العلاقة بين الصهيونية والنازية تبدو لأول وهلة فكرة غريبة, لوجود اتجاه عام فى الكتابات الغربية والعربية على السواء, تلح على العداء بين الصهيونية والنازية, ويتخذ هذا الاتجاه من الهولوكوست نقطة ارتكاز لبناء صورة للعلاقة بينهما بوصفهما معسكرين متصارعين دار بينهما صراع دام. وحقيقة الأمر أن تاريخ العلاقة بين الصهاينة والنازيين شهد تعاون العديد من القيادات الصهيونية مثل: ألفريد نوسيج, ومردخارى رومكوفسكى, وآدم تشرنياكوف, وحاييم وكابلان, وكورت بلومنفليد, ورودلف كاستنر, مع النظام النازى. وهو تعاون وصل الى حد الاشتراك فى التخلص من بعض اليهود فى معسكرات السخرة النازية, مقابل ترحيل يهود صهاينة إلى فلسطين. أما الصلة بين الصهونية والنازية فكانت موضوعا لدراسات عديدة, لم يكتب لها الذيوع الكافي, أثبتت أن ثمة تشابها بنيويا كبيرا بين الفكرتين. ومن الأعمال المهمة التى تناولت هذه العلاقة رواية مثيرة للروائى اليهودى البريطانى جورج ستاينر الأستاذ بجامعتى كمبردج وجنيف, الرواية تحمل اسم: (أ.هـ إلى كريستوبال) والحرفان : أ.هـ هما الحرفان الأولان من اسم أدولف هتلر, أما كريستوبال فهي مدينة برازيلية. وقد بنى ستاينر روايته على شائعة مفادها أن هتلر لم ينتحر بل هرب إلى أمريكا اللاتينية, وحسب خيال ستاينر فإن مجموعة من الصهاينة الإسرائيليين والأوروبيين وصلوا الى مخبأ هتلر واختطفوه بعد قتل حارسيه ونقلوه الى مدينة كريستوبال البرازيلية. المفاجأة ا لكبرى فى الرواية ما أورده المؤلف على لسان هتلر فى معرض دفاعه عن نفسه عند محاكمته, اذ قال مانصه: (لم يكن الجنس المتفوق من بنات أحلام أدولف هتلر الذى كان يحلم باستعباد الشعوب الأدنى, أكاذيب.. أكاذيب.. لقد تعلمت قوتكم الخفية هناك.. تعاليمكم. أنت شعب مختار. شعب اختاره الله لنفسه). ثم يقتبس هتلر من العهد القديم, ويشير خصوصا الى بطولات يشوع بن نون, ويصف العهد القديم بأنه كتاب تفوح منه رائحة الدم, ثم يقول: (لقد تعلمت أن أى شعب يجب أن يكون مختارا حتى يحقق مصيره). ثم بين هتلر أن ما فعله قوبل بترحيب أوروبي خفي ثم قال : (أنا لم أخلق القبح, ولم أكن أسوأ القبحاء.. كم عدد التعساء الذين قتلهم أصدقاؤكم البلجيك في الغابات؟.. عشرون مليونا, وهذه النزهة الخلوية كانت قد بدأت وأنا بعد صبي صغير. فى لعبة الأرقام ليست أسوأ اللاعبين). وأخطر ماأورده المؤلف على لسان هتلر حديثه عن كتاب ( الدولة اليهودية) لتيودور هرتزل وعن الكيان الصهيونى إذ يقول: (هذا الكتاب الغريب المسمى (الدولة اليهودية) قرأته بعناية بالغة. إن كلماته جاءت من أعماق بسمارك.. إني أتفق معكم أنه كتاب ذكي صاغ الصهيونية على شاكلة الأمة الألمانية الجديدة. ولكن من خلق إسرائيل فى واقع الأمر: هرتزل أم أنا؟.. هل كان من الممكن أن تصبح فلسطين اسرائيل ودون مذبحة الابادة التى قمت بها؟ إن مذبحتى هي التي أعطتكم شجاعة الظلم التى جعلتكم تطردون العربي من منزله وحقله, لأنه كان يقف فى طريقكم). وفى ختام مرافعته يقول هتلر: (أيها السادة أعضاء المحكمة. لقد أخذت عقائدي منكم.. إن الرايخ الثالث هو الذى ولد اسرائيل.. هذه كلماتي الأخيرة). إن هذه الرواية التى لم تحدث ضجة كبيرة عند صدورها, أصبحت بتحولها الى مسرحية تعرض على مسارح لندن حديث الناس. وهي رواية انسانية ذات عمق فلسفي. وفوق ذلك شهادة يهودية مهمة تفضح عمق الصلات بين الصهيونية والنازية. وقد تحولت محاكمة هتلر فيها الى محاكمة للصهيونية ووليدها السفاح: الكيان الصهيوني. كاتب مصري