لم أعرف الاحتفال بعيد الميلاد إلا متأخرا، عادة نجهلها في صعيد مصر الذي ولدت في إحدى قراه، أيضا في الحارة التي عشنا في أحد بيوتها، لم يكن أمرا خاصا بي وحدي لكنه عام رغم احتفال القوم الصالحين الراحلين، فيما يعرف بالموالد، أما في العائلات، فقيرها وثريها فلم أسمع بذلك. مرة سألت أمي في صباي، متى ولدت؟ قالت، يوم أربعاء عند الفجر، وكانت ليلة طيابها شديد (رياحها) حتى أن الباب كاد ينخلع فاضطر خالك إلى الجلوس خلفه ليسنده. يوم أربعاء، لكنها لم تحدد أي أربعاء بالضبط إلى أن التحقت بالمدرسة وتطلب الأمر كتابة معلومات بعد اتقاني القراءة والكتابة، مثل الاسم بالكامل ومحل الإقامة، وتاريخ الميلاد. عرفت أنه التاسع من مايو، سنة خمس وأربعين، هكذا أصبح التاسع ذاك علامة لها شأن عندي، تثير انتباهي فقط، لكنها لا تعني شيئا محددا. مع تقدمي في الزمن، أصبحت أسمع عن زملاء دراسة يحتفلون بأعياد ميلادهم، لكنني لم أشارك أيا منهم، حتى العاشرة لم أعتد تبادل الزيارات معهم. وكانت أحوال معظمهم مثلي أصولهم ريفية، والتقليد مجهول عندهم أيضا، فيما عدا واحد فقط أبوه خطاط ، يتخذ له مقرا في شارع محمد علي، وكان زميلنا هذا حسن الهندام، أنيقا وفي رحلة مدرسية إلى أهرام الجيزة اكتشفنا أنه أحضر شرائح من اللحم المحمر، مغطى بطبقة محرشفة، ناشفة. ولأول مرة أسمع لفظ (البفتيك )، فلم أعرف اللحم إلا مطبوخا مع الخضار، فيما تلى ذلك بفترة قصيرة، سمعت أمي تتحدث عن أسرة (أبو أحمد)، كان باشجاويشا في الشرطة، مهيبا، ضخم الجثة، له ولدان، احمد وقد عرف الطريق إلى المعتقل مرارا لنشاطه ضمن جماعة الاخوان المسلمين، وفيما بعد سألتقي به حيث لم أتوقع في سنوات طفولتي، أما شقيقه شعراوي فسمعت به قبل أن أراه، خلال حرب ثمانية وأربعين، اثناء الغارات الليلية، كنا ننزل من الطابق العلوي حيث نقيم إلى الدور الأول حيث الحاج أحمد عمر، التاجر، بلدياتنا من الصعيد، والد ثريا وخال سناء خضراء العينين. إظلام تام، الزجاج مدهون بالأزرق، فقط، ضوء نحيل من المذياع الضخم يضيء لوحة البيانات، الكل يصغون إلى أخبار لندن بالعربية. قال أحمد عمرو إن شعراوي ابن أبي أحمد يحارب الآن في فلسطين، فيما بعد رأيته وكنت أتطلع اليه من بعيد برهبة. غير أنهما ارتبطا عندي باللحم، إذا قالت والدتي في ليلة صفا الجو بينها وبين والدي، واتصلت المودة، إن أحمد وشقيقه شعراوي لا يأكلان إلا (النواشف) أمهما تقدم إليهما اللحم محمرا بالردة والبيض، بفتيك مثل الخواجات، وهذا علامة على يسر الأحوال، معظم الأسر في الحارة تطبخ اللحم بالخضار ليفي بحاجة الأبناء، ولكن إذا ما قدم اللحم محمرا على طريقة الخواجات فهذا يعني مقدرة على شرائه، أوسع وأثرى الأمر نسبي دائما. في حارتنا سمعت عن احتفال بعيد ميلاد، الست روحية تقيم احتفالا يجيء فيه أقارب وأصدقاء بمناسبة عيد ميلاد ابنتها كاميليا، لكن أهالي الحارة خاصة السني تاجر العطور لا حظوا أنها تقيم احتفالات على فترات متقاربة وهذا مريب، بعضهم ألمح إلى ماضيها البعيد خلال