لم يعبّر عن عمق الأضرار التي ألحقتها تفجيرات 11 سبتمبر بأمريكا كما عبر عنها خطاب بوش شديد الانفعال الذي تفوّه به أمام مجلس الكونجرس في الاسبوع الماضي، لقد كتبت آلاف المقالات والتحليلات على كل المستويات حول الموضوع، ولكن لم يلامس أياً منها حقائق التغيرات التي طرأت على أمريكا، كما لامسها خطاب الرئيس الأخير، وقد كان ذلك طبيعياً لأن الرئيس هو اكثر القوم اطلاعاً على كافة الملفات، وأكثرهم تلقياً لافادات المستشارين والمتصلين بالجوانب السرية والعلنية لتداعيات ذلك الحدث الرهيب. اقناع الناخبين من جهة أخرى فإن الرئيس هو أكثر شخص معني بمآلات وعواقب تلك التداعيات. ان أي رئيس أمريكي يظل يعلق بصره واهتمامه منذ اليوم الأول لاعتلائه للسلطة بكل ما يمكن ان يؤثر سلبا أو ايجابا على حملته الانتخابية التالية، ولا يمكن القول بأن هنالك رئيسا أمريكياً تعرض لمثل هذا التحدي الذي تعرض له بوش منذ اندلاع الحرب العالمية الثانية واتخاذ الولايات المتحدة قرارها المتأخر بالخروج عن حالة العزلة ودخول تلك الحرب، فوضع بوش يبدو مشابهاً لذلك الوضع الخطير، ولا يقل عنه خطورة بأي حال بل ربما كان الخطر أكبر في هذه الحالة لأن أمريكا تعرضت للهجوم فعلاً، فهي تدافع الآن عن نفسها ولا تدافع عن أوروبا ولا عما كان يسمى بالعالم الحر! وأسوأ آثار الهجوم الذي تعرضت له أمريكا هو التراجع الاقتصادي الذي سيستمر طويلاً وربما يستمر طوال الفترة الأولى لحكم بوش، وال بوش قد تعرضوا لذلك الخطر من قبل، إذ كان هو السبب الأساسي في سقوط بوش الأب، رغم انتصاره الساحق في حرب الخليج، وهو الانتصار الذي وصل بشعبيته إلى أقصى حد يتاح لرئيس أمريكي عقب الحرب العالمية الثانية، ولكن ذلك الانتصار العسكري لم يشفع له ازاء تراجع الوضع الاقتصادي في عهده، وبالتالي سقط سقوطاً مريعاً في منازلته الانتخابية لكلينتون الذي كان يجلّله عار التهرب من التجنيد الاجباري وعدم المشاركة في حرب فيتنام، ورغم ذلك فاز في الانتخابات لأنه جاء بوعد معسول لمعالجة المعضل الاقتصادي.هذه هي عقلية الامريكان الباردة فيما يتصل بأمر المعيشة والاقتصاد، فهذه هي المسألة التي يهتم بها الأمريكيون حقيقة وتتضاءل بجانبها أي ناحية أخرى من نواحي السياسة الخارجية والأمن القومي .. إلخ. ولذلك فقد بذل بوش جهده في خطابه الأخير على إعلاء شأن الأمن والسياسة الخارجية، والحرب ضد الارهاب في أذهان مواطنيه الأمريكيين وعمل على اقناعهم بأولوية هذه الأمور وتقدمها على أمور المعيشة اليومية والدخل السنوي والاستقرار الوظيفي والضرائب.. إلخ وقد عمد في محاولته تثبيت هذه الأولويات الجديدة في الذهن الأمريكي إلى اعطاء تهويلات لا تثبتها الاحصائيات، من ذلك زعمه ان الارهابيين يمثلون قنابل موقوتة تنتظر الانفجار في أي زمان ومكان وان اعدادهم تصل إلى عشرات الألوف، هذا بالرغم من ان كل الحملة العسكرية التي قادها ضد القاعدة وطالبان لم تسفر سوى عن اعتقال أعداد لا تتعدى المئات!