تاريخ الانسان هو تاريخ الحركة والتنقل من مكان إلى مكان ثمة مدرسة من مدارس التحليل الفكري المعاصر تذهب الى أن تاريخ الانسان هو تاريخ الحركة والتنّقل الدائم من مكان الى مكان.. هى المدرسة التى تكاد تفسر تاريخ الانسان والحضارة فوق كوكب الأرض على أن الانسان حيوان متحرك وأن الحضارة هى بالدرجة الأولى نتيجة هذا (الحراك) البشري.. كيف لا.. وهى فعل بشرى يتم فوق أديم كوكب دائم الحركة كل أربع وعشرين ساعة حول الشمس.. وهى حركة تتم بدورها وفق توقيت مضبوط ونظام دقيق وفى اطار مجالات ومجّرات ذات قوانين معجزة و.. كل بأمر الخالق في فلك يسبحون. ليس صدفة إذن أن يخيل تاريخ النبوات وحوليات الرسالات بضروب الحركة.. فابراهيم عليه السلام يتحرك من مسقط رأسه فى أرض العراق ويعبر الفرات الى بيداء الشام ومنها الى أرض كنعان فى فلسطين ومن ثم يتوجه متحركا الى أرض مصر ورغم تقدم العمر يمعن فى التحرك الى غرب الجزيرة العربية فى واد غير ذى زرع عند بيت الله الحرام حيث يقيم أهله.. الزوجة الصابرة والطفل المبارك اسماعيل وديعة عند خالق الأرض فاطر السماوات.. ولا ينفك ابراهيم الخليل يتحرك الى أن يؤوب الى أهله لكى يرفع مع فتاه اسماعيل القواعد من البيت مطهرا للقاصدين من كل فج وصقع وفلاة. وليس صدفة أيضا أن يكون الخروج من أرض مصر والتنقل فى شعاب الوادى المقدس طُوى هو الحدث الأعظم فى سيرة موسى عليه السلام.. وأن تكون رحلة العائلة المقدسة التى تضم مريم البتول وابنها عيسى المسيح عليهما السلام, واحدا من الأحداث المضيئات فى تاريخ المنطقة الممتدة من فلسطين الى مصر فى مسار مبارك ما زال الناس يذكرونه فى إكبار وإجلال حتى اليوم. ولم تكن صدفة كذلك أن يبدأ سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام حياته العامة وقد التحق بالركبان الذين كانوا يتحركون ما بين بوادى الحجاز الى بساتين الشام فى رحلات تجارة وتعلّم ومشاهدات وتثقيف.. بل ان رحلة الهجرة من مكة الى المدينة كانت فى التحليل الأخير حركة ذات أبعاد استراتيجية حاكمة افضت الى تحولات جذرية فى مسار الدعوة المحمدية ونقلتها كما هو معلوم من طور الارهاص والتبشير الى مرحلة العلن والجهر والاعتزاز النضالى بالدين الجديد. الحركة والبركة ربما لهذا يصدق المثل المتواتر الذى يردده الناس يقول: إن فى الحركة.. بركة. ومن هذا المنظور الذى يربط بين الحركة والحضارة وبين التنقل وتقدم الحياة البشرية, ينظر الاقتصادى جوزيف شوسبيتر الى تاريخ الحركة.. والنقل والمواصلات فى حياة الناس بوصفه تاريخا من الثورات لا بمعنى اختلاف النظم السياسية أو تغيير الدول أو الممالك ولكن بمعنى تغير أشكال الحراك السياسى والاجتماعى فى حياة البشر حيث يبين جوزيف (فى كتابه الصادر بعنوان الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية) كيف أن الانسان ظل فى حال من السعى الدؤوب نحو حركة أسرع وأشكال أكفأ من الطاقة أو الوقود وهو ما أدى بحضارة البشر الى تنقل من مرحلة الى مرحلة الرقى مستوى وطبعا أسرع وتيرة وايقاعا.. وتعد الزحافة الخشبية الساذجة أبسط وأقدم وسيلة للحركة والانتقال ولكنها كانت أكثر الوسائل كفاءة بل ثورية, كما قد نصفها بالنسبة الى الوسيلة