في الشتاء أكثر من أي وقت آخر على إمتداد السنة, يحدث ان تزهر الذاكرة وتورق وينتشر شذاها على مد العمر كشجيرة فل تعبق في مساحة المكان والزمان معاً. ولا شيء أجمل في الشتاء من المطر, حتى أنني حين أفتح صندوق الأيام التي ذهبت في كل شتاء هلَّ ورحل, يأتيني من ثنايا تلك الأيام الشتائية الحميمة صوت أحبه لدرجة البكاء, ذلك هو عشق الحنين إلى تلك المساءات التي يهطل فيها المطر غزيراً منهمراً كأن بوابات السماء قد انفتحت عن فيضان مباغت, في تلك الليالي الباردة كانت الجدات والامهات يملأن المواقد بالفحم ويشعلنه فإذا صار جمراً ملتهبا وضعنه في وسط الحجيرات التي يتكوم فيها الصغار تحت الأغطية, يتشاكسون ويروون الحكايات العجيبة لبعضهم البعض حتى إذا تدفأوا بجمر المواقد, غفت الأحلام في المقل وراحوا في السبات الهادىء حتى الصباح. فإذا لاحت خيوط الفجر, وتسلل الضوء إلى مخادع الصغار, ودبت أقدام الكبار في المنزل, تقافز النائمون إلى الخارج يبحثون على هدايا المطر, لقد ذهب المطر مخلفا ذاكرة صباح شتائي ندي, بهي, كأنه احد صباحات الجنة التي توصف في الكتب والاساطير, وفي كل مكان من البيت مازالت قطرات المطر تنقط برتابة من الاسطح والمزاريب وتظل هكذا طيلة ذلك النهار. ومازالت ذاكرتي تحتفظ بصوت المطر وكل موسيقى الكون الهادرة معه احتفاء بمقدمه, مازال صباح اليوم التالي للمطر طازجاً شهياً بهيا في ذاكرتي, كأن ذلك المطر قد اغرق المدينة مساء الأمس, وغسل كل ازقتها, واسطح منازلها, وشبابيك بيوتها, وتراب حواريها, فالمطر يغسل كل شيء, حتى نفوس البشر وأمزجتهم واحياناً يعيد تشكيل نفسياتهم. إن المطر الذي يغسل كل شيء لا يغسل الحزن, إنه يزيد الحزن, وحين يضرب النوافذ بقوة تشعر بأن قلبك يتكسر على حبات مائه المتصارعة على الزجاج, تشعر بحزن غريب يفاجئك ويملؤك خشوعاً, كأنك ممتن لتساقط المطر, كأنك تريد ان تهبه دموعك وتنجدل معه وتغتسل به, كأنك تشعر بأن هذا الذي ينهمر من السماء انما هو دموعها التي تعلن اشتياقها للأرض! اليوم جفت الذاكرة, ما عاد الصغار يعرفون شيئا عن ذاكرة مساءات المطر والصباحات المبللة ببقاياه التي يتكسر عليها الضوء كقطع الماس, اليوم اشتاق لهذا المشهد فأبحث عنه في تلافيف الايام القديمة, وحين تغرقني الذاكرة في بللها الحميم اقول لصديقتي: أريد أياماً ماطرة انعش بها ذاكرتي التي تكاد تجف, فأين أجد ما ترسمه لي هذه الذاكرة من امكنة عابقة بالاصوات والتفاصيل والاسماء وألوان الوسائد والاغطية وأحجار المواقد وحبات الرمل, وثياب جدتي, وهدوء أبي المليء بالكبرياء والاسرار, وصوت قطرات المطر المتبقية منذ مساء الأمس؟ لقد كان المطر ذاكرة الشتاء الزاخرة بالتفاصيل الحميمة, فصار شتاؤنا بلا مطر, بلا ذاكرة مثل بعض البشر الذين سرعان ما ينسون كل شيء, ويسقطونه من حسابهم, ليس لان ذاكرتهم مثقوبة, ولكن لانهم صاروا اناساً بلا ذاكرة!!