قامت التوراة بدور الحضانة, ومن ثم المفرخة المستمرة للصهيونية كأيديولوجية لشتات وجماعات وطوائف اليهود المنتشرة في أرجاء المسكونة بغرض إقامة وطن أرض الميعاد حسب وعد الله لهم ولما كان هؤلاء اليهود هم شعب الله المختار حسبما جاء ذكره في التوراة نجدنا أمام حالة تمايز بشر عن بشر, فهم فقط شعب الله المختار من كل المؤمنين في العالم, وهم شعب الله المختار من كافة الشعوب السامية, لذا فنحن أمام ثقافة سياسية ممتدة منذ آلاف السنين تغذيها التوراة حتى الآن, بل تعلم دروسها عبر المدارس الدينية وغير الدينية وفي كافة مؤسسات الدولة الصهيونية حتى الآن. لقد طبعت التوراة شخصية الشعب والمواطن الإسرائيلي على السواء. فالتوراة كتاب مقدس! ونزل على شعب مقدس! وكل قادة الشعب في عصور ما قبل الدولة مقدسين! وحروبهم مع أصحاب الأرض الفلسطينية والعربية مقدسة حتى ولو كانت عدواناً! وقد أكد ذلك د. رشاد الشامي في كتابه الهام (الشخصية اليهودية الإسرائيلية والروح العدوانية) عندما كتب في صفحة 171 ما نصه: (هذه النصوص التوراتية التي تغذي الوجدان الإسرائيلي بمبررات العنف والقسوة والوحشية الحيوانية تدرس في المدارس الإسرائيلية دون أن تحظى بأي معالجة نقدية تذكر). لذا لم يكن غريباً أن تكون مذبحة قانا ومن قبلها دير ياسين هما امتداد لمذبحة أريحا على يد يوشع بن نون - بطل التوراة حسب قول بن جوريون. إذن نحن إما سلوك ناتج عن نص مقدس وشعب مقدس وسلوك مقدس أيضاً! ذلك هو جوهر الثقافة السياسية السائدة لدى التجمع الإسرائيلي على أرض فلسطين. وحتى تستكمل دائرة القداسة لابد من تناول اللغة العبرية, فهي أيضاً لغة مقدسة حسب الرأي السائد عند اليهود وعند الحركة الصهيونية ومن هنا كان الحفاظ على الأبجدية العبرية في المعابد والكنس في فترات طويلة من زمن الشتات عاملاً فاعلاً في الحفاظ عليها, بل إن كتابة اللهجات واللغات الأخرى مثلما حدث في اللاديتو واليديش بالأبجدية العبرية حافظ عليها كأداة للتواصل والانعتاق والتعبير عن الشخصية اليهودية. والعبرية لغة من مجموعة (اللغات السامية), وقد جاءت نظرية اللغات السامية من التسمية التي أطلقها (شلوتسر) على العرب والفينيقيين والعبرانيين ومجمل الشعوب المذكورة في التوراة على أنها من نسل (سام بن نوح) والقرابة بين اللغات السامية وثيقة جداً, وقد أدرك ذلك كثير من مستشرقي القرن السابع عشر, كما أدركه كثير من العلماء قبلهم بمئات من السنين, كان من بينهم عالم يهودي (يهودا بن قريش) وهو من الذين عاشوا في القرن العاشر. وقد أشار هذا العالم لوشائج القرابة التي تجمع بين اللغات السامية وبين الخصائص اللغوية العديدة المشتركة بين تلك الألسن. وقد دفعت تلك الخصائص المشتركة بعض العلماء للحديث عن وجود لغة أم في الأيام القديمة تولدت منها بعد تفاعلات كثيفة وأزمان مديدة مجموعة اللغات السامية. وبما أنه من غير الممكن التعرف على اللغة السامية الأم حيث أن الكتابة لم تكن معروفة في ذلك العهد , درس المستشرقون أقرب اللغات السامية إلى الأصل, كما يذكر د. جواد علي في مؤلفه الموسوعي (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام). من ذلك الدرس تم ملاحظة أوجه الشبه الظاهرة بين البالية والكنعانية والعبرانية والفينيقية والآرامية والعربية والحبشية والنبطية واللهجات العربية الجنوبية, فهي تشترك في أمور أصلية وأساسية من جوهر اللغة (جذور الأفعال أصول التصريف زمن الفعل أصول المفردات والضمائر والأسماء تصريف الأفعال .. الخ). ورغم القدم الموغل في