الأقدم والأبسط وهى اقدامنا التى طالما حملت أسلافنا الأقدمين الطيعين من مكان الى مكان سواء كانوا يمشون وئيدا أو يسرعون ركضا أو يطلقون سيقانهم للريح هربا من شبح تخايل أمام عيونهم أو انسياقا وراء اغراء مما كان يجذبهم أو كانوا يحبون. الزحافة والعجلة وليس لك أن تستهين أرجوك بحكاية هذه الزحافات التى اصطنعها أسلافنا الأوائل فى مراحل ما قبل التاريخ.. واستخدموا الحيوانات التى استأنسوها لجرها من مكان الى مكان. لقد كانت زحافات ما قبل التاريخ واسطة نقل ووسيلة حركة وآلية اتصال فى أن تحمل الرسائل والبضائع والأفراد و تنساب فوق السطوح والى الوديان وفوق الهضاب مما كان يشكل فى تلك العهود السحيفة تقدما نسبيا لا يستهان بجدواه بأى حال. فما بالك حين وفق الانسان القديم الى اختراع جذرى بل ثورى غاية فى الخطورة وهو اختراع (العجلة) التى يعدها نفر من الدارسين المؤرخين أخطر اكتشاف توصل اليه الانسان القديم, وكان مكانه بلاد ما بين النهرين أرض العراق القديم وكان زمانه نحو عام 4000 قبل الميلاد وكان من المنطقى أن تعكف البشرية بعد اختراع العجلة ومن ثم العربة البدائية الأولية على شق المسارات التى تصلح لكى تسير فيها العجلة العربة المستجدة فى حياة الناس. وهكذا عملت حضارات زاهرة فى الزمان الغابر, فى الصين وفارس على شق الطرق الرئيسية الكبرى الى أن جاء الرومان الذين وصلوا بتلك الطرق والمسالك والشعاب الى حال يقرب من الكمال التقنى من حيث التمهيد والتعبيد والادارة والتسيير والصيانة والتنظيم لدرجة يقول معها الاستاذان (بيتر براي) و(بربارا براون) ان الرومان كانوا قد أنجزوا مع حلول القرن الأول لميلاد السيد المسيح أعظم شبكة متقدمة من الطرق وأكثرها تمهيدا وتعبيدا (فى كتابهما الصادر فى نيويورك عام 1971 بعنوان (النقل عبر العصور). هكذا اكتمل للحضارة الانسانية أهم عنصرين للحركة وهما: العجلة والسِكّة. وكان على هذه الحضارة أن تنتظر نحوا من 17 قرنا بالتمام والكمال لكى تنقل فى مضمار الحركة بالذات الى طور متقدم جديد.. مع ذلك فقد ظلت تلك القرون السبعة عشر تشهد محاولات ودراسات واحلاما وتصورات بعضها كان من نتاج خيال خصب وطموح وبعضها كان يستند موضوعيا الى نظريات العلم فى مجالات الهندسة والميكانيكا.. وفى هذا السياق بالذات تلمع أسماء عربية اسلامية مثل عباس بن فرناس (ت888) وتلمع أسماء من عصر النهضة الغربى مثل ليوناردافنشى (ت 1519).. الأول راوده حلم الطيران ولو بجناحى طائر والثانى ترك ضمن وثائقه تصاميم مهندس مقتدر وصلت الى حد تخطيطات لكائن كان خرافيا فى زمان الفنان الايطالى العالم ولكن الناس فى عصرنا الراهن عرفوه باسم (الطائرة). اكتشاف البخار وحين جاءت السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر كانت البشرية فى حال من التهيؤ لاستقبال طاقة محركة جديدة مستولدة كما هو معروف من البخار وقد وضعت هذه الطاقة المستحدثة فى خدمة سفن الماء ومركبات السكة الحديد.. وهكذا دخل الى حياة الناس الغليون البخارى يمخر فى تؤدة عباب الماء.. ودخل أيضا الوابور (من كلمة فابور بخار فى لغات الفرنج) وهو القطار يدرج على بطء فوق اليابسة على قضبان فلنكات من حديد. وقد استخدمنا