الجذور ... من الحجاز إلى الحسين, وجه من القطع الكبير, جارم الملامح والتقاطيع, مستطيل, مبروم كسلة الفاكهة, حاجبان قصيران مقوسان فوق عينين ضيقتين كأنهما منضبطتان على نظرة تستشرف ما وراء الأفق البعيد, أبرز ما في الوجه أنف مستطيل, يبدو في انسيابية بين الحاجبين كمقبض الخنجر, ولا بد انه أنف مدرب على التقاط رائحة الأخبار من بعد بقدر دربة عينيه على رؤية اتجاه الريح وكشف مصادر العواصف. الفم واسع كفتحة جيب البالطو, تطل منه ابتسامة عريضة تجعل الفك السفلي بالذقن أشبه بفنجان شاي, وهي ابتسامة تضفي على الوجه إشراقا وحميمية وفرط ذكاء, ابتسامة مفكرة, شديدة الخصوصية, لا تشبه ابتسامة أي شخص آخر. لا تخطئ العين مصريته, فالدم الذي يجري خلف بشرته ليس إلا طمي النيل, يعكس على بشرته لون الفخار. على شدة أناقته واهتمامه بمنظره الخارجي بقدر اهتمامه بثقافته وبتاريخ مصر, فالعين المدققة لا تراه إلا فلاحا عريقا طويل الذراعين والأصابع من شدة ما عزق وزرع وحصد وعافر في طين الأرض بأصابعه يقيم عقالات المياه ويخطط الزرايق ويطهر المصارف. (ما وقع بصري على وجهه وذراعيه الممدودتين باستمرار يستعين بهما على شرح حديثه وتصوير آرائه والايحاء بأفكاره المستترة إلا وتذكرت أهلي الفلاحين الكبار الحكماء الذين يرتبطون من ألسنتهم وبكلمة واحدة منهم تنفض المعارك, وتقام الأفراح, ويجري الصلح بين المتخاصمين.. أولئك الذين ترى في عيونهم المكر والدهاء مستترين وراء مسحة من التسامح والأريحية على وجوههم التي لوحتها الشمس وحمصتها وأكسبتها صلابة تعكس قوة ارادة وعزما وتصميما وقدرة على الاحتمال والصبر وطول البال.. لديهم طوفان لا ينفد من القصص المسلية المعبرة عن مثل وقيم أخلاقية ثمينة يسوقونها إليك في أساليب ساحرة تفيض بالدفء والإنسانية والشغف بالحكي نفسه. إنهم أحفاد العماليق الأوائل الذين أقاموا حوارا مع الكون ودخلوا في جدل مثمر خلاق مع ظواهر الطبيعة وخوافيها وقهروا النيل وامتطوا صهوته يوجهونه أينما شاءوا ومكروا بالموت فقهروه وأقاموا على أنقاضه حضارة خالدة.. وابتلعوا جميع الغزاة فمصروهم) (1). هذا هو هيكل كما وصفه بقلمه الموهوب أديب له بصمة واضحة في الرواية والأدب والسيرة الذاتية هو خيري شلبي. والمثير ان هذا الوصف المعجون بالطمي والزرع ومياه النهر وغيرها من المفردات التي تفتح عليها خيري شلبي يكاد يقرب من وصف كاتب آخر عاش في فرنسا, وليس أديبا بقدر ما هو صحافي, هو جان لاكوتور, الذي وصف هيكل بكلمة (الرجال) في مقال نشره في مجلة (مغرب ومشرق) التي تصدر في باريس, في عدد مايو ـ يونيو 1974 وهو أول عدد صدر من هذه المجلة بعد ابعاد هيكل عن رئاسة تحرير (الأهرام) في فبراير من ذلك العام, وكان جان لاكوتور واحدا من الكتاب الغربيين الذين تابعوا عن قرب تجربة عبدالناصر وثورة يوليو ونشر كتابا عنها بعد رحيل عبدالناصر بعنوان (أنصاف الآلهة) . لقد وصف لاكوتور هيكل بأنه رشيق, حاد الملامح, قوي, ذو وجه فلاح, اختار بدلا