مؤكد أنني لست الوحيد الذي استفزه تصرف السفير الأمريكي في البحرين عندما طلب من المشاركين في مؤتمر «نموذج الأمم المتحدة» الذي نظمه طلاب مدارس البحرين الوقوف دقيقة حداداً على أرواح القتلى الإسرائيليين، بعدما وقف الحضور دقيقة صمت على أرواح الشهداء الفلسطينيين. ووصف أحد منظمي المؤتمر لتصرف السفير بأنه «كان يفتقد للياقة والكياسة» فيه الكثير من الأدب واللياقة اللذين لا محل لهما هنا. أما تبرير السفير لتصرفه بأنه لم يكن من اللائق بالنسبة له أن يجبر على أن يتخذ موقفاً مع طرف واحد خصوصاً وأن منظمي المؤتمر طلبوا دقيقة حداداً لضحايا طرف واحد فهو تبرير لا يتسق فقط مع موقف السفير وشعوره الشخصي وإنما مع سياسة حكومته التي ترعى هذا العدوان على الشعب الفلسطيني وتباركه وتقدم له الدعم اللازم وتحميه من مواقف الآخرين الذين قد يفكرون في استنكاره. وليس مهماً بعد ذلك قول سعادة السفير إنه يتفهم مشاعر الغضب التي يشعر بها البحرينيون، فهو يقّدم بهذا التفهم شيكاً بدون رصيد لم يقل لنا أين يمكن للشعب البحريني أن يصرفه. تصرف السفير هذا الذي لم يستفز الموجودين في القاعة فقط وإنما استفزنا جميعاً ما كان ليصدر لو أن سعادته كان يعلم أنه ستكون له عواقب وخيمة أو آثار ملموسة، فقد اطمأن سعادته إلى أنه يخاطب جثثاً لم تعد تحس وتتألم. ولعله بحكم عمله في منطقة تعلقت شعوبها على مدى قرون بالشعر والخطابة حتى غدت ظاهرة صوتية قد حفظ واستوعب بيت شاعرنا العربي الشهير: مَنْ يَهُنْ يَسْهُلُ الهوانُ عليهِ ما لِجُرحِ بميتٍ إِيْلامُ فلم يتوان عن توجيه هذا الخنجر للحضور والغائبين دون احترام لمشاعرهم ولا مشاعر الأمهات الثكالى اللواتي يصرخن ليل نهار على شاشات الفضائيات ولا أولئك الذين يخرجون كل يوم في شوارع المدن العربية معبرين عن غضبهم لما يجري رافعين لافتات تحمل بلده مسئولية هذه المجازر الرهيبة التي يقوم بها جنود الاحتلال الاسرائيلي بمباركة من دولة سعادة السفير الذي يستخف بكل هذه المشاعر ثم يمد بعد ذلك يده بخمسة آلاف دولار تبرعاً من سعادته، مُذكراً بمشهد القاذفات الأمريكية التي كانت تلقي بالقنابل على مدن أفغانستان وقراها وجبالها فتقتل الأبرياء، ثم تأتي بعدها طائرات أخرى لتلقي بالمواد الغذائية بعد أن تكون شقيقاتها القاذفات قد أبادت عدداً من أولئك الذين أُرسلت لهم تلك المعونات. نعود فنعذر السفير على تصرفه هذا، ونجد له من الأسباب ما يبرره. فقد نظر سعادته إلى عالمنا العربي فوجد الصمت يلفه إزاء ما يحدث في الأرض المحتلة عدا اعتصامات هنا وهناك، ومسيرات تخرج في بعض المدن، ينفّس المشاركون فيها عن شحنة غضبهم ثم يعودون إلى منازلهم دون أن يُحرك ذلك ساكناً لدى مواقع القرار التي يحدث أن يمنع بعضها مواطنيه من التعبير عن مشاعرهم بهذه الطريقة المظهرية أيضا. ثم أرسل بصره بعيداً الى خارج الدائرة العربية تجاه العالم الذي أقام الدنيا وأقعدها من أجل العرقيات الأوروبية في دول البلقان وغيرها، فإذا به يقف هو الآخر صامتاً متفرجاً يشجعه صمت العرب، وتلجمه سيطرة دولة سعادته ونفوذها وتخرسه عن نطق كلمة الحق، فيلبس الظالم أثواب العدالة ويعتبره ضحية، ويمضي جالداً المظلوم موبخاً له محمّلاً إياه كل التهم التي كان يفترض أن توجه للظالم. هكذا قلبت دولته المعادلة وفرضت سيادتها على العالم وألبست الباطل ثوب الحق وتركت الحق عارياً يرتجف من البرد، وأنكرت على الضحية حق الدفاع عن نفسها، واعتبرت ذلك إرهاباً، ومضت تتباهى بقدرة طائراتها ومروحياتها التي