اثار موضوع الحداثة على النمط الغربي ولا يزال يثير الجدل القوي بين معارضيها ودعاتها في الفكر العربي المعاصر. فدعاة الحداثة على النمط الغربي يرون انها السبب في التقدم الاجتماعي والسياسي الذي حققه الغرب, ويرون انه لذلك يجب الاخذ بنظرياتها ومفاهيمها وممارساتها. ويعتقد معارضو الحداثة على النمط الغربي انها في كثير من مفاهيمها وممارساتها مضادة للقيم التراثية, وبأنه لا تقوم حاجة الى تطبيق ذلك النمط من الحداثة ما دام النموذج الاسلامي قائما ومن الممكن احياؤه. ومما لا يقبل الجدل ان للحداثة صيغا مختلفة, وان لها سمات مشتركة, منها الاعتماد على العلم والتجريب. ومما يسهم في تحديد هذه الصيغ الظروف الاجتماعية التي مرت وتمر بها الشعوب. لقد شاهد العرب بعض جوانب الحداثة في صيغتها الاوروبية ثم في صيغتها الغربية, فقرنوا الحداثة بالغرب وظنوا مخطئين ان الحداثة لابد من ان تكون غربية. ولم يدر كثيرون منهم انه يمكن ان تنشأ صيغ اخرى للحداثة غير نموذج الحداثة الغربي. وبالنظر الى ان نموذج الحداثة الغربي هو النموذج الذي شاهده العرب والى انه يحتمل انهم لم يدروا بامكانية وجود نماذج حداثة اخرى, فقد جاءت المعارضة للحداثة اقوى. وتيار ما بعد الحداثة ينتقد ويهاجم قسما كبيرا من مفاهيم الحداثة الغربية وقيمها, ويرى ان الحداثة الغربية لم تحقق كثيرا من اهدافها ففي ظل الحداثة الغربية نشأت ونمت الايديولوجيات الفاشية والنازية والعنصرية والاستبدادية _والشمولية والشيوعية, وفي ظل الحداثة لم تستطع العقلانية ان تحل المشاكل العسيرة التي واجهتها وتواجهها البشرية. وفي ظل الحداثة ظهرت النزعة الفردية المبالغ فيها والنزعة الانانية المتطرفة, ويساء استخدام العلم والتكنولوجيا, وذلك على حساب مصلحة الشعب والمجموع ولم يستطع الانسان في ظل الحداثة ان يلبي كثيرا من حاجاته الاساسية, وكان فكر الحداثة فكرا جامدا اتسم بصوغ الانساق الفكرية الجامدة او المغلقة التي اتخذت شكل الايديولوجيات والمذاهب السياسية والاقتصادية الجامدة المفتقرة الى المرونة. التعميم والانغلاق ويبشر تيار ما بعد الحداثة بقيم ومفاهيم, منها الانفتاح الفكري والمرونة الفكرية وانفتاح الانساق الفكرية. ويدعو هذا التيار الى التخلص من الجمود الفكري والانغلاق الفكري والتحرر من القيد الايديولوجي والاحادية الفكرية, ويدعو الى تفادي اصدار الاحكام التعميمية في مجالات السياسة والثقافة والاقتصاد, وهو يؤكد حق الانسان في اختيار مصيره. من المستحسن ان يدرس في الوطن العربي وفي سائر انحاء العالم النامي تيار ما بعد الحداثة بكل جوانبه وصلته بالمجتمعات غير الحديثة, وعلاقتها بمفاهيم من قبيل الحداثة والنهضة والتغيير والتقدم. ومن المستحسن ان يدرس مدى انطباق او مدى عدم انطباق مفاهيم تيار ما بعد الحداثة على المجتمعات غير الحديثة, وصلة تيار ما بعد الحداثة بالتعددية الفكرية وبقضايا مطروحة في بلدان العالم النامي, من قبيل صلة تيار ما بعد الحداثة بالمذاهب الفكرية والفلسفية ومركز المرأة ومناهج التعليم الثانوي والجامعي, ودراسة صلة مفاهيم ما بعد الحداثة بدوام او بتغير نظرتنا الى الحداثة, والصلة بين تيار ما بعد الحداثة وحرية الممارسة السياسية وحرية ابداء الرأي وحرية تبني المعتقد, والصلة بين ما بعد الحداثة والنظام الديمقراطي والتناول الديمقراطي للقضايا التي تهم المجتمع والشعب والدولة. ومن اللازم الا يؤخذ المرء بالتعميمات الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية والا يلجأ اليها. فإن ديناميكية الجوانب الاصغر للظواهر لا تجيز التعميم على بعض المستويات. والنفس البشرية بسبب تعقدها وكثرة ابعادها لا تجيز تفسير رغباتها ومواقفها وسلوكها بعامل واحد, العامل الاقتصادي او الجنسي او السياسي. وبسبب التأثير المتغير للظروف نتيجة مرور الازمنة, تتغير قوة العوامل الباعثة على الموقف والسلوك البشريين داخل النفس البشرية. في السنوات التي دعيت سنوات تيار ما بعد الحداثة وجد انصار للمغالاة في تطبيق النظام الرأسمالي والاشتراكية والشيوعية, وزعم انصار كل من هذه المذاهب انه الطريقة المثلى لتحسين حالة الانسان. وفي ظل تلك الانظمة شاعت الشرور التي زعمت تلك المذاهب انها ستزيلها: القمع والقهر والحرب والقتل والحرمان والدمار. قوت الرأسمالية المغالى فيها في الغرب النزعة الفردية والنزعة المادية والنزعة الاستهلاكية المغالى فيها واضعفت الجانب الروحي وهمشت قطاعات واسعة من ابناء الشعب. ولم يكن فرويد مقنعا بقوله ان الغريزة الجنسية تحدد موقف وسلوك البشر. والعيب الاكبر الذي يعتور هذه المذاهب وغيرها انها انساق فكرية تعميمية وجامدة. كل مذهب منغلق على نفسه, واصحاب كل مذهب يعتقدون من باب السخف والسذاجة بأن مذهبهم كاف لتفسير ظاهرة من الظواهر. غير ان المذهب لا يفسر الظاهرة لان منشأ الظاهرة متعدد الابعاد عموديا وافقيا, وهذه التعددية ديناميكية ولا تراعي هذه المذاهب حقيقة تعددية منشأ الظواهر ويحاول كل منها تناول بعد من ابعاد الظاهرة. ومن سمات تيار ما بعد الحداثة ان هذا التيار نفسه يتخوف ويحذر من وضع النظريات وانه ضد وضع النظريات. رؤية عربية لقد افضى نشوء تيار ما بعد الحداثة الى ردود فعل مختلفة في الفكر العربي. واعرب بعض الكتاب عن الفكرة الخاطئة في ان تيار ما بعد الحداثة ـ نظرا الى اننا لم نحقق الحداثة كما صيغت مفاهيمها ومورست في الغرب ـ لا يغنينا في حياتنا وفي محاولة نهضتنا وفي محاولة صياغة مستقبلنا. ومما يلزم قوله في هذا السياق ان هذا التيار الفكري ليس من الضروري انه لا يعنينا لمجرد انه تيار يطلق عليه اسم ما بعد الحداثة, ونحن شعب لم نحقق الحداثة او لم نحقق من الحداثة ما حققته الشعوب الغربية. ان عدم تحقيق العرب للحداثة الغربية لا يعني ان العرب ليس لهم شأن بفكر ما بعد الحداثة. ومن الخطأ القول ايضا ان هذا التيار لا يعنينا, وذلك لان للحداثة مفاهيم مختلفة وان لما بعد الحداثة مفاهيم اخرى. ولكثرة تعاريف الحداثة والنهضة والتقدم والتغير, ولتغير دلالات هذه المفاهيم في المراحل الزمنية المختلفة فقد تتسم بعض المجتمعات النامية ببعض جوانب الحداثة. وعن طريق دراسة فكر ما بعد الحداثة تمكن معرفة عيوب بعض مراحل التطور الفكري الذي حصل في الغرب, ويمكننا بالتالي محاولة تفادي هذه العيوب. وعن طريق دراسة فكر ما بعد الحداثة تمكننا معرفة المناهج الفكرية التي يتضمنها تيار ما بعد الحداثة والتي يمكنها ان تكون مفيدة في حياتنا وتطورنا وتكون اكثر مناسبة من بعض المناهج التي يتضمنها تيار الحداثة, وبالتالي يمكن ان نعتمد تلك المناهج بدلا من مناهج تيار الحداثة. وبذلك يمكن ان نوفر على انفسنا الوقت الذي كنا سننفقه على تجربة مناهج قد يتضح بعدها انها غير مناسبة لنا. ودراسة تيار ما بعد الحداثة قد تساعدنا في حسن اختيار بعض مناهج الحداثة. وبالنظر الى ان التيار الفكري لما بعد الحداثة له اثر في مجالات الحياة ـ في السياسة والادب