منذ أن سلمها الملك الصبي أبو عبد الله الصغير آخر ملوك بني الأحمر إلى الملكين الكاثوليكيين «ايسابيل» و«فرناندو»، تعيش غرناطة ببهائها رغم كل المحاولات التي بذلتها وتبذلها السلطات الكاثوليكية لتوظيف وجودها سياسيا ضد الإسلام والعرب كلما حانت الفرصة لتشويه الصورة الحضارية التي تمثلها المدينة باسمها وتاريخها العربيين: منها بدأ تاريخ النكوص عن العهود والمواثيق التي كانت «تضمن وتؤمن حياة مسلمي غرناطة وتحمي حقوقهم» بموجب وثيقة التسليم قبل 512 سنة من الآن، لتصبح المدينة وأهلها رمزا للاضطهاد الذي تعرض له المسلمون بعد سقوط دولتهم هناك، على الرغم من لجوء الحكام المسيحيين إلى تقليد معمارها الذي كانوا يحسدون عليه الحكام المسلمين الذين تمتعوا برغد وجمال الحياة في قصور الحمراء وحدائق العريف المحيطة بها. ومنها يبدأ التاريخ لأكبر وأقسى اضطهاد في التاريخ الإنساني تتعرض له جماعة بشرية بسبب العقيدة واختلاف الدين، فكان شعبها وقودا لمحاكم التفتيش التي كانت أول وأكبر عملية اضطهاد قائمة على أساس «أيديولوجي» قبل أن تكون نتيجة لاضطهاد ديني، لأن المسيحية تماما كالإسلام تدعو إلى التسامح والتعايش، وهو ما كان يحلم به المسلمون عندما سلموا مفاتيح المدينة إلى جيوش المسيحيين الغازية. ومن اضطهاد مسلمي غرناطة انطلقت فكرة الملكين الكاثوليكيين لغزو باقي ممالك شبه الجزيرة الايبيرية التي كانت رافضة لتسليم زمام أمورها لملكة طاغية، الملكة الكاثوليكية ايسابيل، التي لا تعرف الرحمة طريقا إلى قلبها، حتى على بني جلدتها ودينها الذي كانت ترفع شعاره راية للاستحواذ على الملك، ولا شئ سوى الملك. من غرناطة انطلقت أيضا أول صيحة مطالبة بالحرية ضد الحكم المطلق للكنيسة والملكية ومحاكم التفتيش، لم يطالب ثوارها فقط بحرية العقيدة للموريسكيين بعد نقض عهود الحفاظ على حرية ممارسة تلك العقيدة، بل كانت أعلى وأول مطالبهم بحرية الحياة للكاثوليكيين أيضا، لأن قائد تلك الثورة التي استمرت ثماني سنوات في منطقة «البشارة»، الواقعة على بعد أميال قليلة من غرناطة، كان في الأصل مسيحيا كاثوليكيا اعتنق الإسلام حبا في العدالة ليطالب بحقوق المسيحيين في حرية الاعتقاد وممارسة طقوسهم تحت حكم يدعي المسيحية، ولتعود حرية الاعتقاد لبني وطنه كما كانوا يفعلون خلال الحكم الإسلامي في الأندلس الذي امتد لما يقرب من ثمانية قرون، شهدت خلالها البلاد ازدهارا لم تعرفه طوال تاريخها على مر العصور والممالك التي حكمتها من رومان وبيزنطيين، ثم في عهود التسلط والدكتاتوريات، بل وفي ظل الديمقراطية. لذلك كان حظ غرناطة التجاهل دائما ردا على تميزها بعد أن دانت الممالك المسيحية الأخرى لحكم المملكة الكاثوليكية، فتحولت عن مدينة قصور الحمراء إلى أشبيلية لتتخذ منها عاصمة للمملكة وكأنها تنتقم من جمال غرناطة، ثم تحول خلفاؤها بعد ذلك نحو الشمال ليتخذوا من طليطلة ومن بعدها مدريد عاصمة لملكهم. ثم كان استمرار الاضطهاد الذي لم ينته بعملية الطرد الكبرى التي راح ضحيتها ملايين الموريسكيين في القرن الخامس عشر، من بقي منهم على إسلامه ومن تنصر هربا من الاضطهاد، على الرغم من أنهم كانوا جميعا من رعايا تلك الدولة، إلى درجة أن بعض المؤرخين اعتبروها طردا لمواطنين لهم حق المواطنة قبل أن يكون هذا الحق لمن أمر بطردهم، فقد كانت عملية طرد الموريسكيين عبارة عن قرار صادر من نظام مسيحي لطرد مواطنيه المسلمين. من بقي من سكان المدينة المسيحيين لم يحصل على حقوق المواطنة كاملة كما كانت لغيره من مواطني الدولة الجديدة المسماة «إسبانيا»، لذلك لم يكن غريبا ان يهجرها أهلها من مسيحيين ومسلمين إلى بلاد العالم الجديد في أمريكا اللاتينية التي كان اكتشافها مواكبا لسقوط غرناطة، فكان عصر الاكتشاف رحمة لكثير من المواطنين الأندلسيين الذين وجدوا فيما وراء البحار مستقرا بعد أن ضاقت بهم أرضهم. بعد انتهاء عهد الإمبراطورية بسبب حماقة حكام إسبانيا ضاعت هيبة البلاد مع ثروتها التي استخدمها الملوك في حروبهم الأوروبية بحثا عن مجد زائل فتحول هؤلاء الحكام لاضطهاد مواطنيهم، وتحول سكان الأندلس بعد ذلك من سادة إلى مهاجرين في كل أوروبا بحثا عن لقمة تسد الرمق، لأن كل الإدارات والأنظمة التي جاءت بعد ذلك باختلاف أنواعها وألوانها وأشكالها كانت توجه كل جهودها