المطارات.. هاجسي الأول منذ أن فكرت وشرعت ثم قررت السفر إلى الولايات المتحدة، خاصة أن ما أقرأه وما اسمعه متناقض، فثمة من يقول إنه تعرض لتفتيش دقيق، وثمة من يؤكد أن الأمور مضت بسهولة ويسر فيما عدا بعض الإجراءات التي لم تكن معروفة من قبل، مثل خلع الحذاء، بدأ هذا بعدما قيل عن اكتشاف راكب حشا فردتي الحذاء بمادة ناسفة، وعندما حاول اشعال المادة المتفجرة أثناء تحليق الطائرة فوق المحيط لاحظت المضيفة عود الثقاب، لأن التدخين ممنوع الآن على جميع الطائرات المتجهة إلى الولايات المتحدة تقريبا وبعد ان تمت السيطرة على الراكب وأدرك حراس الطائرة الأمر دخل خلع الحذاء كإجراء أمني إضافي إلى الإجراءات الأخرى المشددة مثل التفتيش الذاتي بعد خلع كل ما يمت إلى المعدن بصلة، فيما عدا حلقات الصلب التي تصل طرف القفص الصدري لمن أجروا عمليات القلب المفتوح والتي تجعل آلة الكشف الحساسة تطلق صفيرا لا يرى مصدره، يعرفه حراس الأمن المجربون ويجهله من لا خبرة له، لذلك أضطر أحيانا إلى الشرح بعد أن يكون قد تم تجريدي حتى من القميص! من القاهرة بدأت رحلتي فجرا عن طريق باريس، لا يوجد خط مباشر من القاهرة إلى واشنطن، المباشر إلى نيويورك، ثم يتعين الإنتقال إلى الخطوط الداخلية الأمريكية وتلك الإجراءات الأمنية فيها أشد وأصعب، هكذا أخبرني الأصدقاء، في مطار القاهرة أتصرف كأنني في بيتي، ليس لأنني في وطني فحسب، إنما للترحيب والمودة اللذين يبديهما ضباط الجوازات والمسئولون عن الأمن بمجرد النظر إلى صفحات الجواز واكتشاف الاسم، وكثيرا ما يجاملني بعضهم بعبارات لطيفة، وكثيرا ما أصغيت إلى استفسار: كيف لا استخدم قاعة كبار الزوار ؟ أجيب صادقا أنني أفضل الخطوات العادية وهذا جزء عندي من طقوس السفر: أن اجتاز مع المسافرين، تمر الحقائب بأجهزة الكشف الالكترونية، أمر بالبوابات التي تصفر إذا ما كان لدى الراكب شئ يمت إلى المعدن، بشكل ما تذكرني بالبوابات السحرية في ألف ليلة وليلة التي كانت تفتح بكلمة سر شهيرة (افتح يا سمسم )، انها نفس البوابات من يحمل كلمة السر يعبر، ومن تخلو جيوبه من الممنوعات يعبر أيضا، في كلا الحالتين لابد من مفتاح، والمفتاح هنا يعني كلمة أو خلو الجيوب من كل ما هو ممنوع. وعند الشروع في السفر أفضل الطقوس العادية، خاصة ملاحظة المسافرين، والانفعالات التي تبدو على الوجوه، وملاحظة التصرفات والعلاقات ثمة أماكن يبدو فيها الاستنفار الإنساني منها ما يتصل ببدء الرحيل، المطارات الموانئ، محطات القطارات، ومنها مداخل الفنادق، والمستشفيات دائما من يعبر هذه الأماكن يكون مستنفرا، متحفزا، متطلعا إلى شيء ما،. أقلعت الطائرة إلى باريس في السادسة والثلث بتوقيت القاهرة، نفس توقيت باريس الآن (أبريل)، تستغرق المسافة أربع ساعات ونصف، عندما أقصد باريس تبدو المسافة طويلة، لكن إذا كانت باريس محطة في الطريق الطويل، فتبدو المسافة مجرد مرحلة، الاستعداد النفسي يتطابق مع الجهد المبذول أو المطلوب بذله، لقد التقط المتنبي شاعرنا العظيم هذا المعنى، أو هذا القانون الإنساني عندما قال: «على قدر أهل العزم تأتي العزائم ». كان يجب أن أقضي أربع ساعات في مطار شارل ديجول، حتى يبدأ الجزء الثاني من الرحلة عبور المحيط إلى الولايات المتحدة، في المطارات عند العبور تنتابني هواجس شتى مع التقدم في العمر والوهن الساري في مناطق العبور تلك يصبح الإنسان معزولا عن السياق العادي، لا هو في موطنه، ولا هو رسميا في البلد الغريب الذي يتواجد فيه، ولم استفسر عن الإجراءات التي تتخذ إذا تعرض راكب لأزمة صحية، أو لظرف أصعب، لم أسأل ربما تشاؤما أو خشية رحت أسلي نفسي بالقراءة، وعادة ما أصحب في حقيبة يدي عدة كتب، وليس كتابا واحدا طلبا للأنس وخشية أن تنتهي قراءتي لكتاب فلا أجد آخر أطالعه، في هذه المرة كنت بصحبة القرآن الكريم وديوان الحماسة لأبي تمام