منذ قدومي الى لندن في الاول من يوليو الماضي وحتى الآن، والمتابع للاعلام الغربي خصوصا الاعلام البريطاني والامريكي يلمس مدى ازدواجية المعايير التي يتعامل بها هذا الاعلام مع القضايا الدولية والعالمية، خصوصا اذا كان الامر في تلك القضايا يتعلق بالصراع العربي الاسرائيلي والانتهاكات الصهيونية التي يقودها الجزار ومجرم الحرب الدولي ارييل شارون ضد المدنيين العزل من الشعب الفلسطيني، من استخدام آلة الحرب الفتاكة من طائرات ومروحيات واسلحة حديثة جميعها امريكية الصنع، وتقليع للاشجار وهدم للبيوت والمؤسسات وعمليات القنص والقتل ضد الشباب الفلسطيني الذي استشهد منه اكثر 700 شهيد منذ بدء الانتفاضة في سبتمبر الماضي وكان ضمن هؤلاء الشهداء عشرات الاطفال هذا بخلاف آلاف الجرحى والمعاقين. ولكن المتابع للاعلام الغربي عموما يشعر على العكس من ذلك فبالامس القريب بعد العملية الفدائية التي نفذها احد الشباب الفلسطيني في احد المطاعم في القدس الغربية والتي قتلت حوالي عشرين اسرائيليا وجرحت عشرات آخرين، فنزل الخبر على الاعلام الغربي كالصاعقة وكأن الحرب العالمية الثالثة قد اندلعت في الشرق الاوسط ضد اليهود الابرياء! فقد اذيع الخبر في التو واللحظة في الاذاعة والتلفزيون بالصور والمشاهد التي تصور لك جرم وفظاظة ما يفعله هذا الشباب الفلسطيني، وتركز على مشاهد الدماء وصور الاطفال القتلى من اليهود، وفي الصباح تصدر الخبر جميع الصحف الاوروبية وبكافة اللغات وهذا ما تلمسه من الصور التي تصدرت الصفحة الاولى والمانشتات لتلك الصحف. فاذا جئنا الى الصحافة البريطانية سنجد ان «الجارديان» كان المانشيت الرئيسي لها «الدماء والجثث تملأ الشوارع» ثم صورة كبيرة لامرأة اسرائيلية وقد لطخ الدم وجهها وذراعيها، ثم تحقيق كبير في الصفحة الاولى عن دراما الحدث يصور لك بشاعة هؤلاء الارهابيين الفلسطينيين ضد المدنيين العزل والابرياء من الاطفال والنساء الاسرائيليين. واذا ما انتقلنا الى جريدة اخرى وهي جريدة «الفايننشال تايمز» فقد كان المانشيت الرئيسي لها «عملية الانفجار الانتحاري تقتل 15 اسرائيليا» مع صورة كبيرة في صدر الصفحة الاولى وتعقيب يقول: مجموعة من رجال الانقاذ والمتطوعين اليهود في مكان الانفجار بعد قتل 6 أطفال ورغم ان الفايننشال تايمز ليست جريدة سياسية الا انها غطت الموضوع على صفحتين، الاولى والعاشرة وركزت على تصريحات الزعماء اليهود والرئيس الامريكي وخافيير سولانا منسق الامن والسياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي، والتي ركزت في اغلبها على ادانة هذا الاجرام الفلسطيني الوحشي في حق المدنيين العزل من اليهود، وحملت كل تلك التصريحات ياسر عرفات المسئولية وطالبه الرئيس الامريكي باعتقال ومحاكمة المسئولين عن هذه الاحداث واتخاذ مواقف فورية تجاه الارهابيين القتلة. اما جريدة «الهيرلدتريبيون» فجاء المانشيت الرئيسي فيها تحت عنوان «عملية انفجار انتحاري تقتل 15 وتصيب 100 في اورشليم» مع صورة كبيرة لرجال البوليس في مكان الانفجار وصورة جانبية لامرأة يغطي وجهها ويديها الدماء وعنوان آخر في منتصف الصفحة يقول «بوش يهاجم القتل المتعمد للمدنيين». اما الصحف المسائية فقد اهتمت بذكر التفاصيل عن الحادث، فكتبت جريدة كل يوم المسائية تحقيقا تصدر الصفحة الاولى تحت مانشيت كبير بعنوان «الضحايا» وصور للاطفال الذين قتلوا في تلك العملية. هذه فقط مجرد عينة سريعة لما نشر عن تلك الحادثة الطبيعية ضد اي احتلال يسفك الدماء ويهلك الحرث والنسل كل يوم، لكن حينما يكون ذلك ضد اليهود فهو جريمة ووحشية وحماقة. اما حينما يكون العكس من اليهود ضد الفلسطينيين فهو دفاع عن النفس وتحقيق الامن ضد الارهابيين من «حماس» و«الجهاد»، وهذا ما ابرزته الصحف والتلفزيون البريطاني في تغطية اغتيال ثمانية من الفلسطينيين على يد الجيش الاسرائيلي بأوامر من شارون ورجاله فأذيع الخبر في وسط الاخبار وفي الصحف في زاوية صغيرة في الصفحات الداخلية. فاذا ما تركنا قضية الصراع العربي الاسرائيلي وانتقلنا الى غيرها من القضايا الهامة في الفترة الماضية، وكان من اهمها منذ وصولي الى لندن القبض على الرئيس