الحرب العالمية الثانية، كانت راقصة في أحد الملاهي التي يتردد عليها الإنجليز والاستراليون وغيرهم من الحلفاء، جمعت من كدها أربعمائة جنيه. سلمتهم إلى تاجر خيش ناحية الخرنفش اسمه الحاج زكي، يزورها مطلع كل شهر ميلادي، يسلمها عائد تشغيل المبلغ، أما زوجها الأسطى عبده السائق، فلا حول له ولا قوة، تعرف عليها اثناء عمله بالتاكسي، نساء الحارة يذكرون ذلك باحتقار. أي أنه لم يخطبها من بيت، من عائلة، أمي عند هذا الحد تكف لا تحب الخوض في سيرة الناس، خاصة اذا وصل الأمر إلى منطقة حساسة، تشير بيدها. استغفر الله العظيم.. لا أدري من قال أو قالت على مسمع مني ان الست يؤرقها تأخر زواج ابنتها، وهذه الاحتفالات بعيد الميلاد فرصة لتردد بعض المعارف عليها، لعل وعسى! تشرف عصر كل يوم على زينة كاميليا، تدربها على حبكة الملاءة اللف، والخطو المتمهل، المتأود، عند الناصية مقهى فسيح، عامر، مقهى البنان، ذروة الزحام ما قبل الغروب وبعده، تعبر أمامه يوميا، متجهة إلى ميدان سيدنا ومولانا الحسين، تتوقف عند دكان العصير المتخصص في الخروب والتمر هندي والخشاف، تشرب سطلا، ثم تعود، تبادر أمها بالسؤال: (مافيش حد بص لك..) تتأوه كاميليا مبدية اللامبالاة، لكنها مثل أمها، قلقة انها تقترب من العشرين، ولم يتقدم إليها أحد، ربما تخشى الست روحية ماضيها البعيد، ما يقوله الناس عنها. عيد الميلاد الوحيد الذي عرفته الحارة إذن ذلك الخاص بالابنة. غير أنني بدأت أنتبه إلى التاسع من مايو، ربما في الخمسينيات، ثلاث كراسات، كل كراسة مائة وأربعون ورقة من إنتاج شركة الشمولي. قالت إنها تعرف حاجتي إلى الكراسات لأضمنها ما أكتب، تطلعت إلي قالت (كل سنة وأنت طيب.. ) لم أدر كيف يكون رد فعلي، اعتدنا أن نتبادل مشاعرنا بالصمت والا نعرب عنها بالنطق إلا فيما ندر، قلت بتلقائية (ربنا يخليك يا أمي.. ) نمت تلك الليلة والكراسات الثلاث على مقربة منى واحدة فقط لاتزال عندي، نفدت من الاعتقال وضبطتها ضمن كتب وكراسات وأوراق فقدتها تلك الليلة، من فترة إلى أخرى أطمئن على استقرارها وقد أقلب صفحاتها التي دونت بها يوميات تسجل بعضا مما جرى لي، اقتداء بكتاب قرأت أنهم حرصوا على كتابة مذكراتهم. كلما لمحتها لا أفكر فيما دونته بصفحاتها، لكنني أروح مباشرة إلى أمي التي اقدمت في تلك السنة بالتحديد على شراء تلك الدفاتر اثناء إحدى مرات خروجها لشراء خضروات أو جبن أو لزيارة مولانا وقراءة الفاتحة، هذا لم تقدم عليه بمفردها إلا في تلك الفترة، توقفها أمام دكان العسال للخردوات وأدوات الكتابة، شراؤها الكراسات، أول ما تلقيت في عيد ميلادي، قبل هذا المشبك المطعم الذي أتمهل في التمهيد لظهوره عندي وحفظي إياه. وقت دورة للكوكب حول محوره أفضى إلى ذلك اليوم وتلك الساعة الصباحية، دورة حول الشمس أدت إلى تلك السنة، عام تسعة وستين بعد التسعمائة والألف على مولد سيدنا المسيح، عدد مجهول لي من دورات الشمس حول المجرة، وعدد مجهول آخر من دوران المجرة حول مركز الكون الفسيح الذي لا نعلم حتى الآن موقعه أو المدى