وجزء من ألف ليلة وليلة طبعة الهند، وهذه الكتب الثلاثة ترافقني دائما، أما الكتاب الرابع فعنوانه (موت الصورة) للمفكر الفرنسي ديجيه ديبرييه والصادر مؤخرا في المغرب، إضافة إلى دفتر ملاحظات صغير أدون فيه ما يعني لي، قبل دخولي إلى الطائرة بساعتين فوجئت بمن يناديني، فهللت فرحا عندما رأيت الصديق أحمد المديني، الأديب المغربي المعروف والذي تربطني به صلة تمتد إلى أكثر من ربع قرن، تبادلنا الترحيب والعناق بضجيج مشرقي، مغربي، عربي وثمة راحة تستقر داخلى فلن أعبر المحيط بمفردي، كما أننا سنواجه إجراءات الدخول إلى الولايات المتحدة معا ولو تعرض أحدنا لمضايقة لن يكون بمفرده. عند دخولنا الطائرة، لاحظت وجود عدد من رجال الأمن لا يوجد مثلهم في المنافذ الأخرى حوالي خمسة في الممر المؤدي إلى داخل الطائرة، انتحى كل منهم ركنا وأمامه راكب يقوم بتفتيش حقيبته بدقة، وقد ارتدى كل منهم قفازات من البلاستيك الشفاف، مشيت متمهلا، واثقا متمهلا حتى أتيح لأي منهم فرصة أن يوقفني، واثقا لأنني كما نقول في مصر: في السليم، لا ممنوعات معي، ولا يوجد ما يمكن أن يعد مخالفا، لكن لم يعترضني أي منهم، وعندما دخلت إلى الطائرة رحبت المضيفة الفرنسية أفريقية الأصل بابتسامة واسعة زادت جمالها الخاص تألقا، مضيت إلى مقعدي المجاور للنافذة، وكان أحمد المديني قريبا مني، كان الركاب ينتمون إلى جنسيات أو أصول مختلفة، لمحت سيدة عجوز ترتدي الجلباب المغربي، هكذا: نحن ثلاثة عرب على متن الطائرة، جارتي سيدة فرنسية، خمسينية أي في العقد الخامس تعمل مترجمة في الأمم المتحدة، كان بداية تعارفنا مبادرة منها عندما اشارت إلى عدد جريدة (ليبراسيون) الذي كان غلافه يحمل عنوانا مؤثرا دالا: الحرب ضد الاسعاف وبما أعرفه من فرنسية شحيحة كان الغلاف يشير إلى حرب الجيش الإسرائيلي ضد عربات الإسعاف الفلسطينية التي يتم منعها للوصول إلى الضحايا، أشارت السيدة الفرنسية إلى الصورة الضخمة لعربة الإسعاف، قالت بأسى: (فظيع .. فظيع). قلت إن الصورة المنشورة والعناوين تدل على أن أوروبا بدأت تدرك حقيقة ما يجري من مذابح نازية يرتكبها أحد أقوى جيوش العالم ضد شعب أعزل، قالت السيدة: نعم .. في أوروبا بدأوا: لكنهم هنا مازالوا يجهلون. أشارت بأصبعها إلى الطرف الآخر من المحيط الذي بدأنا نحلق فوقه، لثماني ساعات سوف نستمر في الطيران فوق مياه، فقط مياه المحيط حتى يلوح البر، حدثتني عن غسيل المخ الذي يقوم به الاعلام الأمريكي وقلب الحقائق، وغياب حقيقة ما يجري على أرض الواقع، كان ذلك أول إشارة عملية إلى الواقع الذي سأتعامل معه لعدة أيام، رحت أتطلع إلى اللون الأزرق اللامحدود، إلى النهار الطويل، فقد كنت أرحل مع الشمس، وهذا ما عرفته من قبل عندما طرت عبر المحيط مرتين، ولكن شتان ما بين الظروف في كل مرة، عندما حطت الطائرة في مطار دالاس واشنطن، كانت الساعة تمام السابعة والنصف، ضوء النهار مكتمل، الشمس لم تغرب بعد، وكانت الساعة حول معصمي تشير إلى الثانية بعد منتصف ليل القاهرة، فلم يحدث أن غيرت توقيت ساعتي قط، إذا اتجهت شرقا أو غربا، وقفنا في الطابور الطويل الذي يتلوى مع الحواجز التي تنظم الحركة رحت مع أحمد المديني نساعد السيدة المغربية في كتابة استمارات الدخول، قالت إنها تجيئ لأن ابنتها حامل وستضع مولودها خلال أيام تجيئ لتكون إلى جوارها وترى أول أحفادها، فضلت أن تتقدمنا السيدة ورحنا نتابعها خلال وقوفها أمام ضابط الجوازات الأمريكي، لا أعرف كيف تفاهما، لكنها لم تستغرق إلا دقائق، تقدمنا من المكتب، بيدي الجواز وباليد الأخرى الحقيبة وخطاب الدعوة من جامعة جورج تاون، وخطاب من السفير نبيل فهمي سفير مصر في الولايات المتحدة يدعوني إلى القاء محاضرة في السفارة، تناول الضابط الجواز، مرره أمام شاشة صغيرة، بعد أن رفع يده وهوى بالختم، سألني: لماذا تجيئ إلى الولايات المتحدة؟