يقودها جنود الاحتلال على دك بيوت المواطنين غير المحصنة أصلاً واختراق جدران المساجد والكنائس والمكاتب والمخيمات، وقتل الاطفال والنساء والعجائز، ومنع سيارات الاسعاف من الوصول إلى الجرحى، والقتل بدم بارد والتمثيل بالجثث. يحدث كل هذا والعالم العربي ـ الذي يعيش سعادته متمتعاً بالحصانة الدبلوماسية في احدى عواصمه ـ صامت صمت القبور، فماذا سيضر لو طلب سعادته من الحضور تخصيص دقيقة واحدة فقط من هذا الصمت الرهيب لأرواح القتلى الاسرائيليين الذين يأبى ضمير سعادته أن نمرّ عليهم مرور الكرام أو نتناساهم؟! نحن لا نتوقع من «نيومان» أن يكون أقل ولاء ووفاءً لأبناء دينه من رئيسه الذي كلما نطق أحسسنا أن صمته وليس كلامه هو المطلوب. فها هو عندما يتحدث يدعونا نحن العرب والمسلمين إلى التعامل مع شهدائنا الذين تحصدهم آلة شارون العسكرية المستوردة من أمريكا على أنهم قتلة، واصفاً الرئيس الفلسطيني الصامد محاصراً بدبابات شارون ومصفحاته بأنه المسئول عن الوضع الموجود فيه بعد أن خان آمال شعبه! فماذا يحتاج شارون بعد ذلك كي يمضي في إرهابه فيدك البيوت على رؤوس ساكنيها، ويحاصر المصلين في المساجد والرهبان في الكنائس والمرضى في المستشفيات؟ وماذا يتمنى شارون أكثر من أن يتبنى رئيس دولة سعادة السفير عدوانه الصارخ في الأرض المحتلة واصفاً إياه بأنه يهدف لاقتلاع بؤر الارهاب؟ معذور أنت يا سعادة السفير، فلم تطلب أكثر من دقيقة صمت من سنوات الصمت الطويلة التي في مخزوننا.. أما نحن فنحتاج إلى دقائق كثيرة ربما استطاع سعادته أن يعيننا على توفيرها في هذا الزمن الرديء الذي انقلبت فيه الموازين وتبادل فيه الجلادون والضحايا مواقعهم. نحتاج الى دقيقة عدل وانصاف من عالمكم الحرّ الذي جيّش الجيوش وأرسل القاذفات والبوارج وحاملات الطائرات لتدك المدن والقرى وتنسف الجبال بمن فيها لاشتباه غامض لم تُفَكّ طلاسمه حتى الآن ولم يقدم الدليل عليه، وتثور حوله كل يوم الشكوك وتختلف الآراء والروايات. لقد كان إحساسكم بالألم عظيماً عندما فقدتم ثلاثة آلاف أو أقل من مواطنيكم فأقمتم الدنيا ولم تقعدوها وقسّمتم العالم إلى معسكرين (معنا أو ضدنا). أما هذا الشعب الذي تسفك دماء أبنائه وتنهب أرضه ويحاصر منذ عقود جاوزت الخمسة فهو في نظركم مجموعة من العصابات الارهابية تريد تدمير اسرائيل التي حولتموها إلى ترسانة سلاح وباركتم كل حكومة تولت قيادتها من اليمين جاءت أم من اليسار وكلاهما أشر من بعض، يخدعوننا بتقسيمة أطلقوا عليها الحمائم والصقور وهم جميعاً ذئاب كاسرة لا أمان لها. ونحتاج ـ يا سيدي ـ إلى دقائق خجل من أنفسنا التي استمرأت الذل والهوان وجرت سنواتٍ طوالاً خلف وهم اسمه السلام فإذا به سراب خادع صدّقنا نحن وجوده وعلم حقيقته اولئك الذين تطلب منا اليوم الوقوف دقيقة حداداً على أرواح قتلاهم، فكيف يمكن لنا أن ننفذ رغبة سعادتك وأنت تعلم جيداً أن قيودكم تكبل أقدامنا وتحزّ لحومنا وتغوص حتى العظم في أرجلنا؟! كان الأجدر بك يا سعادة السفير أن تدعنا في سباتنا، فقد نكأت بطلبك هذا جروحاً غائرة في قلوبنا ما كان لها أن تنزّ علينا من جديد لولا رغبتك في تحقيق المساواة بين الجلاد والضحية. فيا له من منطق يحتاج هو الآخر إلى دقائق صمت! شكراً يا سعادة السفير على هذه الصفعة، ومعذرة إن كنا قد جاوزنا حدود اللياقة فقد سبقنا إلى ذلك من يفترض أنه أكثر منا لياقة ودبلوماسية، وما نحن إلاّ تلاميذ فاشلون نتلقى الدرس تلو الدرس، لكنّ لنا ذاكرة مثقوبة لا تستوعب أبداً كل هذه الدروس.