من أن يصبح فرعونا ويدخل المتحف أن يعبر عن صديقه الأسمر الصعيدي مثله جمال عبدالناصر, سريع الجملة, حاد العبارة, ذو نظرة متقدة غالبا, وذو ابتسامة ماكرة, على انه في كل الأحوال هو الشخصية الأكثر إثارة للاهتمام في مصر الآن. وقد مثل المرحلة التاريخية التي عبرت فيها بلاده ارتعاشات الاقطاع المسيطر عليه من الأجنبي إلى سلطة بورجوازية وطنية محاطة ومتحالفة مع البيروقراطية ومسلحة بالكبرياء الوطني. (ناطق رسمي متحمس وصديق وفي ـ من وجهة نظر قد تكون ذاتية أكثر منها موضوعية ـ للرئيس الراحل (عبدالناصر) المحرك الفعال لعملية تحديث أتت ثمارها مع حرب سيئة. وتبدو استقلالية رئيس تحرير (الأهرام) السابق ـ التي لا تفتقر إلى النيل بشخصيته وطاقاته ـ متجاوزة للناصرية, أو بالأحرى هو يقف في خط أكثر ضيقا وأكثر اتساعا, فهو يجمع في شخصيته شيئا ما من التيارات الثلاثة التي جعلت مصر ـ العابرة إلى الاستقلال منذ عام 1922 ـ ما هي عليه, تيار الوفد المنفتح, تيار الرجال الذين اعتمدوا على أنفسهم مثل محمد عبده, وأخيرا التيار المنتصر على فاروق ويمثله جمال عبدالناصر, الرجل الصلب الذي وصل إلى ما وصل إليه بقوة الأشياء وربما بفضل أستاذ العلاقات العامة الاستثنائي ... هيكل) (2). ويكاد كل الذين يعرفونه عن قرب أن يجمعوا على صفات مشابهة.. خاصة وهو يتحدث.. فهو (سريع الحركة.. سريع الفهم.. سريع الاجابة.. ومن الثانية الأولى تجد نفسك منجذبا إلى ملامحه الدائمة التغير والانفعال.. المشحونة بكم وافر من الاطلاع وحب الاستطلاع.. وبالكاد تستطيع أن تسمعه وتتابع حديثه.. فحديثه عاجل ناعم حاسم كدقات تلغراف مبطن بالقطيفة.. وإذا أردت أن تتكلم أنت يلمحك فيقطع عليك التهيؤ وترتيب الأفكار وأي مقدمات قد تفكر فيها ويقول: شوت.. أي تكلم) (3). عندما فتح عينيه ولد هيكل في 23 سبتمبر سنة 1923.. وهي السنة نفسها التي عرفت فيها مصر أول دستور مكتوب في تاريخها الحديث.. وكان هذا الدستور هو أول مكسب وطني.. ديمقراطي حققته ثورة 1919.. الثورة الشعبية الليبرالية التي جاءت بالبرلمان والجامعة والمسرح والتعليم الالزامي وحرية الصحافة وحقوق النساء.. والمثير ان سنة الثورة كانت هي السنة التي تزوج فيها والد هيكل من أمه.. وتكونت الأسرة. في اليوم الذي ولد فيه جرت أحداث مثيرة, كانت تليق على ما يبدو بمولد صحافي كبير يحترف متابعة ما يجري, فقد اشتعلت ثورة في امارة شرق الأردن, وطالب زعماؤها بمجلس نيابي, وانتهى البناء الجديد للوكالة السياسية الانجليزية القريب من ثكنات قصر النيل (مقر الجامعة العربية فيما بعد) ليسكن في البناء الجديد المعتمد البريطاني اللورد كرومر, وأحرز طيار في البحرية الأمريكية اسمه (سند رش) رقما جديدا في سرعة الطيران هو 385 كيلو مترا في الساعة, وأصيب الرحال الأمريكي الشهير (ريناي) بالشلل وتوفي وهو في طريقه إلى نيروبي على ظهر الباخرة (ساكتون) والقي جثمانه في عرض البحر, وأعلنت المدارس الثانوية عن قبول خمس منح مجانية فقط