العجز العربي ازاء المصائب والخيبات المتتالية على رأس العالم العربي والمواطن العربي، دفع بالأمين العام لجامعة الدول العربية السيد (عمرو موسى) الى تقديم استقالته، احتجاجا على الوضع العربي المتردي، ولعدم اتخاذ موقف جدي تجاه ما يحدث في فلسطين، هذا الخبر أوردته جريدة (الزمان) العربية الصادرة في لندن يوم السبت (185)، لكن ـ وبحسب الصحيفة نفسها ـ فإن ضغوطا عربية مورست على الامين العام جعلته يعدل عن الاستقالة التي ارادها موسى تعبيرا عن احتجاجه على عدم تمكين الجامعة من لعب دور حقيقي في حل القضية الفلسطينية. نقول ـ ان صح الخبر ـ بأن (الامين عمرو موسى) قد فعل خيرا في المرتين: عندما احتج وتقدم باستقالته، وعندما رضخ للضغوط وعدل عن الاستقالة! ذلك ان صوتا عربيا مخلصا وامينا كصوت الامين (عمرو موسى) يجب ألا يختفي من الساحة السياسية العربية، ومن المشهد الرسمي بشكل عام، على اعتبار ان صاحبه خير شاهد، وخير ناقل، وسيكون خير راو ومؤرخ لكل هذا الذي يحدث اليوم ويدور في دهاليز وكواليس السياسة العربية الخفية، ولكل الذي يتم الاتفاق عليه تحت الطاولات، ومن خلال الهواتف الساخنة بين المسئولين، سيكون (عمرو موسى) خير من يكتب شاهدا على هذا العصر الاردأ والاسوأ بين كل العصور العربية، وربما هو العصر الذي لا يشبهه في رداءته سوى عصر ملوك الطوائف في الاندلس ايام الحكم الاسلامي هناك!! فيا عمرو موسى، ايها الشاهد الامين على العصر: ابق في منصبك واحتمل بصبر الفلاح المصري الصبور مسامير الصلب على جدران الردى والصمت المذل، والخيانات التي لا سابق لها، والمزاد العلني الفاضح الذي يقيمه الصهاينة والاميركان لامة العرب والمسلمين ولقضاياهم المقدسة والمصيرية، ليبيعوا بأرخص الاثمان، وليقبضوا على الاعناق والمقدرات، والثروات ومصائر الامم والشعوب والرجال ـ هذا ان بقي بعد المزاد رجال ـ! كثيرون نصبوا انفسهم شهودا على العصر، وبالكذب والزور والبهتان سيكتبون التاريخ، والشعب العربي اختارك انت لتكون الشاهد، فلا تتخل، ذلك انه لا فرق عند امتحان الايمان والصبر بين الشاهد والشهيد. نعلم في اية خانة وضعوك، وعلى اي الابواب المفتوحة على العواصف والبراكين والنيازك صلبوك، وجعلوك (امينا عاما) لجامعة عربية يراد لها ألا تكون جامعة والا تكون عربية، ذلك ليس جديدا علينا ابدا، فهل هو جديد عليك فعلا! انه في الوقت الذي تطالب فيه موظفيك والعاملين في دائرة مسئوليتك، بأن يلتزموا بدوامهم، وبأن ينسوا ايام البلادة لان زمنا جادا تحمله معك، فإن هؤلاء يعودون محملين باحباطات الجامعة العربية الى بيوتهم، حيث يتبادلون في المساء مع رفاق المقاهي، والاصدقاء والزوجات، تساؤلات تشبه الطعنات في الخاصرة العربية: ما هو دور الجامعة العربية، ولماذا تبقى رغم عدم فاعليتها؟ لماذا تعجز الجامعة عن فعل اي شيء ازاء ما يحدث؟ ومن يعطلها عن دورها؟ لست العاجز يا عمرو موسى، الجامعة هي العاجزة، وآليات الفعل العربي غير موجودة من الاساس، هناك مظلة (يقال بأن هناك مظلة) للجامعة تقف تحتها 21 دولة عربية، بواحد وعشرين جيشا انفق على تسليحها حوالي 600 مليار دولار خلال السنوات العشر الاخيرة، وامام الدول والجيوش هناك 21 علما ملونا بالابيض والاسود والاحمر والاخضر، لها ما لها من معان ودلالات، وخلف ذلك كله يحتشد اكثر من 260 مليون عربي، ذلك كله والمظلة غير واقية، والجامعة عاجزة تماما عن فعل اي شيء باتجاه القضية الفلسطينية، لانها تركت لشارون وبوش وكولن باول، وكوندوليزا رايس، وسولانا، اما الجامعة العربية المسئولة الاولى عن قضايا العرب، فموضوعة في هذه القضية تحديدا على (دكة الاحتياط) حسب التعبيرات الكروية! لا احد يريدك ان تستقيل ابدا، لكنك خيرا فعلت اذ قدمت استقالتك ليعلو بذلك صوت عربي مخلص صارخا في الاذان الرسمية المختومة بالشمع الاميركي الاحمر ضد كل ما يمت للحق العربي بصلة، فالحق العربي يعادل الارهاب، والنظام الرسمي العربي مرعوب من قمة الرأس حتى اخمص القدمين من هذه التهمة ومستعد لمبادلة فلسطين كلها: بشعبها وتاريخها، وأقصاها ومسراها تجنبا للعقوبة الاميركية المعروفة، خيرا فعلت اذ صرخت في هذه الآذان، فصرختك هي صرخة 260 مليون عربي غاضبين مثلك تماما. وخيرا فعلت اذ قدمت استقالتك لانك اوصلت للمواطن العربي بأن هناك مواطنا عربيا رسميا رفيع المستوى غير راض عن كل ما يحدث برغم كل هالات واضواء الحالة الرسمية العربية المحيطة به، وهذا يكفي، فنحن نعلم بأنك لا تستطيع ان تفعل شيئا، لان الموج عات، والليل مظلم، والفتن تجعل الحليم حيرانا، عندها يغدو الهروب والانزواء حلا واحيانا قدرا، الا انك انت يا (عمرو موسى) يجب ان تبقى محتملا كجبل، لانك شاهد على العصر، وهذا مصير الشهود والشهداء. ايها المناضل العربي الجميل عمرو موسى: لك التحية، وأمنيات البقاء على صهوة الجواد فارسا نبيلا حتى آخر السباق!