هل هناك علاقة بين التصعيد العسكري الأمريكي الاخير على العراق, وبين معركة الانتخابات الأمريكية الحامية الوطيس هذه الأيام؟!. الجواب... وببساطة: ... نعم... بل.. وبكل تأكيد.. ولكن كيف يمكن لحدثين يبعد أحدهما عن الآخر, مسافة ثلاثة عشر ألف كيلومتر او ما يزيد, ان يكونا مرتبطين هذا الارتباط الوثيق, رغم البون الجغرافي الواسع بينهما. لنبحث عن السبب داخل البيت الامريكي. وبدقة اكثر داخل اسوار البيت الأبيض الذي ينتظر ساكنه الجديد خلفاً للرئيس الديمقراطي الحالي بيل كلينتون. وهو اي السيد المقبل للبيت الابيض احد اثنين: اما نائب الرئيس الحالي آل جور او جورج بوش الابن ممثلا للجمهوريين. ومما لا شك فيه ألا ثالث لهما في هذه المنافسة. الرئيس كلينتون الذي له مصلحة كبيرة في ان يكون نائبه: آل جور وحزبه: الحزب الديمقراطي هما من يرفعا الراية الامريكية من بعده سواء على البيت الابيض او فوق بارجة السياسة الخارجية الامريكية. وهو بالطبع من اعطى الاوامر للتصعيد العسكري الامريكي على العراق ممثلا بالقصف الجوي المتتالي على منشآت مدنية وليست عسكرية في مدينة السماوه العراقية بمحافظة المثنى. ولكن كيف تصب القنابل الامريكية والبريطانية على العراق في حسابات كلينتون ولمصلحة نائبه ال جور وكيف يجد ازيز الطائرات وأصوات الانفجارات في السماوه وفوقها, الصدى المطلوب في واشنطن بل وعبر امريكا وتحديدا لدى الناخب الامريكي؟! آخر استطلاعات الرأي الامريكية, وبخاصة قبل ايام من تجدد الغارات الامريكية, تظهر بوضوح ان جورج بوش الابن, الخصم السياسي لكلينتون ولنائبه هو الذي يتقدم وبفارق يتراوح بين 10 و15 نقطة السباق الى المكتب البيضاوي. وتقول جميع الاستطلاعات, أنه ما لم تحدث معجزة ما, فان البيت الابيض سيكون من نصيب بوش الابن ومعه الجمهوريون. امام هذا المشهد السياسي العام, رأى كلينتون ان الوقت قد حان لإطلاق طلقة جديدة, تعزز, اذا لم يكن باستطاعتها ان تنقذ, وضع نائبه آل جور الذي كان هو الاخر, قد أطلق السهم الاخير في جعبته اي سهم تعيين السناتور اليهودي الاصولي جوزيف ليبرمان نائباً له. وقد استطاع آل جور بفعل سهم ليبرمان ان يحسن موقعه حيث قلّص الفارق بينه وبين بوش من 17 نقطة الى حوالي عشر نقاط غير ان حصان بوش الابن لايزال في المقدمة متجهاً بسرعة نحو البيت الابيض, فما العمل؟ عند هذه النقطة بالتحديد, جاء دور كلينتون المنشغل هو ايضاً بإيصال زوجته هيلاري الى مجلس الشيوخ. وكلينتون الذي لم يستطع ان يضيف من خلال قمة كامب ديفيد الثانية, اي شيء الى رصيده او رصيد الحزب الديمقراطي, او رصيد نائبه آل جور, رأى ان عليه ان يتحرك على مسار شرق اوسطي اخر غير المسار الفلسطيني ـ الاسرائيلي, وكان ان وقع خياره على العراق وبخاصة بعد ان رفضت الدول العربية, ومنها دول الخليج العربية, مطالبه, ان لم نقل ضغوطه المتواصلة, بممارسة ضغوط على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات, لجعله يقبل بما لا يستطيع, وبما لم يقبل به, في غابة كامب ديفيد. ولعل تحرش كلينتون بالعراق في سماء السماوه, يصيب اكثر من هدف. فهو, اي كلينتون, يذكر حلفاء الولايات المتحدة في الخليج, اذا كانوا قد نسوا ذلك, بان امريكا هي التي تحمي المنطقة من (الخطر العراقي) الكامن. وكلينتون ايضا, ومن خلال التصعيد مع العراق, يحاول سحب جزء من البساط من تحت اقدام جورج بوش الابن, نظرا لان جورج بوش الاب, هو صاحب (شهادة) انقاذ الكويت وتشكيل التحالف الدولي العريض الذي استطاع اخراج القوات العراقية من الكويت. واذا كانت علامات بوش الاب قد انتقلت الى سجل بوش الابن, فيما يخص حرب الخليج, فان كلينتون اراد من خلال التصعيد مع العراق, ان يضيف الى صحيفته, وبالتالي الى صحيفة نائبه الحالي آل جور علامات مماثلة باعتبار ان كلينتون ومن خلفه الحزب الديمقراطي, هو الذي ابقى الحصار على العراق وأبقى (القمقم العراقي) داخل القفص الامريكي. وان كان بوش الابن الذي يطرح نفسه على انه استمرار لسياسة والده, وبخاصة فيما يتعلق بالعراق, قد حصل بالوراثة, على رصيد والده من العلامات العراقية, فان كلينتون اراد ان يضيف هو الاخر علاماته العراقية الى سجل نائبه آل جور لعلها تنجح في دفع حصان آل جور, الخاسر حتى الان, الى مقدمة السباق. وهكذا فان القنابل الامريكية التي القيت على صوامع الحبوب في السماوه, هي في الحقيقة قنابل استهدفت الناخبين الامريكيين, خاصة وان القصف الامريكي على السماوه لم يكن مترافقاً مع وجود اي تهديد للطائرات الامريكية والبريطانية التي تفرض منطقتي الحظر في شمال وجنوب العراق من جانب المضادات او الصواريخ العراقية وهو ما كانت واشنطن تتذرع به في قصفها للمواقع العسكرية العراقية في المرات السابقة. * صحفي سوري مقيم في الامارات