الذي يفصلنا عنه. ربما أقرب إلينا مما نتصور. ألم ينصحنا مولانا جلال الدين يوما بالنظر إلى ذواتنا إذا ما خطر لنا التساؤل عن مركز الكون. (انت المركز) هكذا قال مرشدا أو مفسرا وموضحا لنا، لكن ما أثق منه أنه لولا تلك الدورات، النسبي منها والمطلق، لما حللت ولما جاءت، ولما التقينا، ولما بلغت اللحظات التي أتأمل خلالها هديتها إليّ أحد أشياء قليلة احتفظ بها وأعود لأتأملها ولأطمئن عليها مخافة البدد، أعرف أنها لا تعني شيئا على الإطلاق بالنسبة لغيري، ولكنها عندي علامات ونفائس دالة حتى وإن تقطعت الصلات لانقضاء الدورات وتمام الظروف، حدث مرة قبل حلول ذلك اليوم، عقب هزيمة يونيو مباشرة أن خرجت من البيت إلى ميدان الحسين، وقعت عيني على بائع لم أره من قبل، لم أعهده، لذلك أدرجته في قائمة من عاينتهم لأول وآخر مرة في أماكن اعتدت الإقامة بها أو المرور المنتظم عبرها، ومن ذلك على سبيل المثال العازف الافريقي على آلة وترية غريبة، وموكب الدوسة، وهذا البائع، كان يدفع أمامه عربة مقاسها غير مألوف بالنسبة للعربات التي تدفع باليد، فرشها بقماش أخضر. صف فوقه عددا من أوسمة مختلف أحجامها ومصادرها. مصري وتركي والماني وإنجليزي وفرنسي وما لم أستطع تحديده، بعضها عليه صلبان والأخرى نجوم متداخلة وأهلة، توقفت متطلعا دهشا حتى أنني لم أسأله إرضاء لفضولي عن الأسعار أو ما شغلني وقتئذ، كيف وصلت إلى تلك المجموعة المتنوعة، ما مصادرها، من تقلد كل منها، بدلا من ذلك رحت أفكر في الأيدي التي صنعت وزخرفت، كذلك الأيدي التي علقت والصدور أو الرقاب التي تقلدت، والجهود والأعمال التي أدت إلى أسباب المنح والإنعام! اشيائي صغيرة جدا، لكل منها تفصيل، ما يعنيني منها الآن هذا المشبك الذي صار إليه مداري وتكوكبي، مركزا حوله وعنده وفيه كل ما يتعلق بها وبأحوالي. الوقت قبل الزوال، شمس صريحة، سماء صافية، والضوء منبثق من مصادره البادية والمجهولة يمنح الأشياء ألوانها، خاصة الأخضر، حيث الحقول ممتدة إلى جوارنا، والبيت الريفي ذو القباب الذي تم تحويله إلى مطعم، في ذلك الوقت كان نائبا، لايمكن بلوغه إلا لمن لديه سيارة خاصة، المواصلات العامة كانت محدودة جدا، الحقيقة أنني لم أستفسر فلم أجئ إليه بمفردي، فيما بعد سفرها من مصر، قصدته مع صحب لي. اقترحت عليهم، واستمر ترددي عليه حتى وقت قريب، ورغم شيوع النمط وانتشاره في تلك الناحية المؤدية إلى منطقة دهشور وسقارة، إلا أنني لا أفضل إلا هذا المكان، لارتباطه بها وانتمائه إليها أو انتمائها إليه، حفظت أئمة وجباته،مذاق كل منها النكهة الخاصة لطهي الأصناف في أوان فخارية توضع في الفرن، أما الخبز فتعده فلاحات شابات من الناحية يقمن بعجنه وتقريصه وخبزه أمام الدوار قرب مدخل البيت المؤدي إلى الساحة المسورة لفصلها عن الحقول المجاورة، الممتدة حتى رمال الصحراء، من المنضدة التي نجلس إليها يمكن تحديد اللونين بصرامة، الأخضر والأصفر، بل يمكن للواقف أن يضع قدما هنا وآخرى هناك. بالتأكيد ما بين الواحدة والثانية ليس لديّ علامة، لكن حسي ينبئني بالموعد القديم، قبل تناولنا لمتبلات من باذنجان مخلل وفلفل ولفت وخيار مملح ومش معتق وجبن قريش، ربما بعد تناولي عصير الليمون، كنت محرجا لأنها المرة الأولى التي ألبي فيها دعوة من أنثى إلى الغداء. عندما أظهرت لها ذلك، قالت إنها دهشة من منطقي، ألسنا متساويين ثم إن المناسبة تقتضي ذلك. لم يغب عنى بالطبع أنها خصتني. اعتدنا اللقاء في جمع بمقهى الفيشاوي لكن بين الحين والآخر تبدي رغبتها في الانفراد، وعندئذ نلتقي في بهو الفندق الراسخ وسط المدينة. وقد سجلت لحيظات من لقاءاتنا تلك في أقصوصة عنوانها (البهو). لا أعرف كيف ألمت بموعدي، مؤكد أنني لم أنبئها بذلك، يمنعني خجلي من الاقدام، فهذا يعني طلب اهتمام من ناحيتي، أو تذكير بمناسبة تخصني لم أعتد التوقف عندها. في لقائنا هذا حكيت لها عن أحد مصادري للكتب القديمة، وكان الحاج دياب للورق المستعمل المجاور لعبده السماك، كنت أقلب كومة عنده من الكتب والكراسات، عندما عثرت على اعداد قديمة من صحف ومجلات، لكم يثيرني تأمل العناوين، وقراءة الأخبار في غير أوانها، بعد انطواء توقيتاتها، كذلك الإعلانات القديمة، امسكت بعدد من جريدة الأهرام، اربع صفحات فقط، عنوانه الرئيسي (استسلام ألمانيا، وانتهاء الحرب في أوروبا) رسم لسيدة تمسك سيفا وأخرى تركع أمامها، وتحت الصفحة صورة لجنرال ألماني يوقع وثيقة الاستسلام، ما أذكره من الخبر أن ذلك تم في مدرسة جدرانها من الطوب الأحمر، غاب اسمه عني رغم أنني طالعته مرارا فيما تلى ذلك، ما استوقفني التاريخ. العدد يحمل تاريخ التاسع من مايو، هذا العدد كان بين أيدي القوم ولم يمض بعد على وفادتي إلى الدنيا إلا بضع سويعات، اليوم الذي شهد أول شروق عليّ وصدرت الجريدة قبل أول غروب. (هكذا.. انتظرت إلى انتهاء الحرب تماما وجئت) ابتسمت.. ابتسامتها تلك علامة، سمة، مرجع، أينما وليت أطالعها، وإلى أي صوب تخطر لي، فيها تساؤل وامتزاج ودهشة حنين، ترتبط بلحظة مد يدها بلفافة صغيرة، ورق مفضفض منقوش بنجوم خضراء صغيرة، استدعى سقف مقبرة فرعونية يلخص السماء، عناصر الكون تمثل في الرقدة الأبدية، أصفر لون النجوم، أسود لون الحلكة، زرتها تلميذا صغيرا مع المدرسة الاعدادية، زرتها تلميذا صغيرا مع زملاء الدراسة الابتدائية، لايمكنني تعيينها الآن، أمسكت اللفافة متأثرا، حائرا، لا أعرف ما يجب أن أقدم عليه، هل أشكر ؟، هل أنطق ما لا أعهده، لم أعرف حتى ذلك الوقت تقليد الرد على الهدية بقبلة امتنان على اليد أو الرأس، ولو ألمحت به لمنعني خجلي، ما عندي أغزر مما أبديه، تطلعت إلى اللفافة ثم نظرت بعيني في مواجهتها. (أريد رأيك..) بدأت أمارس طقوس الفضى، كأن البزوغ المفاجئ ينذر بما لم أتصوره قط، الحق أنني فوجئت، فيما بعد تحدثت طويلا عن لحظة ظهور المشبك الخشبي المطعم بالصدف، نطقت الفاظا منها (الدقة)، (الذوق)، (الاختيار). دفعته إلى أعلى، نفس الوضع الذي سأنظر إليه عبره فيما تلى ذلك من فترات واجهت به الفراغ الأزرق الممتد، المبسوط فوقنا، بينما الشمس تمضي إلى أفق مبين.