عامدين لفظتى التؤدة والبطء ذلك لأن الناس كانوا يسافرون فى تلك الفترة بنفس السرعة البطيئة رغم استخدامهم الباخرة أو القطارات التى كان يسافر بها بالعجلات الخفيفة والخيول النشيطة التى حاكتها كما لعلك تعرف أفلام هوليوود.. أو ركوبهم متن قطارات ستيفنسون الرائدة فى مستهل القرن التاسع عشر وكانت مكونة من عربة واحدة تنفث فى البرية دخانها الكثيف. القرن العشرون كان عصر الثورات الكبرى فى السياسة ونظم الحكم والايديولوجيات بقدر ما كان عصر التحولات الكبرى فى مضمار حركة الانسان.. كيف لا.. وقد استطاع الانسان أن يتحرك وهو ثابت فى مكانه لا يبرحه حين تمكن من بث برقية لاسلكية تحمل صوته عبر البحر المحيط.. وحين تمكن من بث رسائل وأفكار وتصورات وضحكات عبر المذياع ثم تمكن من ارسال طلعة بهية كانت أو غير ذلك فأطلقها على شكل نقاط أيونات ضوئية تستقبلها شاشة صغيرة فى جهاز سحرى اسمه التلفزيون. نفس الخطوات المتقدمة شهدها قطاع النقل.. الحركة كما نحب أن نسميه مع حلول القرن الماضي.. ففى عام 1900 للميلاد كانت البشرية قد استطاعت أن تتحرك بسرعة غير مسبوقة عبر تاريخها وصلت وقتها الى نحو 200 كيلو متر فى الساعة فى مجال النقل البرى للسلع والبشر الراكبين.. ولكن علينا ألا ننسى أن هذه الثمرات اليافعات التى حصدها مستهل القرن العشرين هى من صنع وغرس النضال العلمى والكفاح التكنولوجى طيلة القرن التاسع عشر نصفه الأخير على وجه الخصوص.. وكانت سنوات هذا النصف الأخير هى حقبة تقدم مشهود فى مجالات العلم والتقانة.. شهدت تطوير بل تثوير طاقة البخار.. وتطورت الى حيث اختراع واستخدام البرق التلغراف ولم تنته إلا بتتويج فى مجال البحث والتطوير والتطبيق تجسد ولا غرو فى اكتشاف كان مذهلا, ولعله لا يزال الى زمننا الراهن وهو الكهرباء.. وهى الطاقة الأكفأ.. والأنظف أيضا دع عنك أن القرن التاسع عشر لم يشأ أن تغرب شمسه إلا وقد تهيأ البشر لسماع أصواتهم مسجلة على اسطوانات فونوغراف توماس أديسون فى عام 1878 بل وسماع أصواتهم البشرية وقد انتقلت شخصيا ولو بين غرفة وأخرى كما فعل جراهام بل فى عام 1876 عبر جهاز النقل الصوتى البعيد الذى خلعوا اسمه المعروف التلفون وخلعنا نحن عليه اسم المسَّرة فى مجامع اللغة ولكن سرعان ما تراجعت حكاية المسرة المجمعية هذه لكى تفسح طريق الاستخدام واسعا وممهدا أمام الكلمة البسيطة والبليغة.. الهاتف.. ومن هذه الثمار ما قطفه القرن العشرون الذى جاء ليشهد توسعا مذهلا فى خطوط انتاج البواخر المدنية والحربية وفى انشاء واستخدام شبكات السكة الحديد وفى تطوير الدراجات وفى ابتكارات مشهودة فى بناء وتعبيد الطرق العادية والسريعة والسوبر سريعة وفى مقدمتها طرق الانفاق تحت الأرض التى شهدت تسيير قاطرات الأنفاق لكن القرن العشرين يتميز أساسا باثنتين من أخطر وسائل الحركة وهما: الطائرة والسيارة بكل ما نتج عنهما من آثار لم تقتصر على الجوانب المادية للحركة ولا على النواحى الميكانيكية للنقل ولكن هذه الآثار توسعت وتعمقت لتغطى حتى تاريخ الجوانب الاقتصادية الطبقية والجوانب الاجتماعية السوسيولوجية اضافة الى جوانب شتى تتعلق أساسا بفكر الانسان وثقافة الانسان وسلوك الانسان مما يؤكد موضوعيا