ان الرئيس الأمريكي قلق بالطبع من احتمال تكرار هجوم ارهابي على أمريكا في وقت وشيك، لأن أي هجوم مثل هذا ستكون له آثاره الاضافية المدمرة للاقتصاد الأمريكي، كما ستكون له آثاره السياسية المدمرة لمستقبله في الحكم، ومثل هذا القلق طبيعي ومفهوم لكن ذلك العالم لا يشكل تفسيراً لتركيز بوش الهائل في خطابه الأخير مع أمر الارهاب ويبقى التفسير الأول الأكثر منطقية وتماسكاً، فالرئيس اتجه عن قصد وعن تبين أكيد لتضخيم خطر الارهاب واقناع الامريكيين بأنهم مستهدفون وان من الخير لهم ان يقفوا وراء قيادته وقفة حازمة، وان يمنحوه تأييدهم الكامل وان يتناسوا مؤقتاً ـ أي لعدة سنوات ـ موضوع الرفاهية المعيشية ليركزوا على موضوع الأمن القومي وليدعموا سياستيه الداخلية والخارجية المتمحورتين حول موضوع مكافحة الارهاب. آل جور ـ ليبرمان لا شك ان الأمريكيين يتعاطفون مع هذه النداءات بعد ان رأوا بأم أعينهم ما صُب عليهم في نيويورك وواشنطن من وبال، ولكن مع ذلك فإنه يصعب القول بأنهم سيتناسون أمر تدهور المعيشة وفقدان الفرص الوظيفية، وسيصعب عليهم ربط النتيجة بالسبب، فالتفكير الأمريكي «البراجماتي» لا يحلل الأمور بهذا الشكل وإنما يتجه إلى العلاج الفوري للوضع الاقتصادي فهو اكثر ما يهم الناس وسيصغي الناس لمن يقدم التحليلات والحلول الأفضل للوضع الاقتصادي المتدهور، وسيمنحوه تأييدهم لا محالة، وهذه بالطبع فرصة ذهبية سانحة للديمقراطيين وسيعكفون على اهتبالها وتطوير دراساتهم حولها ليقدموا رؤية أفضل في موضوعها. وإذا كان من الراجح ان الديمقراطيين سيعيدون ترشيح مرشحيهم السابقين أنفسهم للرئاسة ونيابتها «ال جور وليبرمان» فإن من حسن حظيهما ان أمامهما كارثة ستستمر اثارها طويلاً، وسيتاح لهما الوقت الكافي لتشخيصها واقتراح مؤشرات مادية باتجاه تجاوزها. سيتاح لآل جور وليبرمان ان يفعلا ذلك وهما مطمئنين إلى عدم منافسة مرشحين ديمقراطيين آخرين لهما منافسة جدية، أما بوش فإنه سيكون وراءه عبء التراجع الاقتصادي الذي حل بالبلاد بعد أربعين يوماً فقط من تسلمه منصب الرئاسة، واستمر إلى نهاية ولايته الأولى فهو عبء ضخم يصعب تجاوزه ويصعب حله، ويصعب الاعتذار عنه، أو الهاء انظار الناس واهتماماتهم من ان تتركز عليه.لقد اعترف بوش بأن العجز سيظهر في الميزانية ولكنه حاول ان يبرئ نفسه من المسئولية وان يلقيها على الكونجرس قائلاً ان الأمر يعتمد على الكونجرس وإذا ما تصرف بمسئولية أم لا في هذا الاختصاص، ان بوش هو الذي انشأ وزارة الأمن الداخلي، وهو الذي طالب في خطابه الأخير بمضاعفة اختصاصاتها ولكنه مع ذلك يبرئ نفسه عن مسئولية ارهاق الميزانية وترتيب العجز فيها، ان القصد من مضاعفة الصرف على الأمن هو منع أي محاولة اعتداء جديدة حفاظاً على الأمن الأمريكي بالطبع، ولكن حفاظاً على المستقبل السياسي لبوش في المقام الأول، ان معظم ذلك الصرف سيهدر لأغراض انتخابية عسى ان يشكل موانع من تدهور المستقبل السياسي للرئيس، ولكنه في الوقت نفسه قد يشكل سبباً جديداً لتدهور مستقبل بوش أيضاً، لأنه سيزيد من اختلال الميزانية ويرفع مستوى الضرائب ويسهم بالتالي في مزيد من التراجع الاقتصادي والسخط الشعبي. حرب الأضداد أما تطوير الحرب خارجياً ضد الارهاب