منذ اربع سنوات، وتحديدا في العام 1998، تابعنا بكثير من الحرص، التجربة الاولى لمشاركة المرأة السياسية في انتخابات المجالس البلدية في دولة قطر، والتي جاءت على خلفية مجموعة، من التوجهات الاصلاحية السياسية تبناها امير قطر في اطار الانفتاح على النهج الديمقراطي في الامارة الصغيرة، وقد انتهت التجربة الاولى ـ او افرزت بمعنى اصح ـ واقعا متوقعا في مجتمع قبلي محافظ كالمجتمع القطري، حيث (احتل) الرجال كل المقاعد وفازوا بأغلبية اصوات الناخبين والناخبات، وخرجت المرأة من التجربة بحصيلة صفر، وبعبارة ترضية لطيفة تقول: (لقد خسرت المرأة القطرية نتيجة، لكنها ربحت شرف المشاركة والمبادرة)! وهي عبارة نسمعها دائما تتردد على ألسنة لاعبي ومسئولي بعض منتخباتنا عندما يخسرون نتائج مباريات ومنافسات قوية لا يصمدون فيها طويلا! ولان الهزائم لاتأتي فرادى، ففي السياق ذاته، وبنفس السيناريو والمقدمات تابعنا عودة الحياة البرلمانية البحرينية ومشاركة المرأة فيها بدايات هذا الشهر (مايو) على خلفية اصلاحات سياسية واجتماعية تبنتها مملكة البحرين باتجاه النهج الديمقراطي والمصالحة الوطنية، وبالرغم من تباين التجربة، والتاريخ السياسي ما بين قطر والبحرين من حيث التجربة الديمقراطية والانتخابات الحرة والمشاركة الشعبية السياسية وعلى مسار المرأة البحرينية تحديدا، حيث ان للمرأة في البحرين تاريخا طويلا من المشاركة السياسية فهي قد شاركت في التصويت منذ اجريت في البلاد اول انتخابات بلدية في العشرينيات من القرن العشرين، الا ان هذا التاريخ لم يشفع للمرأة البحرينية في تجربتها الاخيرة، وفشلت في احراز نتيجة ايجابية او الحصول على مقعد واحد برغم ان النساء اللواتي رشحن انفسهن كن 31 سيدة مقابل 306 رجال. وبعيدا عن نتيجة انتخابات المجالس البلدية البحرينية فالبحرين قد عينت اول سفيرة لها من النساء، وعينت سيدات في مجلس الشورى، الا ان الكويت هي الحالة الخليجية الاكثر غرائبية في هذا المسار، فالبرغم ان هذا البلد يمارس تجربته الديمقراطية منذ عشرات السنين وفيه مجلس نيابي منتخب بشكل حر، (برغم كل ما اعترض التجربة الديمقراطية الكويتية من اختراقات رسمية خطيرة) الا ان الكويت لم تمنح المرأة حق المشاركة السياسية مع العلم ان هناك مرسوما اميريا ينص بالمشاركة لكنه اسقط بالتصويت ضده في مجلس الامة، على امل حدوث تغيير في هذا الاتجاه تنتظره المرأة عام 2003. في ندوة (المرأة والتنمية) التي نظمها المجلس الاعلى لشئون الاسرة برعاية السيدة (موزة المسند) حرم امير قطر الشهر الماضي، استمعت الى حديث د. وضحى السويدي حول تجربتها في انتخابات المجلس البلدي عام 1998 واظنها قد ارجعت السبب في فشل المرأة الى حالة المجتمع القبلي الذكوري الذي مازال يرفض المرأة كانسان فاعل ومشارك للرجل خارج اطار الصورة التقليدية للمرأة الام والزوجة والمعلمة او طبيبة الاطفال. وفي الكويت مازال الحديث قائما عن موقف التيار الديني المتطرف والتيار القبلي المحافظ في مجلس الامة، اللذين كانا وراء قرار اسقاط المرسوم الاميري بشأن المشاركة السياسية للمرأة في المجلس! اما في البحرين، فقد قيل الكلام نفسه، ورددت النساء انفسهن اللواتي شاركن في التصويت عبارات تدل على انهن لم يصوتن لصالح النساء المرشحات لانهن لايثقن في اداء المرأة، ولا يعتقدن بأنها ستؤدي بالطريقة التي سيؤدي بها الرجل! وكتبت جريدة (الوطن) الكويتية يومها تعليقا ضخما في صفحتها الاولى: «المرأة عدو نفسها بانتخابات البحرين»! ان تبرير الفشل طبيعة بشرية معروفة، والهزيمة امر غير مقبول، وغير محتمل، يدفع بالمهزومين نحو اختراع الاعذار والتبرؤ من اسباب الفشل بالقائه على الظروف والآخرين، وهنا نسأل: هل طبيعة المجتمع القبلي وحدها السبب في فشل وصول المرأة الى مقاعد في المجلس البلدي القطري والبحريني؟ ربما يكون سببا ولكنه ليس كل الاسباب! هنا يحتاج الامر لان نقف قليلا عند التجربة ذاتها في الامارات، فمسأله المشاركة السياسية للمرأة مازالت تراوح في منطقة التصريحات، دون ان يبدو في الافق اي تحرك باتجاه الفعل او العمل على اقرار قانون او مرسوم مع علمنا ويقيننا المطلق بصدق نوايا وتوجهات القيادة السياسية العليا ممثلة في صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة، وقرينته سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك رئيسة الاتحاد النسائي العام. لقد مرت عدة سنوات على اطلاق التصريحات المؤكدة والمؤيدة لحق المرأة السياسي، وقرب دخولها في عضوية المجلس الوطني، فلماذا لم يطرح الامر للنقاش في المجلس؟ ام هناك من يعترض ولا يريد للامر ان يتحقق؟ هل هو الخوف من الفشل كما حدث في البحرين وقطر والكويت؟ هل هناك من مازال يفكر بطريقة (وهل ستفعل المرأة ما عجز عنه الرجال)؟ ان الحالة الحضارية الثقافية التي وصلت اليها دولة الامارات لا تسمح بتأخير التجربة اكثر من ذلك، كما ان التغييرات الحادثة في العالم من حولنا تدفعنا نحو المشاركة والديمقراطية الصحيحة واعطاء المرأة حقها الطبيعي في المشاركة وتجاوز الافكار التي ما عادت تصلح للمرحلة التي نعيشها ويعيشها العالم كله.