الفكرة أو النظرية التى ذهبت اليها بعض نظريات التفسير المادى للتاريخ حين قالت ان البناء الفوقى فى المجتمع البشرى بمعنى الجانب المعنوى الذى يشمل الأفكار والطروحات النظرية والثقافات وما اليها هو الى حد كبير تعبير عن أبعاد البناء التحتى للمجتمع بمعنى النظام الاقتصادى بجوانبه المادية التى تشمل علاقات الملكية والانتاج فى ميادين الصناعة أو الزراعة أو التجارة أو النقود وما اليها. سيادة القطار من ناحية أخرى تقول واحدة من أهم نظريات النقل الحركة كما أسميناها بأن وسائط هذه الحركة يكمل بعضها بعضا من ناحية, فيما هى عرضة للمحاكاة والتقليد بين بلد وآخر من ناحية أخرى هكذا شهدت قارة أوروبا ما بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر منافسات بين انجلترا والمانيا وكانت من أكثر أقطارها تقدما فى مجال شق القنوات لزوم النقل المائي باستخدام طاقة البخار ثم انتقلت المنافسة الى حلبة النقل البرى بقطارات السكة الحديد الى حد التوسع بل والتشبع كما تقول الدراسات التي بين أيدينا وقت كتابة هذه السطور, ولدرجة أن جاء عام 1900 الميلادى ليشهد هيمنة كاملة للسكة الحديد على نظام النقل فى كل أنحاء العالم المتقدم وقتذاك (كان هذا بالمناسبة حال النقل فى بلد عربى مثل مصر وكان ذلك بفضل انشاء شبكة نقل بالسكة الحديد سبق انجازها فى وقت مبكر منذ أواخر أربعينيات القرن التاسع عشر وكان ذلك فى عصر الوالي عباس الأول الذى خلف محمد علي الكبير وقد بدأت الشبكة المصرية بخط القاهرة السويس الذى يكاد عمره الآن يصل الى 152 عاما بالتمام والكمال حتى ليعد ثانى أو ثالث خط حديدى فى العالم.. وهو بالقطع أول خط حديدى فى افريقيا والوطن العربى وربما فى حدود علمنا على مستوى العالم الثالث بأسره). ثم جاءت السيارة وفى مجال الأرقام فقد حل عام 1900 ليجد أن قطار السكة الحديد كان يستأثر بما يقرب من 90 فى المئة من حركة البشر (الركاب) ونحو 70 فى المئة من عمليات نقل وشحن السلع والبضائع فى أوروبا وأمريكا والذى حدث كما يقول أستاذ نمساوى متخصص فى هذا المجال اسمه أرنولف جروبلر فى دراسة عن تطور وسائط النقل هو أن عقد الثلاثينيات من القرن الماضى جاء ليشهد وصول شبكات السكة الحديد الى حد التشبع أو الى الحد الأقصى من حيث الحجم وقدرة الاستيعاب فى معظم البلدان الصناعية الواقفة على ضفتى المحيط الأطلسي. ولأن لكل زمان دولة ورجالاً ــ كما تعرف ــ يبدو أن لكل زمان وسائل حركة ووسائط نقل أيضا.. وهكذا جاء منتصف القرن العشرين ليشهد غروبا فى شمس قطار السكة الحديد لصالح الوافد الجديد.. رشيقا.. وبسيطا ومتهاودا فى السعر وقريبا الى حد حميم من أذواق الناس واستخدامات الناس.. وهو السيارة.. وبالأرقام أيضا: كانت أمريكا فى عام 1900 تستخدم 4 ملايين حصان لأغراض نقل البضائع والركاب (فى العربات) مقابل استخدامها 400 ألف سيارة (أقل من نصف مليون) لنفس الأغراض. ومع حلول الأربعينيات انكمش عدد الجياد الى أقل من نصف مليون فيما ارتفع عدد السيارات ليزيد على 20 مليون سيارة.. وبعدها دخلت الجياد حلبات الرياضة وحدائق الترفيه وأصبحت السيارة هى السيدة المطاعة على الطريق.. وبعدها أيضا.. بدأت المشاكل. كاتب سياسي من مصر