اعترف بأني ادهش كثيرا من كثرة الكتابات العربية التي تتناول الصراع الفلسطيني الاسرائيلي ولا تقول شيئا. واعجب من هذه الكتابات التي لا تفعل اكثر من ترديد كلام بات معروفا ومحفوظا عن ظهر قلب. حتى ليصيح الانسان ازاءها وماذا بعد؟ وفيما يخصني فقد قلت منذ زمن واقول دائما انه ليس مطلوبا من الكاتب او الصحفي او المحلل العربي ان يوجه خطابه الى العرب او المسلمين، فمثل هذا الخطاب لن يضيف شيئا اليهم. كما انه لا يضيف شيئا الى القضية مثار الكتابة. فما الجديد في ان نقول ان اسرائيل معتدية ومحتلة ومجرمة، تقتل الفلسطينيين وتسلبهم ارضهم وتعمل على تحويلهم الى مجرد كومة من البشر فاقدين لشروط الحياة ـ اي تدمير آدميتهم وكرامتهم الانسانية؟ ما الجديد في ان نصف العجز العربي والاسلامي عن مساعدة الفلسطينيين، فنقول انه كذا وكذا .. وما الجديد في ان نتحدث مطولا عن الانحياز الامريكي لاسرائيل، وان نفصل ونعدد اشكال هذا الانحياز وصوره؟. كل ذلك معروف منذ خمسين عاما، ويتكرر يوميا عبر اسطوانات لا تمل ولا تكل الترديد، فهل تغير شيء او هل يمكن ان يتغير شيء لمجرد اننا نردد كلاما معروفا سبقنا الى قوله الكثيرون؟ المطلوب من كل كاتب وصحفي ومحلل عربي هو ان يوجه خطابه (ان استطاع) للآخر، سواء كان هذا الآخر اسرائيليا او امريكيا. المطلوب منه ان يقدم صورة اعمق واكثر جدية لحالة النزاع في المنطقة ـ من تلك التي تقدم للاستهلاك المحلي، كي يتسنى لنا ان نفهم لماذا ينحاز الامريكي للاسرائيلي، ولماذا لا يستمع احد في هذا العالم للفلسطينيين، رغم الظلم الذي يلحق بهم؟المطلوب ان نفتش عن سبب النكبات العربية والفلسطينيين والمستمرة منذ عقود؟ فليس من المعقول ان ينحاز الامريكي للاسرائيلي، لمجرد انه اسرائيلي، حتى وهو يعلم انه ظالم وقاتل ومحتل. ولا يوجد انسان مهما بلغت درجة تدنيه الاخلاقي وانعدام ضميره يمكنه ان يؤيد قتل الناس كما يجري في فلسطين. اذن لماذا يحدث ما يحدث؟ لابد ان هناك خللا ما، لابد ان هناك مشكلة ما، تقف حجر عثرة في طريق ايصال الحقيقة للعالم. مشكلة تعمل على اعطاء القاتل قدرا من مشروعية القتل، وتسلب من الضحية مشروعية المقاومة. والمطلوب ان نجتهد في اكتشاف هذا الخلل والتعرف على تلك المشكلة، لا ان نستمر في الحديث الممل عن امور مكرورة ومعروفة. يحلو للكثيرين ان يشيروا في هذا الصدد الى اللوبي الصهيوني في امريكا، معطينه صفات وقدرات خرافية لم تتوفر لاحد ذات يوم. ومسبغين عليه افعالا واعمالا تشبه المعجزات. فهو لدى البعض، المهيمن على القرار في الولايات المتحدة والمتنفذ في سياستها، وهو لدى البعض الآخر وراء كل مشكلة او ازمة تلحق بالعرب والمسلمين. ومع الاعتراف بقدرات هذا اللوبي ونجاحه في الكثير من القضايا، في الكثير من الاحيان، الا انه في نهاية المطاف مجرد جماعة ضغط، وان يكون لها خصوصيتها وامكانياتها الهائلة في امريكا، غير انها اضعف واقصر قامة من ان تستوعب المجتمع الامريكي او تسلبه حريته وارادته. وهذا اللوبي مهما كانت قوته او سطوته لا يمكنه ان يقلب الحقائق او يغش الجميع في عالم مفتوح على مصراعيه، لايمكنه ان يضمن ان تأتي جميع النتائج لصالحه دائما. والاهم ان علينا ان نتذكر انه ليس كل اليهود في امريكا، بل معظمهم، لاتشغلهم قضايا المنطقة تفاصيلها اليومية وانما هناك نواة صغيرة من اليهود ولكنها متماسكة ومنظمة جيدا، هي التي تقف وراء حشد الدعم لاسرائيل. كذلك علينا ان نتذكر بان اليهود الذي يساهمون في صياغة السياسة الامريكية وخصوصا تجاه الشرق الاوسط، انما احتل معظمهم مناصبهم بسبب قدراتهم الذهنية وكفاءتهم العلمية وليس بسبب كونهم يهودا. نقول اذن من المتوقع والمفهوم ان تعمل اسرائيل كل مابوسعها وبكافة الطرق والوسائل لايصال وفرض وجهة نظرها في العالم، وبما يمنحها شرعية مواصلة ممارساتها القمعية ضد الشعب الفلسطيني، الا ان هذا ليس كافيا لتبرير حالة الصمت العربي والعالمي، عن تلك الممارسات.لذلك اعود وأقول ان هناك مشكلة، وتشخيص هذه المشكلة وابرازها هي من صلب مهمات الكاتب والصحفي والمحلل العربي، مهما كانت هذه المشكلة مؤلمة وجارحة، فتحمل الالم لبعض الوقت خير من تحمله طول العمر. اعتقد ان جزءا من السبب يعود ايضا الى الجانب الفلسطيني والعربي. واستطيع ان اشير هنا الى مسألة مهمة.