالة تقسيم نهائي للكيان العراقي، ويعكس هذا التخوف حالة الاجماع العربي، ومن المخاوف العربية التي تكررها تصريحات القادة في المؤتمرات وخارجها ان تقع احداث كبيرة في العراق تؤدي الى انفصال الاكراد مما يساهم في انهاء دور العراق وربما تفتيته، ان تفتيت العراق سوف يعني بطبيعة الحال خلق فراغات اقليمية سياسية في منطقة الخليج وفي العلاقة مع كل من تركيا وايران. ونجد ايضا ان المسألة الكردية بدأت تكتسب اهمية متجددة في المرحلة الاخيرة، وهي مدخل رئيسي لاستقرار العراق، فالاكراد حققوا تنمية مقبولة في السنوات الماضية وحققوا قفزة في مؤشرات التعليم، ومؤشرات العمل وفي المقدرة على ممارسة الحكم الذاتي، بل ينظر لمناطق الاكراد اليوم كنموذج لمنطقة تخضع لذات العقوبات التي يخضع لها العراق، مع فارق جوهره مقدرة الاكراد على تحسين معيشتهم وادارة شئونهم بالرغم من العقوبات. ان اعادة التركيز على الاكراد وعلى مناطقهم سوف تكون المدخل للمرحلة المقبلة في قضية العراق، فمن الشمال قد تنطلق عملية التغيير في العراق، والى الشمال قد يتجه الجيش العراقي في محاولة لاستباق الحرب التي قد تقع في مرحلة مقبلة، كما ان عدم تأمين حل ديمقراطي للمسألة الكردية سوف يساهم في ابقاء نار الصراع في العراق. ان الاكراد مدخل للاستقرار في العراق، لهذا فان الاعتناء بهذه القضية يشكل مدخلا رئيسيا لمستقبل الامن المرتبط بالمسألة العراقية. استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت