كان آخر خطابات ياسر عرفات وهو يهم بمغادرة لبنان نهائيا في عام 1982 تحت وطأة الغزو الاسرائيلي للأراضي اللبنانية بقيادة وزير الدفاع آرييل شارون، موجها الى القادة العرب. في ذلك الخطاب ردد الزعيم الفلسطيني، وهو يستعيد الصمت العربي الطويل ابان شهور الغزو كلمات لصلاح الدين الايوبي حيث قال: «لست بحاجة الى دعواتكم ولكن بحاجة الى سيوفكم». وبعد سماع هذه الكلمات ذات الدلالة لاذ القادة العرب أيضا بالصمت. ومن يقلب صفحات تاريخ الثورة الفلسطينية وكيفية التعامل العربي الرسمي معها وعينه على تفاعلات الانتفاضة الراهنة في الارض المحتلة، يكتشف مدى التغيير الديناميكي الذي احرزه النضال الوطني الفلسطيني مقارنا مع مدى الجمود الذي بقي عليه الحال العربي. فالليلة تشبه البارحة من ناحية ولا تشبهها من ناحية أخرى. عرفات وقوات الثورة الفلسطينية لم يغادروا الاراضي اللبنانية طوعا. لقد اجبروا على مغادرتها عندما اكتمل تشابك ثلاثة عوامل: اجتياح عسكري اسرائيلي شامل، يسنده دعم دبلوماسي امريكي غير محدود، وتواطؤ يتخذ شكل السكوت الآثم علنا والتعاون مع الضغوط الامريكية في الخفاء. وكما ان عرفات وصحبه من القياديين محاصرون اليوم داخل بناية في مدينة رام الله، فانه الى ان غادروا الارض اللبنانية كانوا محاصرين داخل بناية في بيروت. وفي كلا الحالين كانت الدبابات الاسرائيلية حاضرة. كانت قوات شارون قد اخترقت الحدود اللبنانية في الجنوب وانطلقت شمالا الى ان أحاطت بالعاصمة بيروت. وبينما احكمت الدبابات الاسرائيلية الحصار حول العاصمة اللبنانية، اخذت الطائرات تتصيد عرفات وطاقمه القيادي وهم ينتقلون من بناية الى اخرى، بعد أن دحرت القوات البرية الاسرائيلية قوات المقاومة الفلسطينية في الجنوب. قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وجدت نفسها اذن داخل فخ لا فكاك منه.. فبات الرهان الاخير لهذا الطاقم القيادي متعلقا بتحرك عربي على الصعيد السياسي لانقاذهم وهم يواجهون ذلك الظرف بالغ الحرج. وازدادت حدة الحرج عندما دخل الجنرال شارون على عربة مدرعة مدينة بعبدا ـ مقر الرئاسة اللبنانية. ولكن رغم ذلك لم تحرك الانظمة العربية ساكنا. اقتحام القوات الاسرائيلية للعاصمة اللبنانية بيروت كان يعني ان ايام اقامة منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان صارت معدودة. فالاقتحام الاسرائيلي تزامن معه تصعيد الضغط الامريكي الشرس على القيادات اللبنانية لتطلب من قيادة المنظمة الاسراع بالمغادرة.. مع استمرار الحكومات العربية في هذه الاثناء في التزام الصمت والتفرج السالب. وانصاعت القيادات اللبنانية للضغط الامريكي تحت وطأة الاجتياح الاسرائيلي. ومنذ بداية الغزو كان الموقف الامريكي الرسمي عدائياً بصورة معلنة ضد منظمة التحرير بقدر ما كان انحيازيا للعدوان الاسرائيلي. فعملية الغزو الاسرائيلي نفسها لم تكن لتنفذ إلا بعد أن حصل وزير الدفاع الاسرائيلي ارييل شارون على ضوء أخضر من واشنطن. ومن مشاهد الشبه بين الليلة والبارحة ان الضوء الاخضر الامريكي الذي اعطاه بالأمس وزير الخارجية الكساندر هيج هو الضوء الأخضر نفسه الذي اعطاه اليوم رصيفه كولن باول للجنرال شارون لاقتحام رام الله وعزل عرفات دوليا. وفي اعلانه لضوئه الاخضر بالأمس اعلن هيج على العالم ان الولايات المتحدة لن تمنع اسرائيل من «حق الدفاع المشروع عن النفس». وكما ان للادارة الامريكية اليوم مبعوثاً خاصا ـ الجنرال انتوني زيني ـ تنحصر مهمته في كيفية كسر شوكة المقاومة الوطنية الفلسطينية ـ فقد اوفدت مبعوثا الى بيروت المحاصرة بالأمس تنحصر مهمته في حث عرفات وصحبه على مغادرتها. كان ذلك عضو الكونجرس «الجمهوري» ذا الاصل العربي فيليب حبيب. لكن النجاح الاسرائيلي ـ الامريكي في بيروت بالأمس لن يتكرر اليوم في رام الله. فالنضال الفلسطيني حقق قفزة نوعية.