لطلاب بالأقسام الخارجية في كل مدرسة من مدارس القطر, وأعلنت الصحف ان الشروط معلقة في المدارس, بينما أعلنت إحدى المدارس الخاصة هي مدرسة (وادي النيل) الثانوية بأول (درب الجماميز) عن مصروفات العام الدراسي الجديد وهي 45 جنيها للدراسة الداخلية و21 للنصف داخلية و15 جنيها للخارجية بالكتب. وفي الصحف نفسها اعلان عن بيت من ثلاثة طوابق على الشارع الرئيسي في العباسية مقابل 150 جنيها, واعلان آخر عن تياترو كافيه ريتش بميدان (سليمان باشا) حيث (ستطرب الآنسة أم كلثوم وتغني بصوتها الرخيم الأدوار والطقاطيق الجديدة وسعر الدخول العمومي (بدون مشروبات) 10 صاغ (قرش)) (4). في ذلك اليوم فتح هيكل عينيه الضيقتين الثاقبتين على منطقة عريقة, عتيقة, في القاهرة القديمة, منطقة الحسين والأزهر والغورية وخان الخليلي, حيث يلتقي الدين بالدنيا, ويتعايشان معا في حياة مشتركة صافية, لا تعرف التحولات الحادة, ولا التغيرات المفاجئة, ولا المنعطفات غير المتوقعة, إنها المنطقة نفسها بالظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية عينها وربما النفسية أيضا التي وصفها نجيب محفوظ في (الثلاثية) . إن البيت الذي تربى فيه هيكل في هذه المنطقة هو بيت جده لأمه وقد هدم البيت فيما بعد وأقيم على أرضه مستشفى (الحسين) الجامعي كما قال لي أحد أصدقاء طفولة هيكل وزميله في مدرسة التجارة المتوسطة وزوج صغرى بنات خاله هو مصطفى البكري الذي أصبح فيما بعد واحدا من أبرع خبراء السياحة ونائبا لرئيس مجلس إدارة شركة فنادق (حياة ريجنسي) العالمية, وقد قابلته هو وزوجته السيدة (كرم) في مارينا الجديدة, المنطقة رقم (12), الفيلا رقم (23).. وقد كان أحد مصادري في معرفة الفصول الأولى لقصة حياة هيكل. كان البيت مكونا من ثلاثة طوابق.. مغلق لسكن عائلة جد هيكل لأمه عبدالله سلام الذي كان ينتمي لعائلة سلام الشهيرة في هذه المنطقة, وهي عائلة مثلها مثل عائلات أخرى عريقة استقرت إلى جوار الأزهر, كعائلة الرزاز, وعائلة الرافعي, كان تاجرا من تجار الحبوب والغلال ويساعده في تجارته ابنه الأكبر سلام الذي أثر كثيرا في حياة هيكل العملية, وكان سلام الخال ينفرد بالعيش في (مندرة) بالدور الأرضي. وكانت هناك في الدور الأرضي أيضا (مندرة) أخرى حولها إلى مكتبة تتكدس بالكتب, كان يحصل عليها من مكتبة (صبيح) بالمقايضة على حد تعبير هيكل نفسه, الذي وجد في هذه المكتبة ثروة من كتب التراث, وترجمات الأدب, والأساطير الشعبية, فراح ينافس خاله سلام في قراءتها, بل انه كان على ما يبدو أكثر شراهة في القراءة.. على الأقل بحكم فراغ الاجازات.. فكثيرا من الكتب كان هو الذي فض بكارتها بعينيه. صراع العمامة والطربوش في الطابق الثالث من البيت الكبير كان جد هيكل لأمه يسكن في شقة أمام الشقة الأخرى التي تسكن فيها السيدة هانم مع زوجها. إنها الزوجة الثانية له, لقد تعرف والد هيكل على جده لأمه وتشاركا معا في وكالة لتجارة المحاصيل السودانية, كانت بالقرب من مكتبة صبيح