لتنمية مناطق الشمال وتترك الجنوب الأندلسي بلا خدمات وكأنها تعاقبه على أصوله العربية (!). استمر الحال كذلك خلال عهد دكتاتورية الجنرال فرانكو، وبان هناك نور من أمل مع عودة الديمقراطية بعد رحيل الجنرال ووصول الاشتراكيين إلى الحكم، خاصة أن أول رئيس وزراء اشتراكي لإسبانيا المعاصرة كان أندلسيا، كان فيليبي جونثالث أشبيلي المولد والنشأة، ومع بداية حكمه عام 1982 تم إعادة بعض الاعتبار لتلك الأرض التي تدر على الدولة ذهبا من مزاراتها السياحية الإسلامية في أشبيلية وقرطبة وغرناطة. لكن يبدو أن الإدارة المركزية كانت ولا تزال تنظر إلى السمات العربية لمدينة غرناطة وكأنها الخطر المحدق بالأمة الإسبانية، فتم إهمال «حي البيازين» العربي التاريخي الذي لا يزال يحافظ على طابعه العربي الإسلامي، فتحول إلى مكان لإقامة المشردين ومدمني المخدرات، أو في أحسن الأحوال مكان لإقامة الجماعات الهيبية. كلما حدثت مشكلة تهدد الأمن توجهت الأنظار نحو هذا الحي، وكأنه اللعنة التي تصاحب غرناطة بانتمائها العربي الإسلامي. عندما بدأت عمليات الهجرة تزداد في السنوات الأخيرة، خاصة من مواطني منطقة المغرب العربي باتجاه الأندلس، ومدينة غرناطة تحديدا، بدأ الحديث في الأجهزة الرسمية الإسبانية يتزايد عن «الخطر الإسلامي» القادم من الجنوب، وكأن هؤلاء الفقراء الذين عبروا المضيق بحثا عن فرصة حياة أفضل غزاة جاءوا بحثا عن تكوين إمبراطورية إسلامية جديدة؟!. إلا أن وصول المهاجرين من منطقة المغرب العربي إلى غرناطة أدى إلى تحويل حي «البيازين» إلى شكل آخر وجديد للحياة، كان انجذاب المهاجرين إلى هذا الحي نابع من فقره وإهماله مما يجعله أفضل للسكن من الناحية المادية، لكن هؤلاء المهاجرين أصلحوه، وقاموا بتنظيفه، وأنشأوا فيه المقاهي التي تقدم جميع أنواع المشروبات الساخنة غير الكحولية، مما جعله مزارا سياحيا لا يمكن لزائر غرناطة ألا أن يمر به. مع تغير الحياة في حي البيازين بتدفق المهاجرين إليه تغير الوضع الأمني فيه، ولم يعد أحد يذكر هذا الحي بالسوء بعد أن اختفت عمليات السرقة والاعتداء على المارة التي كانت معروفة عنه خلال فترة إهماله الرسمية، فقد أعاد المهاجرون العرب الحياة إلى جزء تاريخي من غرناطة، ويبدو أن هذا لم يكن يجد قبولا لدى السلطات الرسمية في أسبانيا، لكن لم يكن لديها ما تستطيع أن تفعله ضد من أصلحوا أحوال الحي والمدينة. لكن تلك السلطات وجدت فرصتها في النيل من المهاجرين سكان حي البيازين بل وفي كل الأندلس بعد تلك الرسالة المشبوهة التي أدلى بها «أسامة بن لادن» خلال الساعات الأولى لتدمير مركز التجارة العالمي في نيويورك وضرب البنتاجون في واشنطون، فقد استخدمت السلطات الأمنية الإسبانية إشارته إلى الأندلس وكأنها «إعلان حرب» على البلاد. بعدها بدأت بعض وسائل الإعلام الإسبانية حربا «عنصرية» ضد المهاجرين المسلمين المقيمين في مدينة غرناطة، وكان واضحا أن هناك أصابع خفية تحرك هذه الحملة، لأنها تزامنت مع محاولات الحكومة الإسبانية إثبات قدرتها على تقديم العون للحكومة الأمريكية في «محنتها»، فليس من الطبيعي أن ترسل صحيفة كبرى صحافيا من العاصمة لكتابة «تحقيق» حول أوضاع المسلمين المهاجرين المقيمين في المدينة بينما تملك مكتبا دائما يعمل فيه عدد من الصحافيين الأكفاء الأقدر على معرفة الأوضاع في المدينة من القادم من العاصمة ليوم أو يومين لإنجاز تلك المهمة ما لم يكن القادم من العاصمة مكلفا بعمل ما بعيد كل البعد عن مهنته الصحافية. مثل هذا التحقيق المغرض الذي أنجزه صحافي مشبوه التوجه كان هناك الكثير من الأعمال التي تبحث عن إدانة المهاجرين العرب والمسلمين من سكان حي البيازين أكثر من البحث في أوضاعهم، ثم تدخلت السلطات الرسمية بتصريحات غير مسئولة عن «إمكانية ان يكون الحي مكانا لتخفي من لهم ميول متطرفة» نظرا لغلبة الجنس العربي بين سكانه، حتى أصبح كل مسلم يشك في جاره، وربما كان هذا هو الغرض من تلك الحملات الإعلامية المشبوهة. على الرغم من مرور أكثر من خمسة قرون على سقوطها في أيدي الملكين الكاثوليكيين عادت غرناطة من جديد لتصبح هدفا للإدارات الكارهة لتاريخها العربي والإسلام، وكأنه مكتوب عليها أن تدفع ثمن من يجهلون التاريخ ويجهلهم. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا