يبدو أن مقترحات بيل كلينتون في ربع الساعة الأخيرة من رئاسته, بشأن الحل الفلسطيني النهائي, سيكون لها تأثير طويل الأجل على أيلولة هذا الحل من وجهة النظر الأمريكية. وينصب هذا التوقع بالتحديد على الرؤية الأمريكية لمفهوم الشرعية الدولية الفلسطينية. فقد تضمنت المقترحات بلا مواربة وبشكل غير مضمر, ما يعتبر تفسيرا أمريكيا لحدود هذا المفهوم بالنسبة للقضايا أو الأبعاد الأهم في تحديد المصير الفلسطيني الحدود والأمن والأرض والمستوطنات والقدس واللاجئين وإعلان إنهاء الصراع. ومبلغ علمنا أن هذه من المرات النادرة, التي تعلن فيها واشنطن من على منبرها الرئاسي, موقفا ينطوي على تفسيرها العام لكيفية تطبيق القرارات الأممية المتعلقة بهذه القضايا, وإذا انطلقنا من كون السياسة الأمريكية تتحدد برؤى غير شخصانية, حتى لو كانت رؤى الرؤساء, وأن الأصل هو ما تقرره المؤسسات الثابتة, جاز لنا وللمعنيين استبصار مواقف الإدارات التالية لعهد كلينتون في ضوء مقترحاته وتفسيراته. تكاد ورقة كلينتون أن تتطابق والمفهوم الإسرائيلي للتسوية الفلسطينية وأهم من ذلك, أنها تتبنى المنظور الإسرائيلي لتطبيق قرارات الأمم المتحدة وفقا لهذا المفهوم. وهذا ما يبرر سرعة الترحيب بها إسرائيليا تحت شعار (نعم ولكن), وهو ما يبرر في الوقت ذاته الوجل الفلسطيني من الورقة, والترتيب في الرد عليها , فسوف يكون على الفلسطينيين, ان يرفضوا التفسير الأمريكي للشرعية الدولية التي ينادون بتنفيذها في قضيتهم. وهذا التفسير, بحسب بنود الورقة, تحييد بعد تفاوض مسبق بهدف التطبيق وليس إعادة التفاوض حول مضمونها. بصيغة أخرى, ثمة ما يوحي بأن ورقة كلينتون لم تأخذ في اعتبارها بالمرة (الرصيد التفاوضي) الشاق الذي تمخضت عنه القرارات الدولية الخاصة بالقضايا المطروحة, بل استعاضت عن ذلك بتبني التراث الإسرائيلي القانوني إزاء هذه القضايا, والمعروف أن هذا التراث يحوي تكييفات تتجافى تماما والنصوص الصريحة للقرارات الدولية الفلسطينية عموما. هناك مثلا تكييف إسرائيلي لحدود الأرض المحتلة التي ينطبق عليها القرار ,242 وتكييف ثان لمدى صلاحية قرار تقسيم فلسطين رقم 181 لسنة ,1947 وثالث لإمكانية تطبيق القرار 194 بخصوص حق العودة الفلسطيني, ورابع للموقف من عشرات القرارات الخاصة بعدم أحقية الدعاوى الإسرائيلية تجاه القدس وعدم مشروعية الاستيطان في الأراضي المحتلة عام ,1967 وقضايا فرعية أخرى كثيرة.. وليس في موروث القضية الفلسطينية بين يدي أعضاء الأسرة الدولية ولا التنظيم الدولي, على الصعيدين السياسي والقانوني, ما يؤيد جهرة هذه التكييفات الإسرائيلية, وهذا ما يدعو يقينا إلى عدم الاعتداد بها. ومع أن السياسة الأمريكية وحدها التي بدت مطولا متعاطفة مع المواقف الإسرائيلية العاصية لهذه الإدارة الدولية العامة, إلا أن واشنطن كانت حريصة على تخبئة هذه النزعة من الناحية القانونية. المراد بذلك, أن واشنطن لم تجهر يوما بقانونية أو مشروعية العصيان الإسرائيلي للقرارات الدولية. لقد