ومحاولة الوصول إلى قواعده ودكها في اثنتي عشرة دولة كما توعد بوش فإنها ستضاعف التراجع الاقتصادي حتماً، ان معدل الصرف الحالي على حرب الارهاب خارجياً وهو في حدود بليون دولار شهرياً سيزيد والحرب في غير أفغانستان ستكون أصعب منها فيها، ان الحرب ضد ايران أو العراق لها معقباتها الخطرة على الاقتصاد الدولي، فهي حرب في منابع النفط، وفي مساقات تصديره، كما انها مجابهة لأنظمة متمكنة تملك جيوشاً أحدث وأقوى من ميليشيات طالبان، ان محاولة اقتلاع صدام حسين تحمل معها خطر انفجار الأسلحة البيولوجية والاحتمال نفسه وارد حين المجابهة مع نظام طهران، ودع الحديث عن كوريا الشمالية المستعدة لقصف كوريا الجنوبية فوراً وربما قصف اليابان بالصواريخ التي ربما تحمل معها الرؤوس النووية. ان بوش لا يبدو جاداً في هذه التهديدات، فأكثرها موجهة لمخاطبة مواطنيه الأمريكان لجبر خواطرهم الكسيرة فهو يحدثهم بأنه قادر على ان يفعل كل ذلك وما هو بفاعله ولكن في ذلك دافع سلوان وبعث للاطمئنان، كما ان فيه لغة تهديد دبلوماسي للدول المعنية لتقف بعيداً عن دعم الارهاب وإلا فإنها ستواجه ما واجهته أفغانستان ان من الصعب تصديق ان جبهة الحرب ضد الارهاب ستتسع قريباً لتشمل العراق، فالنظام العراقي بعلمانيته الصارمة ليس له أي علاقة بمتطرفي أفغانستان، كما انه يعرف حدود اللعبة السياسية جيداً، ولم يتورط في أي عمل ارهابي ضد الأمريكان من قبل، وحتى في أثناء حرب الخليج قد انصاع حكام العراق لمطالبة الأمريكان فأفرجوا عن رهائنهم وامتنعوا عن استخدام الأسلحة الكيميائية والبيولوجية مع انهم لم يتورعوا سابقاً عن استخدامها ضد رعاياهم الأكراد. ان الذي يتورع عن أحداث الارهاب في أثناء الحرب سيتورع عنها بعد انتهاء الحرب، ولكن مع ذلك فقد صبّ الرئيس الأمريكي جام غضبه وأطلق أشد تهديداته ضد العراق وفاجأ الكثيرين بهجومه العنيف على ايران. ثمة حماقة سياسية متراكبة في هذه النقطة بالذات. لقد دعا كيسنجر قبل أسابيع قلائل إلى احياء التحالف الأمريكي القديم «في زمن الشاه» مع ايران وذلك بقصد استخدامه للضغط على الدول العربية وتركيعها نهائياً، ولكن ها هو بوش في خطابه الأخير يضرب عرض الحائط بتلك الخطة الجهنمية لكبير مفكري الحزب الجمهوري ويدعو لاقتحام حرب واحدة ضد دولتين تفترض الحصافة ان تقوم أمريكا بكسب ود احداهما أو تحييدها على الأقل ريثما يتم الصراع ضد الأخرى، وذلك مثلما فعل أبوه أثناء حرب الخليج الثانية إذ تمكن تماماً من تحييد إيران وابعادها عن مسار الحرب حتى تمت هزيمة العراق ولكن ها هو ابنه يعد باقتحام الدولتين معاً في آن.ان تصرفاً مثل ذلك لا يتسق لا مع أصول السياسة الدولية ولا مع أصول الخطط العسكرية، ولا مع المنطق العام، وهو تصرف نستبعد ان يقدم عليه الرئيس الأمريكي، ونعتقد ان الزج بكل من العراق وايران وكوريا الشمالية في خطاب الرئيس الأخير انما يستهدف أغراضاً أخرى من أهمها تحسين موقف الرئيس السياسي داخلياً، وهو الغرض الذي صيغت لأجل خدمته كل فقرات خطاب الرئيس في «حالة الاتحاد»!! ـ أستاذ العلاقات الدولية ـ الولايات المتحدة