(السلطة مفسدة, والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة).. هكذا قالت الحكمة الموروثة, وهكذا أكدت وقائع التاريخ وأحداث السياسة في العالم. فكيف تكون السلطة مفسدة أو مفسدة مطلقة؟, هل العيب فيها, أم فيمن يتولونها, أم فيمن يخضعون لها؟.. ان أطراف المعادلة يمكن اختصارها في ثلاثة عناصر: الحاكم والمحكوم والقانون, أو السلطة والشعب والدستور, ولابد أن فيروس الفساد يكمن في أحد هذه العناصر, أو في بعضها, أو فيها كلها, وشأن كل فيروس لابد أن هناك امكانية التطعيم الوقائي منه, وامكانية علاج المرض الناتج عنه, شريطة عزل هذا الفيروس وتحديد المضاد الفعال له. أما الحاكم (السلطة) فهو نتاج أداة قانونية أو ينبغي أن يكون كذلك حتى في حالة وصوله للحكم على ظهر دبابة, حيث أن الاداة القانونية في الحالة الأخيرة هي ما يسمى (الشرعية الثورية) فالحاكم الذي يحكم بانقلاب عسكري, يتقدم في الغالب بمشروعه الانقلابي وبرنامج عمل اصلاحي لتعديل الوضع السابق على الانقلاب, ويكون هذا المشروع بمثابة العقد ما بينه وبين المحكومين, يماثل برنامج الحزب الذي يصل الى الحكم عن طريق صندوق الانتخابات, مع فارق جوهري هو أن الأول يعكس ارادة فردية, بينما الثاني يعكس ارادة جماعية أو الأغلبية على الأقل. ولأغراض هذا المقال, سوف نستبعد الحاكم الانقلابي, لكون هذه الظاهرة استثنائية وفي طريقها للشحوب والزوال, ونركز على الحاكم (أو السلطة) التي تحكم عن طريق صندوق الانتخابات, فهذا الحاكم لا يملك سلطة مطلقة, بل هو مقيد بأحبال عديدة, أهمها البرلمان والقضاء, وكذلك وسائل الاعلام, وبرنامجه الانتخابي, فكيف يمكن لفيروس الفساد أن يتسلل الى حاكم مربوط بهذا الشكل؟!.. لقد وصل أدولف هتلر الى موقعه من خلال صندوق الانتخابات في المانيا ببرنامج واضح لم يخفه, وتوجه صريح لم يحد عنه, أي أنه التزم ببرنامجه (ويكفي قراءة كتابه كفاحي للتأكيد على ذلك), وكان هناك البرلمان (الرايشتساغ), والقضاء, والصحافة.. أي كل الأحبال الشرعية المقيدة, ومع ذلك فقد انطبقت عليه وعلى سلطته صفة الفساد, فمن أين تسلل الفيروس في هذه الحالة؟.. هناك نظريات كثيرة, أبرزها مقدرة هتلر الشخصية في الخطابة وإستثارة مشاعر الجماهير, واستخدامه الجيد لوسائل الاعلام المقروءة والمسموعة, ووجود جهاز قادر للدعاية, بشكل يسر له السيطرة على الوعي الجمعي للشعب الألماني خلال تلك الحقبة, بحيث انساق وراءه دون إدراك لمدى تغلغل فيروس الفساد, إلا أن ما ينقض هذه النظرية هو أن ذلك الشعب لم يكن شعبا جاهلا متخلفا, بل كان على درجة كبيرة من الوعي والثقافة السياسية, ذا تجربة واسعة في النظام الديمقراطي. وتذهب نظرية أخرى الى أن أسلوب الحكم البوليسي المرعب هو الذي مكن لهتلر السيطرة, وحول الشعب الألماني العظيم الى قطيع خانع خاضع يساق الى حتفه دون ارادة أو مقدرة على التغيير, إلا أن ذلك لا يتفق بدوره مع نضج الشعب الألماني خلال تلك الحقبة, وحقيقة أن السلطة مهما تسلحت بأساليب الترهيب والرعب, هي في النهاية أقلية في مواجهة جموع