أليس عجيبا انه بعد انقضاء ستة أشهر على ضرب مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى البنتاجون في واشنطن وشن حرب امريكية عالمية ذات جوانب استخباراتية وعسكرية، ومالية على الشعب الافغاني وحكومة طالبان بعد ربط حادثتي التفجير الدراميتين بها.. أليس عجيبا بعد هذا كله، ورغم ان الجهة المدبرة والمنفذة تظل حتى اليوم واللحظة مجهولة؟ وإلا فلماذا بعد مرور نصف سنة لم يقدم احد الى محاكمة بتهمة التدبير او التنفيذ أو كليهما؟ وعلى اي اساس وبأي مسوغ قانوني تشن هذه الحرب حول العالم. ان تشن حرب شاملة بناء على كذبة أو نصف معلومة أو معلومة محرفة عمداً لا ينبغي ان يكون مثار استغراب كبير.. ففي التاريخ الامريكي المعاصر سابقة. «قرار خليج تونكين» دخل التاريخ الامريكي باعتباره قرار الكونجرس الذي بموجبه اعلنت الولايات المتحدة الحرب على «جمهورية فيتنام الديمقراطية» في عام 1964، وخاضت قواتها الحرب على الارض الفيتنامية ليتضح بعد 11 عاماً من التورط العسكري الامريكي الذي كلف الولايات المتحدة 86 الف قتيل و240 مليار دولار ان القرار كان مبنيا على كذبة. وجرى اخراج الكذبة بتواطؤ بين الرئيس وطاقم جنرالات البنتاجون. كان الرئيس ليندون جونسون الذي تسلم السلطة فور اغتيال الرئيس جون كينيدي في اواخر عام 1963 يجتهد لاثبات جدارته بالمقارنة مع سلفه ذي الشعبية الكاسحة وكان جنرالات البنتاجون يسعون الى اشعال حرب في منطقة الهند الصينية لترويج مبيعات شركات انتاج السلاح الامريكية التي يعمل الجنرالات سراً لحسابها، والتقى طموح الرئيس في احتواء الشيوعية في فيتنام وبقية منطقة الهند الصينية مع طموح الجنرالات وشركات السلاح.. ومن ثم اخذ كل من الطرفين يتحين فرصة لاستثمارها. ولكن الجنرالات رأوا ان انتظارهم اخذ يطول، فقرروا افتعال حادثة تبرر دخول الولايات المتحدة حرباً ضد جمهورية فيتنام الديمقراطية، وكان مغزى التدبير المقرر سلفا استدراج الجمهورية الفيتنامية الى ارتكاب فعل يقدم بقليل من التلفيق الى الرأي العام الامريكي وكأنه استفزاز فيتنامي للولايات المتحدة يبرر اعلان حرب. وكانت «حادثة خليج تونكين».. نسبة الى الخليج الذي انطلقت منه زوارق حربية في فيتنام الجنوبية الخاضعة للنفوذ الامريكي لتهاجم جزراً صغيرة تابعة لفيتنام الشيوعية في الشمال بمساعدة مدمرة امريكية في الخلفية وبالفعل خرجت زوارق طوربيد شمالية لرد العدوان.. فانسحبت الزوارق الجنوبية. لكن التقرير الرسمي الذي قدمه الجنرالات الى الرئيس جونسون وقدمه الرئيس بدوره الى مجلسي الكونجرس كان ينطوي على رواية محرفة. فقد ذكر التقرير أولاً ان فيتنام الشيوعية هي الطرف الباديء بالعدوان وليس الطرف المعتدى عليه، وثانيا ان الزوارق الفيتنامية الشمالية اطلقت النار مرتين على المدمرة الامريكية. وفي جو هستيري اجاز كل من مجلس النواب الامريكي ومجلس الشيوخ «قرار خليج تونكين» التاريخي لشن حرب امريكية ضد فيتنام الشمالية.. ليظهر بعد نهاية الحرب ان القرار كان مبنيا على رواية تضليلية، مما ظهر في كتاب دانيال اندبيرج «أوراق البنتاجون» وغيره من اعترافات المسئولين. وكأن التاريخ يعيد نفسه، ففي المناخ الهستيري الذي افرزته حادثتا ضرب مبنى مركز التجارة ومبنى البنتاجون اندفع الرئيس جورج بوش، وليندون جونسون ايضا كان مثله في تكساس: ـ الى الكونجرس لينتزع قرارا باعلان الحرب على الافغان وطالبان و«القاعدة» في افغانستان بناء على رواية لاتزال كاذبة ولا تستند الى أي أساس قانوني. وتشن الحرب بالفعل وتتم عملية إبادة وحشية لآلاف من المدنيين الافغان ويطاح بنظام طالبان وتطارد قوات «القاعدة».. وتجمد اموال منظمات ومؤسسات وعلى هذا النحو يعيش العالم حالة توتر شامل، ومع ذلك لايزال اسامة بن لادن وقادة «القاعدة» بالاضافة الى مئات من العرب والمسلمين المحتجزين في معتقلات امريكية داخل الولايات المتحدة وخارجها، في وضع «المشتبه بهم» فلا توجد ضدهم ادلة قانونية يمكن ان تصمد امام محكمة عادلة. لقد انتظر الشعب الامريكي والعالم 11 سنة قبل ان يعرف ان الحرب الامريكية شنت على فيتنام بناء على كذبة فكم من السنين ننتظر لنعرف على درجة الدقة القانونية من المسئول عن حادثتي التفجير في الولايات المتحدة.. وبالتالي على اي اساس شنت الحرب في افغانستان.