التاريخ الإنساني لتلك اللغات السامية فلابد أن نؤكد على أنه ليس هناك لغة واحدة تستطيع أن تدعي أنها سامية صافية ونقية خالية من فعل الناس على الأرض عبر الأزمان. بل دائماً ما كانت تتأثر تلك اللغات بمجموعات لغوية أخرى غير سامية وذلك بسبب اختلاط الشعوب واتصال الألسنة. والعبرية هي إحدى اللغات السامية المتفرعة من الشجرة الكنعانية التي تعددت في التعبير عن الجماعات التي هاجرت من أهل الجزيرة العربية إلى الهلال الخصيب. وقد ورد ذكر كنعان في رسائل العمارنة التي تعود إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد, وكانت تطلق على القسم الجنوبي من بلاد الشرق الحاوية لأرض فلسطين والتي استولى عليها تحتمس الثالث في القرن الخامس عشر قبل الميلاد. وكنعان هي نفس التسمية التي وردت في التوراة وذلك نسبة إلى كنعان بن حام بن نوح, ويؤكد (الدكتور كلود شافر) بالاستناد إلى لوحات تل العمارنة, وإلى وثائق (رأس شمر) المكتشفة حديثاً ما ذهبت إليه التوراة في تحديد حدود كنعان (ثبت لنا أن بلاد كنعان بين شواطئ المتوسط الشرقية, وصحراء سوريا اتسعت في الجنوب من فلسطين الجنوبية إلى أوجاريت (رأس الشمرة قرب اللاذقية) وفي الشمال استعمر الكنعانيون سهول دانوفا (أدنة) الخصبة). ومن المعروف أن أهل كنعان كانوا يتحدثون لغة هي بالتأكيد أقرب إلى اللغة السامية الأم (أي اللغة العربية البائدة) وبعد أن توزعت أرض كنعان بين الكنعانيين والفلسطينيين والعبريين, ظلت اللغة الكنعانية هي السائدة. لذا فمنذ فجر التاريخ المكتوب, أي منذ خمسة آلاف عام, لم تعرف فلسطين حتى عهد الانتداب البريطاني سنة ,1920 سوى لغات ثلاث: الكنعانية أولاً, والآرامية ثانياً (لغة السيد المسيح), والعربية ثالثاً, كما تؤكد د. بيان نويهض الحوت في كتابها الهام عن (فلسطين: القضية. الشعب. الحضارة). ومن هنا فإن أعظم عمل قدمه الكنعانيون للحضارة هو اختراعهم الأبجدية الهجائية, ويتفق حول ذلك كثير من الباحثين, وقد نقلها الآراميون فيما بعد إلى آسيا حتى الهند, كما نقلها الفينيقيون إلى أوروبا, وعن ذلك يقول العلامة الألماني الدكتور مورتكات في وصف الكنعانيين, حسبما جاء في ص112 من كتاب (العرب واليهود في التاريخ) للدكتور أحمد سوسة: (إننا نعلم من خلال الحفريات التي أجريت في جبيل (بيبلوس القديمة) في وسط ساحل بلاد الشام, وبالاستناد إلى المراسلات الملكية في مدينة ماري, ومن موجودات الطبقات السفلى في تل العطشانة بالقرب من إنطاكية أن أناساً عرباً غربيين قد قطنوا بلاد الشام على الأقل منذ نهاية الألف الثالثة قبل الميلاد, وأن هؤلاء كانوا على قرابة مع تلك الفئة العربية التي حكمت بلاد ما بين النهرين منذ سلالة (حمورابي) و(أما من ناحية التسمية الخاصة فتطلق على هؤلاء العرب في بلاد الشام اسم الكنعانيين, ولغتهم يجب أن تكون نفس اللغة التي اقتبسها أولئك اليهود). بعد هذا الانتشار الكنعاني والعموري, تدافعت هجرات عربية متعددة, تسمت بالآراميين نسبة إلى أرام بن سام بن نوح, واستقر الآراميون في منطقة الفرات الأوسط في أواخر الألف الثالثة قبل الميلاد, وقد اقتبسوا الكثير من العموريين والكنعانيين ومن الحضارات التي جاوروها على مستوى الحياة والحضارة واللغة بمفرداتها. وقد ساعد الموقع الذي أقام فيه الآراميين, في توسيع تجارتهم ونشر لغتهم (اللغة الآرامية المولودة من الكنعانية) والتي بقيت دهوراً طوالاً اللغة الرسمية والتجارية للأمم الحية في القرون الأولى قبل الميلاد في بابل وأشور وفارس ومصر وفلسطين, كما