الشعب التي يمكنها إن شاءت أن تكتسح كل أدوات النظام البوليسية (وهو ما حدث مثلا لنظام الشاه في ايران), وبالتالي لا تصمد هذه النظرية, أو على الأقل لا تصمد وحدها كتفسير لتغلغل فيروس الفساد في سلطة الرايخ الثالث. وتجمع نظرية ثالثة بين النظريتين السابقتين وتضيف اليهما المهانة والاذلال اللذين كان يعاني منهما الشعب الألماني بعد هزيمته في الحرب العالمية الأولى, بحيث أصبح النموذج الهتلري بمثابة استعادة الشموخ والكرامة الوطنية, بالشكل الذي يسر تضليل الجموع, وبرر الاجراءات البوليسية التي اتخذتها السلطة كوسيلة مقبولة للحفاظ على أمن النظام من أعداء يحدقون بالوطن من كل اتجاه.. وربما يكون ذلك مقبولا كتشخيص للحالة التاريخية التي عاشتها المانيا, ولكنه لا يزال من الصعب قبوله كتفسير وحيد وقاطع لتسرب الفساد الى سلطة الرايخ الثالث. وهناك من يرى أن تلك السلطة لم تكن فاسدة, وإنما أفسدت, أو بمعنى آخر أنها لم تكن بطبيعتها فاسدة, ولكن طرأ عليها الفساد نتيجة لأسباب محلية ودولية, أما أسبابها المحلية فهي بعض ما سبق إيراده, بينما تتلخص الأسباب الدولية في الغرور الاستعماري الذي أدى بالمنتصرين في الحرب العالمية الأولى الى الإمعان في إذلال المانيا الى درجة تطلع شعبها الى أي مخلص أو منقذ من هذا الهوان, حتى إذا كان الثمن قبول هوان محلي, ومن ناحية أخرى يرى هذا الرأي أن عدم انتباه المجتمع الدولي لخطورة النظام الحاكم في ألمانيا, وغفلة هذا المجتمع التي أدت به الى مسايرة هذا النظام هي التي أضافت الى استفحال المرض وانتشاره. وهذا الرأي الأخير له وجاهته, إذ يجمع بين عناصر محلية ودولية, وينبه الى وجود بعد دولي في مسألة الفساد والإفساد, إلا أنه بنفيه وجود الفساد في السلطة نفسها أي كجزء من طبيعتها يتناقض مع الافتراض الأساسي الذي يقول بأن (السلطة مفسدة, والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة), لأن صفة الفساد هنا لصيقة بالسلطة ذاتها, أو ناتجة عنها. إن قراءة تاريخ الحاكم نفسه (هتلر) وثقافته السياسية, أوضحت بشكل لا يقبل الشك أنه لم يمكن متوازنا, وذلك الجانب لم يتضح إلا بعد الأحداث الجسيمة التي عاشتها المانيا والعالم وإتاحة الفرصة لمئات الباحثين لقراءة وثائق تلك الفترة, فقبل هذه الأحداث لم يكن هتلر في الظاهر سوى زعيم وطني مفرط الوطنية, يدغدغ مشاعر مواطنيه بما يحبون أن يسمعوه الشيء الذي أكسبه شعبية جارفة, وذلك أمر لاغبار عليه, فكل سياسي يسعى الى السلطة لا يفعل إلا ذلك على وجه اليقين, فليس مطلوبا من الجماهير أن يتحولوا الى أطباء نفسيين ومحللين سياسيين لقراءة أعماق وأفكار السياسيين, وظني أن بعض الخلل يكمن في ذلك العنصر الهام, فالسلطة أية سلطة ليست أمرا مجردا, وإنما هي أداة متاحة لبشر, وأولئك عبارة عن نفوس مغلقة, ووعاء لمجموعة من المعلومات والثقافات, وتلك يختلف استقبال كل انسان لها, كما يختلف وهو الأهم في كيفية استخدامه لها, فضلا عن ذلك فإن هؤلاء البشر الذين يتقلدون السلطة هم أبناء ظروفهم الشخصية والبيئية والسياسية, وهذا