ستعيش الولايات المتحدة حقبتها التاريخية المقبلة تحت وطأة الخوف والذعر من هجمات ارهابية محتملة، يجري الحديث عنها يومياً هناك، ويتحرك الرئيس الاميركي (جورج بوش)، هذه الأيام من أجل حشد الجميع تحت المظلة الاميركية، فمن وجهة نظر الاميركان لا يجوز لصوت ان يغرد خارج السرب الذي رسمته أميركا، أو يعلي رأسه فوق الخط الأحمر للارهاب!! (كل من لا يقف معنا فهو ضدنا) جملة شهيرة جداً سجلها تاريخ 11 سبتمبر للرئيس الاميركي، ومعها كتبت اميركا الصفحة الأولى في تاريخها الجديد، التاريخ الذي ولدت فيه أميركا مجدداً صباح 11 سبتمبر من العام الماضي، بعد الهجمات الشهيرة على برجي مركز التجارة في نيويورك، وعلى ذلك فأميركا تنظر للعالم وللعلاقات والمصالح والمواقف من منظور 11 سبتمبر، ولولا ذلك ما ذهب بوش إلى روسيا ليعقد اتفاقية تخفيض التسلح والرؤوس النووية، وإلى روما ليعلن ان المؤتمر رسالة إلى الارهابيين ومن يؤويهم، حيث يتوجب عليهم الاستسلام فوراً!! من أجل حماية أميركا والأميركيين ـ حسب نظرية 11 سبتمبر ـ ذهب الجيش الأميركي ليقاتل عبثاً في مجاهل وكهوف افغانستان وذهب بوش إلى اوروبا، وارسل رجاله إلى الشرق الأوسط مقدماً (رؤيته الجديدة) حيث اصبح للرئيس بوش (رؤية) أخيراً، وهذا معناه ان الرئيس يتقدم بشكل جيد في ادائه السياسي، اما رؤيته فهي حل الصراع العربي الاسرائيلي على اساس قيام دولتين فلسطينية واسرائيلية مخالفاً وجهة نظر الرئيس القذافي باقتراحه حول دولة (اسراطين) منذ مدة!! رجال الادارة الأميركية الذين سيجوبون المنطقة العربية من أجل تكريس (رؤية) الرئيس، وفرض السيطرة الأميركية على الاوضاع هم: مدير وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية (جورج تينيت) ومساعد وزير الخارجية الأميركي وليام بيرنز الذي التقى الرئيس المصري (مبارك) وأعلن عن أسفه (للاهانات) المستمرة التي يتعرض لها الفلسطينيون!! أما من خارج أميركا فيتوافد على المنطقة العربية كل من مفوض الشئون الخارجية في الاتحاد الأوروبي (خافيير سولانا) ووزير خارجية المانيا (يوشكا فيشر).. هؤلاء لن ولم يأتوا ليضعوا حلاً للصراع وللوضع المتأزم، وانما جاءوا (ليقوموا الوضع) في المنطقة، ذلك ان الوضع ليس سيئاً من وجهة نظر الاميركيين إلى الدرجة التي تحتاج تدخلاً دولياً لحله، فما يمكن ان يدفع باتخاذ قرار تدخل دولي هو حدوث شيء سييء جدا. شيء يشبه الكارثة كحدوث مجزرة جماعية في غزة مثلا، بحسب ما جاء في مقال (باتريك سيل) الكاتب البريطاني المعروف. علينا اذن ـ وعلى الاخوة في فلسطين ان ينتظروا قليلا حتى يقتنع الاميركيون ان الذي يحدث لهم على ايدي جيش شارون هو فعلا امر فظيع ويستحق التدخل الدولي، فيما عدا ذلك عليهم وعلينا وعلى العالم ان يتابع وفود اميركا والاتحاد الاوروبي للمنطقة، والكثير من اللقاءات والمؤتمرات الصحفية، والتصريحات الساخنة التي ستتماشى حرارتها مع حرارة المناخ العربي في هذا الوقت من العام .. كل هذا من اجل الترويج لرؤية الرئيس حول الدولتين!! فمن اجل «الدولتين»، تخضع السلطة الفلسطينية للاصلاح والتغيير واعادة هيكلة اجهزة الامن ومراقبة الاداء الامني مستقبلا، ومن أجل «الدولتين» يتم الحديث العالي النبرة عن تغيير عرفات المتسبب الاول في الارهاب في فلسطين، الغريب ان احدا لم يتحدث عن تغيير (شارون) او يربط بين رحيل عرفات ورحيل شارون كحل مرحلي للانتقال الى خطوة اخرى، فاذا كان عرفات راعيا للارهاب، فان شارون الصانع الحقيقي للارهاب والكل يعرف ذلك، برغم النكتة، السمجة التي اطلقها بوش حوله عندما وصفه قائلا: شارون رجل سلام! لا أحد يدري الى أين تسير الولايات المتحدة في كتابتها للتاريخ من منطلق 11 سبتمبر، ومن موقفها من الجميع على اساس (من لم يكن معنا فهو ضدنا)، كما ان احداً لا يعلم كيف ستكون الايام المقبلة والضربة المقبلة خاصة على العراق، التي يجري التأكيد على تأجيلها احيانا وعدم وجود نية حقيقية لدى ادارة بوش لتوجيهها! اذن لننتظر اصلاحات السلطة ورؤية بوش حول الدولتين.