اليوغسلافي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش وتسليمه الى محكمة مجرمي الحرب، وقضية مؤتمر جنوة لمجموعة الثمانية في ايطاليا وكيف تعامل البوليس الايطالي بوحشية مع المتظاهرين ضد المؤتمر، ثم أخيرا في عملية الصراع على السلطة في أندونيسيا والتي انتهى بخروج عبدالرحمن واحد بعد ان تخلى عنه الجيش والشرطة، وكذلك في التعاطي مع قضية الحرب العرقية الدائرة ضد المسلمين في مقدونيا، سنجد أن الاعلام الغربي يتعامل ايضا بسياسة ازدواجية المعايير مع تلك القضايا. فقد نشر خبر القبض على ميلوسيفيتش وتقديمه للمحاكمة على انه انتصار للعدالة والحرية ضد مجرم حرب أساء الى المدنيين وضد حرية الانسان، مع العلم ان الغرب هو الذي شجع ميلوسيفيتش على ارتكاب تلك المجازر وهو الذي امده بالسلاح ووفر له الحماية حتى أجهز على عشرات الالاف من مسلمي البوسنة والهرسك وشرد مئات الالوف منهم، على مرأى ومسمع من العالم والغرب الذي يتغنى بمحاكمة ميلوسيفيتش كمجرم حرب ضد الانسانية، بل وكأنه هو الذي ارتكب كل الفظائع ضد المتظاهرين العزل في جنوة الذين تظاهروا ضد العولمة في اجتماع مجموعة الثمانية في ايطاليا الشهر الماضي. فلماذا الدفاع عن حقوق الانسان في حالة الرئيس الصربي المخلوع؟ واين حقوق الانسان في انتهاك حقوق المتظاهرين في جنوة وقتل احدهم وجرح العشرات منهم؟ وهل يعجز الغرب على انهاء الصراع الدائر في مقدونيا ام انه صراع داخلي مادام الهدف منه القضاء على الأقلية المسلمة التي تشكل 40% من الشعب المقدوني والذين يعيشون دون اية حقوق او ضمانات ويطالبون بحقوقهم كمواطنين، ثم سيصحو ضمير الغرب المدافع عن حقوق الانسان بعد تشريد هؤلاء المسلمين وقتل الالاف منهم؟! وسيكتب الاعلام الغربي عن جرم الحكام في مقدونيا وسيطالب البعض بمحاكمتهم كمجرمي حرب، علما بأنه لم يجرؤ كاتب غربي من انصار حقوق الانسان على محاكمة شارون كمجرم حرب ضد الفلسطينيين في مجزرة صبرا وشاتيلا وضد المدنيين في لبنان في الثمانينيات، بل على العكس من ذلك سنجد ان امريكا «راعية حقوق الانسان» في العالم تتدخل وتضغط على القائمين على مؤتمر التمييز العنصري في جنوب افريقيا ثم تنسحب منه حتى لا يتم ادراج اسم اسرائيل في ممارستها ضد الشعب الفلسطيني على انها دولة عنصرية. واخيرا في قضية الصراع على السلطة في اندونيسيا، فرغم ان الرئيس واحد هو ربيب المؤسسة الغربية الا ان الغرب تخلى عنه في اللحظة الحاسمة، وخصوصا حينما لجأ الى الاحتمال بالمؤسسة الدينية كرئيس لواحدة من اكبر الطرق الصوفية في اندونيسيا خلفا لوالده رجل الدين هاشم الاشعري، وهكذا فرغم ان لجوء واحد الى المؤسسة الدينية لم يكن اكثر من تكتيك سياسي الا ان ذلك اشعر الغرب بأن هذا يعني ضلوع المؤسسة الدينية في شئون الحكم في أكبر بلد اسلامي يصل تعداده الى اكثر من 200 مليون نسمة، ومن هنا رحب الغرب بعزل واحد وتولي نائبته وعدوته اللدود ميجاواتي صاحبة التوجه العلماني وابنة الرئيس الاسبق سوكارنو. وعلى هذا فان هذه المواقف تعكس بوضوح سياسة الاعلام الغربي في التعامل مع القضايا الدولية التي تقوم في المقام الأول على مصالحه الخاصة، فاذا ما تعلق الامر بشأن يمس مصلحته كان ارهابا وعدوانا ووحشية، اما اذا كان ما يتم حتى ولو كان قتلا وارهابا ووحشية في مصلحته فهو لردع الخارجين على القانون وضد الارهابيين. وهذا ما نلمسه في تغطية العدوان الامريكي البريطاني المتكرر على الشعب العراقي الأعزل كل حين بحجة التخلص من القيادة العراقية المناهضة للغرب، ولكن في هذه الحالة ليس للشعب العراقي حقوق ولا واجبات تصان وتراعى، فعليه ان يتحمل الجوع والحصار والموت لانه يعادي امريكا وسياستها العادلة الرحيمة التي تسهر على أمن ومصلحة الانسانية! كل هذا يوضح لنا ان قضية الصراع العربي الاسرائيلي لن تجد الحل العادل الا بمواصلة دعم الشعب الفلسطيني في صموده وكفاحه ضد الاحتلال الصهيوني ولن يكون ذلك الا بالدعم المادي والمعنوي من الحكومات والشعوب العربية، والا بمقاطعة واضحة وصريحة للمصالح الامريكية في المنطقة التي تؤيد سياسة العدوان الاسرائيلي وتحميها في المحافل الدولية من الادانة، وتمدها بأحدث الاسلحة واشدها فتكا. ـ كاتب مصري ـ جامعة الامارات