التنوع الهائل يختفي في أغلبه عن الجماهير, وقد لا يدركه الحاكم نفسه حيث يكمن في لا وعيه ويؤثر على تصرفاته وقراراته, وكسياسي يكون بقدر براعته حريصا وربما بشكل غير واع مرة أخرى على إخفاء ما يشير الى جوانبه السلبية. ثم تلعب الامكانيات الواسعة التي تتيحها السلطة دورها في الافساد, فالحاكم بالشكل الذي أوضحناه يجد بين يديه مفاتيح قوة متعددة, ومن حوله مجموعة من المستشارين والأعوان تضخم في هذه القوة, وتعزله تدريجيا عن الاتصال بالواقع, حتى يصبح هو والسلطة شيئا واحدا, وحين تدور رأسه تماما يكون من السهل أن تتسلل منها تلك العورات التي حرص على اخفائها, حيث لم تعد في ظل ذات متضخمة عورات على الإطلاق, بل ربما زين له المحيطون أنها مميزات لا تتوفر لأحد سواه. ولكن أين باقي أطراف المعادلة؟ أين الشعب, أين البرلمان؟ أين الدستور؟ أين الاعلام؟ كيف يسمحون للفيروس بالتمكن دون مقاومة أو اعتراض؟.. من الممكن أن يكون للحاكم أغلبية برلمانية معاضدة, مستفيدة, تبارك هذا الوضع وتشجع استمراره, بل ويمكنها تغيير مواد الدستور نفسه وسن ما تشاء من قوانين لترسيخ سيطرة الحاكم وفساد سلطته, وبالتالي يمكن وبشكل شرعي تماما حصار ومطاردة أي صوت معترض من الشعب أو الاعلام, ولاشك أن هذا الوضع هو أكثر الأوضاع مناسبة لسلطة مطلقة ومفسدة مطلقة. من الممكن أيضا أن تكون ظروف المحكومين عاملا مساعدا, سواء لأوضاع اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية متخلفة, أو لتردي الوعي السياسي لديهم وفساد النخب المثقفة. كذلك يمكن أن تكون الاداة القانونية نفسها (الدستور) قاصرة, تضع في يد الحاكم سلطات مطلقة أو شبه مطلقة, وهي لا تكون كذلك إلا نتيجة لظروف المحكومين أيضا ودرجة نضجهم السياسي, أي أنها تابعة للعامل السابق. وأخيرا قد يكون الاعلام كضابط مضبوطا أو مسيطرا عليه, سواء بملكية السلطة المباشرة لوسائل الاعلام أو بامتلاكها لأدوات قانونية وغير قانونية تجبر بها الاعلام على الخضوع, ومسايرة تيار السلطة أيا كان هذا التيار. أظن أننا الآن على أهبة الامساك ببعض خصائص فيروس السلطة, فهو نتاج لبعض أو كل ما سبق الإشارة اليه, وأهم أمصاله الوقائية المضمونة هي (الوثيقة المنشئة) أو (الدستور) الذي يجب أن يحدد بدقة حدود سلطات الدولة المختلفة (التنفيذية والتشريعية والقضائية), والأهم من ذلك أن يحقق مبدأ تداول السلطة من خلال قيود زمنية وأدوات قانونية واضحة, وبشكل يحول دون تعول إحدى السلطات على السلطات الأخرى, فذلك يحقق قدرا معقولا وإن كان غير كافيا من الحماية لعدم الوقوع فريسة لنفسية مريضة أو نفسية سليمة تفسدها السلطة, إلا أن ذلك وحده لا يمثل كل جرعات المصل الوقائي, حيث أن جرعة أهم تتمثل في حرية وسائل الاعلام وحرية التعبير وحرية انشاء الأحزاب السياسية, فهذه الجرعة تمثل كرات الدم الحمراء المتحفزة على الدوام لمواجهة الفيروس الفاتك, كما أنها بمثابة جامعة مفتوحة يتعلم فيها الشعب وينضج وعيه السياسي الذي يعتبر الدرع الواقي لصحة المجتمع وسلامة السلطة. كاتب مصري