في شارع الأزهر. وكان خال هيكل هو المسئول عن ادارتها, وأغلب الظن ان التجارة المشتركة أوجدت نوعا من الود الإنساني سرعان ما تحول إلى علاقة نسب كما هي الحال في مثل هذه المجتمعات, فكان زواج (هانم) وهي صغرى الأبناء من والد هيكل على الرغم من فارق السن الكبير بينهما, وعلى الرغم من انه متزوج من سيدة أخرى هي (صالحة) وعلى الرغم من ان له منها أولادا في مرحلة الشباب على رأسهم أحمد ومجاهد اللذان كانا يساعدان الأب في تجارته, وليس من الصعب والزواج كان في عام 1919 أن نتفهم قبول أسرة الأم أن تزوجها من رجل على ذمته زوجة أخرى له منها أولاد أكبرهم يقترب من عمر الزوجة الثانية, فقد كان ذلك من طبائع الأمور في ذلك الوقت خاصة بالنسبة للتجار الذين يقدرون ماديا على تحمل هذه الأعباء. كانت الأم التي لعبت الدور الأكبر في حياة هيكل تعرف القراءة والكتابة, بل انها كانت تعرف اللغة الانجليزية, وتعرف أصول الحياة العصرية التي بدأ المجتمع المصري في ذلك الوقت يميل إليها, متأثرا برياح التحديث التي بدأت تفد إليه من ناحية أوروبا, لكن ما ساعد الأم على قبول هذه الأفكار الزوجة الثانية للأب (دولت) هانم كما كانوا ينادونها والتي كانت تؤمن بتعليم البنات على الرغم من ان زوجها ـ جد هيكل لأمه الذي كان ينتمي في بعض جذوره إلى المغرب ـ كان متزمتا, محافظا. وفيما بعد وحتى وفاتها في بداية التسعينيات ظلت الأم كما يقول هيكل تتابع ما يكتبه, وكانت ناقدة له(5). وقد عرفت انها كانت تقرأ مقالاته بانتظام, وعندما ترك (الأهرام) قال لها: (لا تنزعجي يا أمي, ما دام القلم معي فأنا لم أفقد شيئا) . وعندما دخل هيكل السجن كان أبناؤه لا ينقطعون عن زيارتها, وقد رددت أكثر من مرة انها حسب رؤية لها في المنام (فإن محمدا لن يبقى طويلا في السجن) . ويقول الذين عرفوها عن قرب: ان هيكل كان قريب الشبه منها, وانها كانت سيدة قوية تولت تربية وتعليم أولادها وبناتها السبعة, وهم بالترتيب: خديجة ومحمد وتهاني وفوزي ونادية وآمال ومها. وكلهم تزوجوا ما عدا فوزي الذي هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية, وحافظ هناك على أفكاره اليسارية, وكلهم اعتمدوا على أنفسهم ولم يستعملوا اسم شقيقهم ولم يفكروا في نفوذه, بل إن لم أحد تقريبا كان يعرف عدد هؤلاء الأشقاء, ولا حتى أسماءهم, ولا أحد يعرف انهم جميعا تخرجوا في الجامعة وشقوا طريقهم للنجاح في صمت وصبر. وبسبب السيدة (دولت) تمنت (هانم) الصغيرة أن تتزوج أفنديا يضع الطربوش على رأسه ويفضل أن يكون موظفا حكوميا كما حظيت شقيقاتها.. لكنها لم تجد في نفسها الشجاعة في التعبير عما تريد ووالدها يزف إليها خبر زواجها من تاجر أكثر ثراء من موظفي الحكومة وإلا يضع الطربوش على رأسه ولا يرتدي ملابس الأفندية, وإنما يرتدي مثله ملابس التجار في ذلك الوقت, وهي أقرب لملابس رجال الدين, الجبة والقفطان. وعلى عادة التجار في ذلك الزمان لم يكن والد هيكل يقرأ ولا يكتب, ويتذكر هيكل انه وهو طفل صغير