الشعب الفلسطيني كان طوال خمسين عاما الماضية ضحية للاحتلال الاسرائيلي، ولا يزال حتى اليوم يعاني من هذا الاحتلال ومن ممارساته القمعية. لكن طوال خمسين عاما ايضا لم ينجح الشعب الفلسطيني في لعب دور الضحية امام الرأي العام الدولي.لم يتمكن من اتقان هذا الدور رغم انه لم يكن مطلوبا منه، لافي السابق ولا الآن، اكثر من ان يتحدث عن واقعه وما يعانيه يوميا. فكان في البداية الكفاح المسلح وعمليات خطف الطائرات والهجمات الفدائية، الى آخر القصة المعروفة. وكان يمكن تفهم ذلك ضمن سياق تلك الفترة، فترة الحرب الباردة، لكن كيف يمكن ان نتفهم رفع شعار الكفاح المسلح في ظل الظروف الراهنة وكما يحدث هذه الايام؟ فأنت اما انك تستطيع ان تقاتل فعلا ولديك الامكانيات لذلك وبالتالي تخوض هذه الحرب حتى النهاية، واما ان تلجأ الى الاساليب السلمية. لكن كيف يمكن فهم ان يتحمل وزر القتال والرد لعسكري من تشن الحرب ضده وتقصف قراه ومدنه ومواقعه كل يوم، وهو لا يستطيع سوى اطلاق التهديد والوعيد او القيام بعمليات تشوه وجه القضية الفلسطينية؟ انني استغرب كثيرا حين اسمع انه لايزال بوسع بعض القيادات الفلسطينية ان تهدد وتتوعد في مواجهة التفوق الاسرائيلي الساحق على الارض. وانه لا يزال بوسعها ان تشجع على شن هجمات والقيام بعمليات مسلحة ضد الاسرائيليين. لو ان هذه القيادات اكتفت بالاستغاثة بالمجتمع الدولي، والزمت جميع الفلسطينيين بفعل الشيء نفسه لربما تمكنت منذ زمن بعيد من الحصول على الكثير من حقوقهم. او على الاقل تمكنت من تفجير ازمة اخلاقية ونفسية خطيرة لدى الاسرائيليين تجعلهم يقارنون مايفعلونه اليوم ضد الفلسطينيين بما كان يفعله النازيون ضدهم.وللمفارقة العجيبة فقد كان بامكان الفلسطينيين ان ينظروا دائما حولهم ليروا ويتعلموا كيف استطاع اليهود ان يلعبوا دور الضحية في مواجهة الفظائع التي مارستها النازية الالمانية ضدهم، واستطاعوا بذلك كسب تعاطف ومساندة المجتمع الدولي. مشكلتنا في الدول العربية اننا نحب ان نسمع ما نريد ان نسمعه فقط، كل كلام غير ذلك مجرد هرطقات ولغو مرفوض. وعلى سبيل المثال، وفي اطار موضوعنا فقد شاع جدل غريب في الآونة الاخيرة حول تسمية العمليات التفجيرية التي يقوم بها بعض الفلسطينيين، اهي انتحارية ام استشهادية ام فدائية. وقد قامت الدنيا ولم تقعد في وجه من قالوا بانها عمليات انتحارية، ووصف بعضهم بالخيانة وتم تكفيره، مع ان وصف الانتحار او الاستشهاد لايغير من الامر شيئا، اذ ان تقدير المسألة هو عند الله وحده وليس عند البشر. ويحدث الامر نفسه بالنسبة لمن يعربون عن تأييدهم للاسلوب السلمي في حل النزاع الفلسطيني الاسرائيلي ونبذ اللجوء للعنف، حيث يتم تخوينهم والتدليس عليهم.وهذان المثالان وغيرهما كثير يكشفان عن نزعة متأصلة لدينا في كره الاختلاف والنفور من الآراء المغايرة، وفي المقابل اضفاء القداسة على الكثير من الآراء والمواقف الذاتية. مع ان هناك في اسرائيل من يصف العمليات العسكرية التي يقوم بها شارون في الاراضي الفلسطينية بانها جرائم، وهناك من اليهود من يطالب الدولة العبرية بالانسحاب من الاراضي المحتلة ومنح الفلسطينيين حقهم في اقامة دولتهم المستقلة.وفي الولايات المتحدة وفي اوروبا هناك من كانوا ولا يزالون يرفضون الحرب في افغانستان ومن يعتبرون العمليات الامريكية ضد الارهاب ليست مبررة، وان ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر لا يعطي الادارة الامريكية الحق في التصرف في العالم كما تشاء.لذلك اعتقد ان علينا التعايش والتكيف مع النقد والمغايرة في الطرح علينا ان نشجع هذا المنحى في التفكير فلعلنا بذلك نكتشف بعض عيوبنا واخطائنا فنسارع الى معالجتها وتصويبها، بدلا من ان نستريح الى الكلمات والشعارات التي تدغدغ عواطفنا، لكنها لاتقدم لنا شيئا مفيدا. اما الكاتب العربي فاعتقد ان مهمته لا تتلخص في ايجاد المبررات، وانما عليه ان يبحث جادا عن الاسباب .. والاهم ان يمتلك حسا نقديا يتعالى به عن الضجيج المندفع من الزوايا المتربة في الشارع العربي. ـ كاتب بحريني