قبل احداث 11 سبتمبر كانت الاجهزة الاستخباراتية في اوروبا تبحث عن دماء جديدة ووجوه مختلفة تدخل بها الالفية الجديدة بعد ان تغيرت الوسائل، واصبح العالم من بحره لبحره مكشوفاً ومفضوحاً لا تستر جسده سوى ورقة توت صغيرة، وبعد ان انتهت ايام الحرب الباردة التي كانت تطغى على تحركات القطبين العالميين اميركا والاتحاد السوفييتي الا ان احداث 11 سبتمبر وقبلها حرب الجواسيس التي اشتعلت بين اميركا وروسيا في بداية العام 2001 غيّرت من تلك المعادلات، بل ونسفتها كلياً.. فوسط اجواء الحرب الباردة التي غلّفت العلاقات بين واشنطن وموسكو وظهور بوادر لصراع نووي جديد بينهما عقب اصرار ادارة بوش على نظامها الصاروخي تلقت المخابرات المركزية الاميركية ومكتب المباحث الفيدرالية ضربة قوية اصابتها بحالة تخبط شديدة بعد اكتشاف قيام احد كبار ضباط المباحث بالتجسس لصالح الروس لمدة 15 عاماً دون ان يكتشف امره، فقد تبين ان الجاسوس الاميركي روبرت هانسن الذي يعمل منذ 27 عاماً اعطى معلومات سرية وخطيرة للروس على مدى 15 عاماً من خلال ستة آلاف وثيقة وعشرات الديسكات. وقد فتحت هذه السقطة وبعدها احداث 11 سبتمبر الباب امام الاسئلة الحائرة التي تجول في مخيلة الادارة الاميركية، فأمام تلك القلعة المحصنة التي بدأت أركانها تتهاوى وقف الجميع في حيرة من امرهم. وجاء الحل بشكل اثار الدهشة، فقد استعانت ادارة بوش بهوليوود لتحسين صورتها فيما اصابها من عطب، اضافة الى المحطات التلفزيونية ذات الوقع المؤثر جماهيرياً. ولأول مرة في تاريخها توافق وكالة الاستخبارات الاميركية «سي آي ايه» على ان يقتحمها الغرباء، فقد اعطت موافقتها على انتاج مسلسل تعده محطة «سي. بي. اس» وسمحت لعشرات المخرجين والمصورين والكتاب والفنانين والفنيين، بالاضافة لعشرات السيارات والشاحنات ان يتجولوا في انحاء الوكالة. وقد وضعت سي آي ايه خطة عمل جديدة تستهدف التعاون وبانتظام مع المخرجين السينمائيين والتلفزيونيين والكتاب المتعاطفين في رؤيتهم معها لاظهار حقيقة هويتها وتبرير ميزانيتها التي تصل الى 30 مليار دولار سنوياً بالرغم من عدم وجود عدو حقيقي، وتتميز الوكالة بانتقائية عالية في اختيار مشاريعها، ونتيجة لذلك رفضت ان تتلقى اكثر من عشرة سيناريوهات شهرياً. وكانت الوكالة قد لعبت دوراً في فيلم «في صحبة الجواسيس» وحقق الفيلم حلماً للوكالة اذ يحكي قصة عميل سابق لها يستدعى بعد تقاعده لانقاذ زميل له اعتقلته المخابرات الكورية الشمالية، وفي نهاية الفيلم يقول الرئيس وعلى وجهه علامات الدهشة.. يا الهي عندما تكون الوكالة جيدة فانها تكون مذهلة! وقد اعجبت سي آي ايه بالفيلم لدرجة السماح بتصويره لأول مرة في قاعدتها الكبرى، ولا يزال جورج تينيت مدير الوكالة الذي استقبل الممثلين توم بيرنغر ورون سيلفر يقول عن الفيلم «انه فيلمنا!». ولم يقتصر مثل هذا العمل على تلك الوكالة التي لم تعلم بأحداث 11 سبتمبر بل تعداه الى اخرين، فقد استغل عميل سابق لوكالة المخابرات السوفييتية وضابط سابق بالمخابرات البريطانية خبراتهما في تقديم المشورة لهيئة الاذاعة البريطانية للاستفادة منها في اعداد مسلسلات تلفزيونية جديدة ومنها مسلسل «الاشباح». ويهدف هذا المسلسل الجاسوسي الى تعريف الناس بعالم الاستخبارات البريطانية والمامهم بشيء من عمليات عالم التجسس المثير. وقد اجتمع بشكل دراماتيكي مثير كل من فيكتور ابرامكين ونك داي في مكتب واحد للعمل يداً بيد في تقديم الاستشارات الجاسوسية بعد ان ظلا يعملان ضد بعضهما طوال سنوات الحرب الباردة. ويبدو ان اشتراك هذين الرجلين الغريمين في العمل سيجعل من هذا المسلسل عالماً اكثر واقعية لتصوير كيفية تنفيذ وكالة الاستخبارات البريطانية لعملها. ولأن هذا العالم المثير يستهوي الكثيرين، فقد اصبحت جولة سياحية بالحافلة في واشنطن تستقطب انظار السياح والمتعطشين للمغامرة حيث تسلّط تلك الجولة التي تستغرق ساعتين فقط الاضواء على مطاعم تبدو مألوفة وسور حديد بسيط وصندوق بريد عادي لتكشف للسياح مواقع التجسس في العاصمة الاميركية. ويقود الجولة عميل سابق في سي آي ايه وجنرال روسي متقاعد كان يعمل في «كي. جي. بي». وتؤثر المشاكل التي تعصف بالجهازين في اميركا وروسيا على أداء تلك الجولة، فقد ازداد الاقبال على تلك الجولات بشكل مثير منذ اعتقال روبرت هانسن العميل السابق في «إف. بي. آي» في 18 فبراير من العام 2001. المثير في الجولة ان الحافلة تمر بمبنى المكتب حيث يعمل صائدو الجواسيس وتقوم بدورة حول السفارة الروسية، ثم يأتي دور الجنرال الروسي المتقاعد ليتولى الشرح وكأنه يرسم لوحة زيتية او يروي تفاصيل فيلم مشحون بالحركة والاثارة. والسؤال الذي يطرح نفسه بعد عمليات التجميل الكبيرة لوجه اجهزة الاستخبارات الاميركية التي اكتشف العالم انها الشاهد الذي لم ير شيئاً.. هل سقطت مقولة اميركا المنيعة؟! يبدو ان الاجابة واضحة على وجه «بوش» ومستشاريه!