كان يصل إلى مسامعه صوت أمه وهي تقرأ لأبيه في كثير من الليالي سيرة (الظاهر بيبرس) وأسطورة (الأميرة ذات الهمة) . وقد كان هيكل يقاوم النوم ويحاول أن يصرعه حتى يكمل ما يسمعه وما يأتي إليه من دراما مثيرة وشيقة عبر الجدران في سكون الليل. ويقول هيكل: (ان هذا الكلام كان يأتيني ويدخل رأسي ويفتح لي أشياء كثيرة ولكن أبي وأمي لم يكن في بالهما أن كل هذا يؤثر فيّ) . إن هذا (الكلام) الذي كان يأتي هيكل ويدخل رأسه ويفتح له أشياء كثيرة هو الذي أثر في أسلوب كتابته المتأثر بالحبكة الدرامية والصياغة الأدبية رغم ان كتاباته هي في الأساس كتابات سياسية, انه صحافي لا ينسى فضل الأدب, أو كاتب سياسي يعرف كيف يمتطي صهوة الأدب. ويمكن هنا أن نحتكم إلى شهادة خبير هو الأديب الذي يعرف كيف يزن الأسلوب, خيري شلبي, لقد قرأ خيري شلبي كتاب هيكل (إيران فوق بركان) ـ الذي صدر في الخمسينيات في أعقاب زيارة لهيكل لتغطية انقلاب الدكتور محمد مصدق في طهران ـ وهو تلميذ في الصف السادس من المرحلة الابتدائية, فكان كما كتب بنفسه أن (فوجئت بأنني أقرأ أسلوبا بسيطا عميقا في آن واحد. على درجة من السلاسة لم أعهدها من قبل. أسلوبا يستدرجني شيئا فشيئا من السطح إلى الأعماق. وينتقل بي في قصر من القصور الحافلة. يطلعني على غرفه وأبهائه ومسالكه ودروبه. فما أن انتهيت من الكتاب حتى شعرت انني قد أضفت إلى ذاكرتي أشياء كثيرة ثمينة يحق لي أن أزهو بها أمام أترابي. وعلقت بذهني عبارات رشيقة لماعة تغريني بتردديها بصوت عال. وانفتح أمام ناظري ذلك العالم الساحر المبهر: عالم السياسة. أدركت كذلك ـ لأول مرة أيضا ـ كيف ان السياسة في معظم الدول ـ المجاورة والبعيدة ـ مرتبطة ببعضها. مؤثرة في بعضها. بهرتني الشخصيات والأحداث والتحليلات والعلاقات المتشابكة. (كان هو أول كتاب سياسي أكمل قراءته من الغلاف إلى الغلاف. العجيب انه نشط خيالي الروائي منذ الصغر وفتح عيني على فحص العلاقات بين الشخصيات في الملاحم الشعبية التي كانت تقرأ في مندرتنا: الزير سالم والهلالية (أبو زيد الهلالي) وعنترة (عنتر بن شداد) و(الأميرة) ذات الهمة وألف ليلة وليلة) (6). إن ما يصل إليه خيري شلبي من تحليل لاسلوب هيكل مذهل بالفعل, لقد توارت واختبأت قراءاته القديمة عن الشخصيات الأسطورية وراء الأحداث والشخصيات المعاصرة التي كتب عنها, لكنها سرعان ما استردت كيانها وصورتها عندما وصلت إلى أديب مثل خيري شلبي هو في الحقيقة يعبر عن عامة البشر في هذا الوطن, وهكذا عادت للحياة هذه الشخصيات الأسطورية التي تأثر بها هيكل.. الظاهر بيبرس والأميرة ذات الهمة وعنترة. ولأن التحليل ثاقب ومحترف فما الذي يمنع من الاستمرار مع صاحبه الذي يواصل: (إن أسلوب هيكل يجمع بين الحيدة العلمية المجردة كأسلوب يتعامل مع الحقائق والأرقام والتواريخ والوثائق وبين الروح الأدبية المليئة بالزخارف وفنون البلاغة العربية العريقة؟ فأنت تقرأ لأحد كبار الروائيين المعاصرين في العالم. وقد ظهرت هذه الموهبة بوضوح تام في كتبه الفذة التي تفرغ لكتابتها بعد اقصائه عن جريدة (الأهرام) . كأن القوة الغاشمة التي حالت بينه وبين الصحيفة السيارة كانت تعمل لصالح التاريخ المصري المعاصر. إذ لولا تفرغ هيكل الكامل وتحرره من المسئولية الإدارية ما قدر للمكتبة المصرية أن تغتني بهذه المصادر التاريخية الثمينة التي تحدت سنوات التحول المريع واحتفظت لمصر بذاكرتها وأثبتت ان الثورة المصرية لم تكن شيئا ميسورا ولم تضع هباء. وإذا كانت الثورة المصرية قد تعثرت وتعرضت للفشل واقتضبت وحيل بينها وبين التطور الخلاق لاستكمال أهدافها النبيلة بفعل سيطرة القوى الجهنمية العالمية التي سلطت عليها فإن كتب هيكل ووثائقه تعتبر استكمالا لثورة يوليو وصولا بها إلى ما لم تحققه بالفعل في الواقع المصري. أقول ان موهبة هيكل الأدبية قد تجلت بوضوح في هذه الكتب الفذة. فنحن نراه يتوسل بأدوات الروائيين وأخيلتهم. لا لصنع واقع فني مواز للتاريخ كما يفعل الروائيون وإنما لاستجلاء حقائق التاريخ ورصد تفاصيل الواقع الماثل الحي فلولا قدرته على رسم الشخصيات وفهم دوافعها وتراكيبها النفسية والسياسية المعقدة المركبة ولولا استيعابه لمنجزات الرواية العالمية في فنون القص والتكنيك والحبكة وإلمامه بقدر كاف من علم النفس والفلكلور والفلسفة والكثير من العلوم الحديثة لولا كل ذلك لما استطاع هيكل أن يخوض غمار هذه الموضوعات الكبيرة الممتدة على مساحات عريضة. المليئة بالمسالك والدروب والكهوف والمناطق الوعرة والشبيهة بغابة كثيفة من الوثائق والشخصيات والأحداث المتشابكة المتلبكة وان يحولها إلى موضوعات شائقة مستساغة بل وحميمة يستوعبها كل من يستطيع بالكاد فك الخط. خريف البطريرك إن كتابه (خريف الغضب) على سبيل المثال يعتبر رواية تاريخية بكل المقاييس الفنية المتعارف عليها للرواية التاريخية مع فارق جوهري أساسي هو ان الخيال هنا لا دور له إلا في الحبكة. فبطل الرواية هو الرئيس أنور السادات. يتتبعه الكاتب منذ الطفولة إلى النهاية. ومثل كتاب الرواية التاريخية التسجيلية يقدم الكاتب العديد من الوثائق والمستندات التي تساهم في توضيح جوهر الشخصية وتفسر تصرفاتها. ومن المؤكد ان هيكل قرأ رواية جارثيا ماركيز الكاتب الكولومبي الحائز على جائزة نوبل وعنوانها (خريف البطريرك) وتصور هذه الرواية حياة ورحيل أحد رؤساء العالم الثالث هو البطريرك. ذلك المستبد الغاشم الجاهل الذي اعتلى (أريكة الحكم) أو بمعنى أصح استولى عليها وظل لسنوات طويلة جاثما على صدر الشعب. والرواية من نوع الرواية الصوتية.. إذ هي محكية على ألسنة العديد من الشخصيات بعد رحيل البطريرك.. مجموعة منتقاة من الذين عاشروا البطريرك وتعاملوا معه وعاونوه.. منهم الوزير والصحفي والقائد والخادم.. ومنهم أفراد أسرته.. كل واحد من هؤلاء يحكي قصته مع البطريرك.. أو قصة البطريرك معه.. بعضهم يحكي متفاخرا بزهو.. وبعضهم يدلي بشهادته للتاريخ.. وبعضهم يحاول التبرؤ من علاقته بالبطريرك أو يدافع