كانت الآرامية لغة المسيح واللغة التي كتب بها الإنجيل وظلت تلك اللغة حتى الفتح العربي في القرن السابع بعد الميلادي وهي إحدى اللغات السامية وأقربها إلى العبرية, وبمرور الزمن انقسمت الآرامية إلى عدة لهجات يمكن حصرها في فرعين: الفرع الشرقي في وادي الفرات حيث سادت اللهجة المندائية والسريانية ولهجة الحضر, أما الفرع الغربي فقد سادت فيه آرامية التوراة والإنجيل واللهجات الآرامية في حماة وتدمر وبلاد النبط. ومن الآرامية تولدت بعد أزمان طويلة اليونانية والبهلوية والأرمنية والعبرية. ومن هنا فالعبرية هي إحدى اللغات السامية من المجموعة الكنعانية, كما يقول د. عبد الوهاب المسيري في ص226 من موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية. وعمر العبرية كلغة ليس بعميق, حيث إنها لم تظهر كلغة مستقلة إلا حوالي عام 14 قبل الميلاد, وأول النصوص المعروفة بهذه اللغة يرجع تاريخها إلى سنة 1200 قبل الميلاد, وقد ظل العبرانيون يتحدثون بها حتى السبي البابلي في 856 قبل الميلاد, ثم أخذت موضعها بعد ذلك في دوائر الحاخامات وأماكن العبادات والكتب الدينية المقدسة مثل (المشناه الهالاخاه المدراش). هكذا تبلورت العبرية في القرن الثاني قبل الميلاد, وتميزت كلغة في القرن الخامس الميلادي, وهكذا نستطيع أن نقسم مسيرة اللغة المواكبة لحياة اليهود إلى ثلاث مراحل رئيسية: عصر النبي إبراهيم ويرجع تاريخه إلى القرن 19 قبل الميلاد, ولغة هذا العصر كانت الآرامية من الأسرة الكنعانية. عصر النبي موسى ويرجع تاريخه إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد, ولغة هذا العصر اللغة المصرية والكنعانية. عصر اليهود ويرجع تاريخه إلى القرن السادس قبل الميلاد, ولغة هذا العصر السائدة الآرامية والعبرية. وعن ذلك يقول جودت السعد في كتابه (أوهام التاريخ اليهودي) : (أول الكتابات التي يمكن نسبتها لليهود هي المخطوطات على المسكوكات اليهودية من 135 قبل الميلاد إلى 132ــ 135 ميلادي في وقت كانت فيه اللغة العبرية تنمو). كما يؤكد الباحث الإسرائيلي (موشيه دافيد كاسوطو) أن اللغة العبرية ليست سوى لهجة انفصلت عن (الجذع الكنعاني .. وهذه الفريضة لا يمكن دحضها). ولما كانت الآرامية هي بمثابة الأب عن الجد الكنعاني, كان من الطبيعي أن تنقل العبرية عبر الكتاب اليهود الأوائل الأحرف الآرامية البالغة (22) حرفاً والتي اعتبروها الأحرف العبرية, كما نقلوا طريقة كتابتها من اليمين إلى الشمال مثلما كانت تكتب الآرامية. وهكذا نستطيع أن نوجز تطور مسيرة الخط العبري عبر ثلاث مراحل: الخط المربع (الآرامي) وهو الذي استخدم في الطباعة القديمة. الخط الرباني المستخدم من قبل رجال الدين في العصور الوسطى. الخط الطباعي المتصل والمتأثر بالخط البولندي والأماني والمختلط باللهجات التي سادت السفارديم والأشكيناز, وهو الشكل الآن للخط العبري. وما يهمنا أن نؤكد عليه من تتبع مسيرة تلك اللغة التي انبثقت من لغة سبقتها, وتفاعلت مع لغات عاصرتها وأحاطت بها, إن اللغة العبرية قد استمدت بناء على ذلك نحو ثلث مفرداتها من اللغة العربية الحديثة والثلث الثاني من الآرامية (اللغة العربية القديمة), والثلث الأخير مفردات أوروبية حديثة من الإنجليزية والألمانية والفرنسية والروسية (حسبما عاش اليهود في الشتات). ويهمنا أيضاً أن نؤكد على اختلاط العبرية بلهجات ولغات أخرى في مناطق جغرافية متعددة, فنجد السفارديم الذي عاش أسلافهم في أسبانيا في القرون الوسطى, وبعدما تم طردهم منها عام 1492 أقاموا في فرنسا