دعمت السياسة الإسرائيلية بدون الاعلان عن تأييدها لهذه السياسة بالمفهوم القانوني. إذ أن تأييدا صريحا كهذا, كان يعني أن تناقض واشنطن قرارات قانونية وافقت هي ذاتها عليها في المحافل الدولية, لاسيما الأمم المتحدة. ومن تجليات صحة هذا التقرير, أن الولايات المتحدة لم تعلن تخليها عن القرارات الدولية الفلسطينية, المذكور بعضها أعلاه, رغم مساندتها للسياسات الإسرائيلية المجافية لها عمليا. بمقترحات كلينتون الأخيرة, تظهر السياسة الأمريكية نوعا من المخالفة لهذا التقليد. وربما تكون فرصة كلينتون وإدارته محدودة جدا حتى لا نقول منعدمة بشأن تمرير هذه المقترحات, على الأقل بسبب ضيق الوقت المتاح لهما. لكن المنهجية التي استقاها, سوف تصاحب الإدارات المقبلة. ومؤدى ذلك, التعبير أمريكيا على نحو مباشر عن المؤازرة القانونية, علاوة على التأييد السياسي للتفسيرات والمواقف الإسرائيلية تجاه الشرعية الدولية الفلسطينية. لقد أيد كلينتون ضم إسرائيل لثمانين في المئة من مستوطناتها في الضفة والقدس وغزة, وفسر القرار 194 بما لا يتسق وتطبيق حق العودة, وتعاطف مع المشروع التوراتي إزاء الحرم القدسي, وأتاح لإسرائيل حرية تكوين الدولة الفلسطينية على مقاس مصالحها ودعواها الأمنية والاستراتيجية.. وهو في ذلك كله, أعطى ظهره للقرارات الدولية ذات الصلة بهذه الأبعاد. ومع ذلك, ختم كلينتون مقترحاته بضرورة أن يوثق الفلسطينيون مواقفهم على إنهاء الصراع من خلال قرار يصدر عن مجلس الأمن, يعلنون فيه أنه جرى تطبيق القرارات الدولية الفلسطينية. فكأنه يدرك الأهمية أو المغزى القانوني لهذه القرارات في الوقت الذي يزدريها تماما في ورقته ! ولايمكن جدلا تفسير هذا التوجيه المزدوج من الشرعية الدولية داخل ورقة أمريكية واحدة, سوى بما أصبح معلوما عن إزدواجية المعايير الأمريكية تجاه القضايا الدولية. لاريب في أن التلاقي الأمريكي الإسرائيلي على تفسيرات واحدة معيبة للشرعية الدولية الفلسطينية, سوف يصعب مهمة السياسة الفلسطينية (العربية) الداعية لتطبيق هذه الشرعية. لكن الطريق أمام هذه الدعوة ليس مسدودا على طول الخط, فثمة مجال لإحالة القرارات الدولية ذات الصلة بالمصير الفلسطيني إلى محكمة العدل الدولية, والطلب إليها تفسير هذه القرارات وفق سوية القانون الدولي. وبوسع الجانب الفلسطيني (والعربي لامراء) التذكير بالجهود التفاوضية الدولية المضنية التي مهدت لصدور القرارات التي يراد الالتفاف عليها إسرائيليا وأمريكيا.. فقد حلق مشروع التقسيم في الأفق فيما إتخذ القرار 181 بعد عشرة أعوام, وصدر القرار 194 في ديسمبر 1948 أي بعد نحو عام من بداية تهجير الفلسطينيين بالقوة وسبعة شهور من اندلاع حرب فلسطين, وسبق صدور القرار 242 خمسة أشهر دارت خلالها معركة دبلوماسية يمكن مراجعتها في أدبيات حرب 1967. أو بعد ذلك يود الإسرائيليون والأمريكيون تفسير هذه القرارات على (هواهم) وجر كل من يعنيهم الأمر إلى معارك تفاوضية جديدة حول هذا التفسير؟! كاتب فلسطيني ــ القاهرة