عن نفسه.. الجميع في نهاية الأمر يدينون أنفسهم بأنفسهم دون أن ينتبهوا إلى ذلك أبدا. وليس معنى ذلك ان هيكل قد تأثر بهذه الرواية إلى حد الاقتباس أو التقليد. ولكن لا شك انه استفاد من جو الرواية ومن خطتها التكتيكية ليكتب سيرة واقعية لزعيم بعينه في مرحلة تاريخية بعينها. والواقع ان هذه الخصيصة في هيكل تحسب له. فهي تشير إلى انه ليس بعيدا عن النشاط الفني والفكري في العالم من حوله. ومما لا شك فيه انه وجد الكثير من الوشائج والروابط الموضوعية بين خريف البطريرك الذي قاده إلى الهذيان السياسي ثم النهاية الفاجعة وبين رؤيته للرئيس السادات التي أودى خريف الغضب إلى النهاية المأساوية.. ومما لا شك فيه أيضا ان قارئ خريف الغضب إذا كان قد قرأ خريف البطريرك فإن استمتاعه بخريف الغضب يكون أعمق بكثير جدا. طريق واحد؟ تمتد جذور أسرة هيكل إلى الجزيرة العربية.. وقد هاجرت منها في القرن السابع عشر إلى الشام (وهو الاسم القديم لسوريا) ومنها إلى مصر, حيث استقرت لبعض الوقت في الدقهلية, ومنها إلى الصعيد. ويمكن أن يكون بعضها قد هاجر إلى الدقهلية والبعض الآخر وجد نفسه في الصعيد, حسب بحث الدكتور يوسف هيكل وهو فلسطيني كان رئيسا لإحدى البلديات في الضفة الغربية وقد راح يتتبع اسم هيكل ليعرف من أين بدأ وإلى أين ذهب واستقر. وقد توصل إلى ان فرعا من العائلة المهاجرة قد استقر في الدقهلية وبرز فيه رئيس مجلس الشيوخ الأسبق وصاحب جريدة (السياسة) محمد حسين هيكل باشا. واستقر فرع آخر في الصعيد, في ديروط الشريف ولهذا الفرع ينتمي محمد حسنين علي هيكل, والفارق بينهما هو حرف النون الزائدة في اسم حسنين. كان الجد الأكبر يشتغل بالتجارة, كانت له مراكب شراعية تجري في النيل وتنقل المحاصيل من الصعيد إلى شمال القاهرة, عند باسوس بالقرب من قليوب, حيث استقر والد هيكل مع زوجته الأولى, وكان للجد الأكبر أيضا (وابور طحين) ومحلج قطن صغير وشونتان لتخزين الغلال والحبوب في روض الفرج واثر النبي وهما من الموانئ النيلية القريبة من القاهرة.. لكن أيام الأب لم تكن كل رياحها طيبة.. وفيما بعد لم تأت هذه الرياح بما تشتهي سفن الأب. في رسالة الدكتوراة التي قدمها جمال الشلبي للسوربون ذكر ان علاقة هيكل بعبدالناصر تأكدت وازدادت قوة بين الرجلين (ليس فقط لانهما يملكان توجهات وتصورات واحدة نحو العمل السياسي, بل لانهما أيضا ـ وعلى ما يبدو ـ سلكا نفس الطريق الاجتماعي والاقتصادي مما زاد التقارب العاطفي والوجداني بينهما(7). والحقيقة ان عبدالناصر وهيكل لم يسلكا الطريق الاجتماعي والاقتصادي نفسه. ولا شيء يربط بين جذورهما سوى ان هذه الجذور تمتد جغرافيا إلى الصعيد, عبدالناصر من قرية بني مر الواقعة على بعد أربعة كيلو مترات من مدينة أسيوط, وهيكل من ديروط الشريف التي تبعد عنها بحوالي 125 كيلومترا في اتجاه القاهرة. وربما كانت لها الملامح نفسها الواضحة لأبناء الصعيد الذين تبدو خطوط وجوههم أقرب لخطوط النحت منها إلى خطوط الرسم, فهي خطوط