وهولندا وإنجلترا واليونان وتركيا وما وراء البحار (أمريكا واستراليا) وكانت لغتهم هي الـ (لادينو) وهي لغة أسبانيا في القرون الوسطى ممزوجة بعبارات عبرية ومكتوبة بأحرف عبرية (آرامية الأصل). أما الأشكيناز الذين عاش أسلافهم في ألمانيا في العصور الوسطى وكانوا يتكلمون لغة اليديش وهي لغة ألمانية قديمة تحتوي على بعض التعبيرات العبرية وتكتب بأحرف عبرية, وظلوا يتكلمونها حتى نهاية القرن التاسع عشر. بالإضافة إلى ذلك كان هناك يهود الأندلس الذين تحدثوا بالعبرية اليهودية, أي العربية المطعمة بالعبرية. إذن لم تكن العبرية لغة اليهود إلا فترة وجيزة من تاريخ العبرانيين في فلسطين, أما بالنسبة للأقليات اليهودية في أرجاء المسكونة فقد كانت عاداتها اللغوية تختلف باختلاف الزمان والمكان إلا إنها حافظت في معظمها على الأبجدية العبرية وعلى العبرية في المعابد وبين رجال الدين. ومن هنا أخذت العبرية سمات القداسة التي أعطتها قوة تأثير هائلة في الجمهور اليهودي مثل التوراة تقريباً فهي اللغة السامية التي صاحبت اليهود على أرض فلسطين قبل السبي البابلي, وهي اللغة التي عاشت معهم في الشتات عبر الصلوات والكتابات, وهي اللغة التي طعمت بها لهجات ولغات أخرى عاش اليهود ناطقين بها في مناطق كثيرة مثل اللادينو واليديشية, وهي اللغة التي كتب بها بعض مبدعي يهود الشتات أدبهم مثل الأديب اليهودي الروسي تشرنحوفسكي, كما كانت هي اللغة التي كتبت بها بعض الكتب الدينية المقدسة مثل المشناه والهالاخاه والمدراش. ومن هنا حافظ يهود الجيتو على قداسة الأبجدية العبرية في اعتقادهم ورغم حديثهم بها إلا أنهم أصروا على كتابة اليديشية بالأبجدية العبرية, كما أنهم منعوا أطفالهم من الدراسة في مدارس الأغيار (الجوييم) لأن التصور الذي كان سائداً بينهم أن اليهودي الذي ينظر إلى أبجدية غير العبرية تحرق عيونه يوم القيامة (حسب ما جاء تحت لفظة عبرية في موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية للدكتور عبد الوهاب المسيري). وعندما حاول المفكر الصهيوني (بن يهودا) رائد إحياء اللغة العبرية الحديثة, وصاحب القاموس العبري القديم والحديث, التأكيد على الطابع القومي للعبرية قوبلت تلك المحاولات من بعض المتدينين اليهود باستهجان ومقاومة لاعتقادهم بأن العبرية لغة مقدسة لابد أن تكون بعيدة عن رجل الشارع واستعمالاته الحياتية إلا أن يهودا كان يرى أن العبرية لغة مقدسة لذلك فهي القادرة على تجميع الشتات والتعبير عن الشخصية القومية لليهود. لذا فهي اللغة القومية. وقد أعيد بعث اللغة العبرية في الحديث على يد مفكري حركة الاستنارة (الهسكالاه). كما أدركها رائدها الروحي موسى مندلسون باعتبارها حركة إحياء ثقافي يهودي في القلب منها إحياء اللغة العبرية باعتبارها لغة التراث اليهودي الأصلي. لذلك أصدر مجلة لنشر الثقافة العالمية بالعبرية, وفي عام 1856 ظهرت أول جريدة بالعبرية, وفي عام 1858 حتى عام 1923 عمل اليعازر بن يهودا من أجل تخليص العبرية من الشوائب, وهو القائل (بأن إحياء اللغة لا يتم إلا بعد إحياء الأمة) وهو القائل أيضاً (لو لم أكن مؤمناً بخلاص الشعب اليهودي لاعتبرت اللغة عائقاً لا فائدة لها) وأخيراً يجمل رأيه في الآتي (حياة إسرائيل في روحها, وهذه الروح موجودة فقط في التوراة, ولا يمكن التعبير عن هذه التوراة إلا بلغة الناس نفسها, لذا إذا تخلينا عن لغتنا يعني إننا تخلينا عن روحنا وبالتالي حكم علينا بالموت). إذن نحن أمام مواقف متعددة ومتنوعة إلا أنها تصب كلها في إعطاء