حادة واضحة, في بشرة سمراء, وان انفرد عبدالناصر بأنه كان فارع الطول, كما انه ولد قبل هيكل بحوالي ست سنوات في عام 1917. لكن ليس هناك تشابه في الجذور الطبقية بين الرجلين, عبدالناصر ينتمي لطبقة المزارعين, وهيكل ينتمي لطبقة التجار, وان تصادف انهما عاشا في المنطقة نفسها من القاهرة القديمة. هيكل بالميلاد وعبدالناصر بالهجرة, ففي صيف 1925 انتقل عبدالناصر ـ بسبب ظروف الأب الدائم التنقل بحكم عمله في إدارة البريد ـ للاقامة في بيت عمه خليل في حي النحاسين القريب من الحسين والأزهر والغورية.. ولم يكن عمه قد أنجب أطفالا, وان كان يربي ابنا بالتنبي اسمه محمود استشهد والده في ثورة 1919. وبينما بقيت والدة هيكل على قيد الحياة حتى أصبح شهيرا فإن عبدالناصر فقد أمه في عام 1926 وكان عمره أقل من عشر سنوات. وكان موت أمه ضربة قاصمة (تركت بصماتها التي لا تمحى) . وبعد سبع سنوات تزوج الأب من سيدة أخرى هي عنايات مصطفى. وانتقل عبدالناصر للاقامة في الاسكندرية ودخل مدرسة (راس التين) الثانوية.. وبينما درس هيكل في مدرسة التجارة المتوسطة وجد عبدالناصر القدر يفتح له المدرسة الحربية في سابقة لم تحدث بعيدا عن الشروط الطبقية الصارمة. وحتى مات عبدالناصر لم يكن يملك البيت الذي كان يسكنه في (منشية البكري) وبعد أن مات سلمت أسرته البيت والأثاث لانه كان (عهدة) لإدارة الأشغال العسكرية. وحاول هيكل اقناعه بالثورة التي حدثت في فنون الطعام, لكنه كان يصر على تناول الأرز والخضار, وكان يتساءل في دهشة (وماذا يأكل الناس غير هذا؟) . على ان هيكل المحب للحياة عاش حياة مختلفة, فهو يقضي اجازة نهاية الاسبوع في بيته الريفي في (برقاش) . ويقضي الصيف في الساحل الشمالي, وفترات متقطعة من الشتاء في الغردقة, ويفهم في فنون الطعام, ويعرف بدقة ما يحتاجه الجسم خصوصا في سنوات ما بعد الستين, ولوقت قريب كان يدخن السيجار الهافاني المميز, ويعرف كيف يتعامل معه. لكن اختلاف الظروف الاجتماعية واختلاف تصورات الحياة لا تمنع من الاعتراف بأن كل منهما منذ البداية كون نفسه بنفسه, حتى استقرا في الطبقة الوسطى التي انطلقا منها نحو مشروعهما المشترك, وفي لحظة الانطلاق كان كل منهما في حاجة للآخر, عبدالناصر كان في حاجة لمن يعبر عنه, وهيكل كان في حاجة لمن يجسد أفكاره. (وهكذا, فإن قيمة عبدالناصر السياسية وقيمة هيكل الصحافية ساهمتا في تغذية علاقتهما معا وجسدتها بوضوح(8). الهوامش (1) خيري شلبي: بورتريه بعنوان (الوثائقي) ـ مجلة الاذاعة والتلفزيون ـ عدد 9 ديسمبر 1995 ـ ص 60. (2) جمال الشلبي: (محمد حسنين هيكل: استمرارية أم تحول) ترجمة حياة الحويك عطية ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ 1999 ـ ص 337. (3) سمير صبحي: (الجورنالجي) مصدر سابق ـ ص 196. (4) المرجع السابق: ص 46. (5) سناء البيسي: حوارها مع هيكل في مجلة (نصف الدنيا) . (6) خيري شلبي: مصدر سابق. (7) جمال الشلبي: مصدر سابق ص 24. (8) المصدر السابق: ص 24.