كل الأهمية للغة العبرية, فهناك من رآها لغة مقدسة لابد من حفظها في أماكن وكتب العبادة, وهناك من رآها لغة مقدسة لابد من تطعيم لغة الحياة بها عن طريق استخدام الأبجدية, وهناك من رأى إنها لغة مقدسة فلابد أن تكون رباط الشعب اليهودي واللغة القومية له. الكل حافظ على دور لهذه اللغة, وقد استمدت تلك اللغة من قداستها المرغوبة سنداً قوياً في استمرارها والحفاظ عليها والتعبير عن طريقها عن اليهود ومشروعهم الصهيوني, لذا كان طبيعياً أن يكون بن جوريون من دعاة بعث اللغة العبرية وإهمال اليديشية, وأن تعمل دولة إسرائيل منذ تأسيسها على تشييد منهج لتدريس اللغة العبرية على الأجيال الجديدة منذ التحاقهم بالتعليم الابتدائي وما قبله, كما عملت على تشييد برنامج مزمن لتدريس اللغة بالنسبة لليهود الصهاينة القادمين من بلاد العالم المختلفة ليستوطنوا فلسطين. من هنا كانت اللغة بمثابة الرباط القومي في بناء الدولة, كما كانت بمثابة الرباط المقدس فيما قبل الدولة. لذا فقد لعبت التوراة دوراً محورياً في بعث وإحياء الحركة الصهيونية الاستيطانية على أرض فلسطين, وذلك عبر توظيفها في التعبير عن الهوية اليهودية, وعبر توظيفها في التعبير عن جوانبها العنصرية. وقد جاء كل ذلك متضافراً مع مرحلة ما بعد العصر الصناعي والرأسمالية في طورها الاستعماري الباحثة عن أسواق جديدة, لذا كانت التوراة هي الحضانة الطبيعية للصهيونية والعنصرية, كما كانت اللغة العبرية هي بمثابة الرباط المقدس ــ حسب اعتقاد اليهود لهذه الدعوة ولهذا الشعب. وقد ساعدت عوامل أخرى كثيرة في الحفاظ على ذلك الفاعل المحوري ذي الأبعاد المتكاملة (التوراة) كان منها الجيتو اليهودي الذي حافظ على كل الموروث اليهودي عبر الأزمان والعصور. من هنا ظل الدين اليهودي لفترة طويلة منذ القرن الثاني قبل الميلاد وحتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي بمثابة العامل الرئيسي في توجيه الحياة اليهودية لدرجة أن المؤرخ اليهودي (إسحاق بير) يقول في هذا الشأن: (بالرغم من أنه كان للدين في تاريخ اليونان والرومان, وفي تاريخ أوروبا في القرون الوسطى تأثير حاسم, فإنك لتجد لدى هذه الأمم, مع ذلك فصولاً في السياسة والأدب لا دخل للدين فيها. أما عندنا فإنك لا تكاد تجد مثل هذين الميدانين في الزمن القديم إلى عشية عصر التنوير). من هنا كانت التوراة فاعلاً ذا أبعاد متعددة, وكانت العبرية بصورة ما لغة مقدسة والحفاظ عليها حفاظ على هوية وموروث مقدس. وقد ساهمت تلك العوامل (التوراة الصهيونية العنصرية العبرية .. الخ) في تشكيل الثقافة السياسية السائدة في التجمع الصهيوني عل أرض فلسطين, كما ساهمت في تشكيل الصور النمطية السائدة عن الآخر. ويكفي أن نعلم أن الحروب التي شنها إسرائيل على الدول العربية هي وفق (الهالاخاه) (الشرعية النظرية) المحفوظة بالعبرية حروب مقدسة للدفاع عن الشعب المقاتل من أجل حريته!! والسلام طبقاً للشريعة عند يعقوب أرييل هو نبوءة آخر الأيام, ومعناه اعتراف العالم بالوحدانية المطلقة للرب الواحد).. واعتراف سكان البلاد الذين يقيمون فيها من غير اليهود, بالقدس عاصمة روحانية لهم ومصدراً لوحيهم الأخلاقي, وحيث أن هذا اليوم ليس قائماً في مجال المستقبل الواقعي والنبوءة السياسية, وليس إلا جزءاً من أيام المسيح نفسها, فإن فكرة السلام مع إسرائيل والعرب مرفوضة تماماً). هكذا سارت المفاهيم الموروثة سريان الدماء في شرايين الحياة الحديثة لليهود, وهكذا تشكلت الثقافة السياسية السائدة الآن في التجمع الصهيوني.