والفن والمجتمع ـ فإن من المهم دراسة هذا التيار لمعرفة اثره في هذه المجالات. ومن السليم التروي قبل اصدار الحكم على ظاهرة من الظواهر, ومن الصحيح الدراسة الدقيقة لظاهرة من الظواهر قبل اصدار الحكم عليها. ان ارتداع الانسان عن اصدار الحكم دون ترو ـ لان ذلك الانسان يعلم أن خطأ التسرع باصدار الحكم ـ يدل على توفر قدر اكبر من النضج الفكري لا يتوفر لدى الانسان الذي يتسرع باصدار الحكم. والتسرع باصدار الحكم يحتمل احتمالا اكبر ان تكون حصة الدوافع الايديولوجية والذاتية فيه اكبر, والتروي في اصدار الحكم بعد دراسة ظاهرة من الظواهر يحتمل احتمالا اكبر ان تكون حصة الدوافع الموضوعية فيه اكبر. وظواهر عامة من قبيل الحداثة وما بعد الحداثة تبلغ من الاهمية مبلغا لا يصح عنده التسرع باصدار الحكم التعميمي القاطع الجازم. في هذه الطريقة يكمن الخطر الاكبر, وهو خطر الانزلاق او الوقوع في عدم فهم الظاهرة المدروسة وعدم عرضها من منظورها التاريخي والاجتماعي والثقافي السليم. ومما اسهم ويسهم في الجهل بظاهرة من الظواهر او في نقص معرفتها, الاعتماد على المصادر الثانوية التي تتكلم عن تلك الظاهرة وليس الاعتماد على المصدر الاصلي, ولا يمكن لمن يحاول ان ينقل الى مصدره الثانوي محتويات المصدر الاصلي ان ينجح في هذه المحاولة, لان النقل ليس الوضع والابداع, فالنقل يقصر عن الوضع والابداع ويتجلى الابداع في الاصل, وبمجرد النقل ينتفي الابداع والاصل. ولذلك يجدر بنا قبل اصدار الحكم على ظاهرة من الظواهر الادبية او الاجتماعية او الفكرية ان نعود الى اصولها. ومن الواضح ان عدم القيام بذلك سبب في غموض فهمنا للظاهرة. وأجزاء كثيرة من المجتمع العربي, تستقطب بين دعاة الرؤية الاسلامية ودعاة العلمانية الذين يريدون فصل الدين عن الدولة. والاسراع بتحقيق التقدم المنشود يتوجب حل هذا الاشكال. وعن طريق تطبيق بعض مضامين تيار ما بعد الحداثة قد يصبح من الاسهل تحقيق الحل او التوفيق. ويجري تصادم بين الجيل الجديد الناشىء والجيل المسن التقليدي, وللاجيال المختلفة رؤى مختلفة للحياة. وعن طريق دراسة تيار ما بعد الحداثة قد يمكن الكشف عما هو مشترك بين هذه الاجيال. تناقض مفتعل وفي قسم طاغ من الفكر العربي يوجد ما يسمى الفكر النقيضي الثنائي او الفكر الاستبعادي او الفكر الاقتصادي. ووفقا لهذا الفكر تصور وجود شيء ينفي وجود نقيضه. تصور وجود اللون الابيض ينفي وجود الاسود. هذه سمة شائعة في الفكر العربي, وفي الحقيقة في فكر كل الشعوب ولكن على تفاوت. وتتجلى قوة هذه السمة في السياق الذي يجري فيه صراع بين الذات والموضوع. ومما يتجلى فيه هذا الفكر النقيضي الثنائي انه توجد على الساحة الفكرية العربية ظاهرة الرفض الكاسح او القبول المطلق لمفهوم من المفاهيم, وايضا ظاهرة الميل لدى قسم من العرب الى ان يقبلوا بحماس اخر ما اكتشفوه, فإذا كانوا من دعاة الحداثة احتقروا ما لا يندرج في اطار الحداثة, واذا كانوا من مؤيدي التغيير جافوا من كانوا من دعاة المحافظة على التراث واذا كانوا من المعتقدين بأنه لايمكن ان يصدر الشيء القيم الا عن الماضي العربي الاسلامي نبذوا ما هو اجنبي وبالعكس, وكأنه لا توجد نقاط او مواقع اقرب تقع بين هذين الطرفين المتباعدين. طراز التدريجي مع المحافظة على التماسك الاجتماعي. وفي الحقيقة فإن التصورات العقلية يمكن ان تغطي النطاق الكامل من بداية طرف واحد الى اقصى الطرف الآخر. فما بين الاسود والابيض ألوان كثيرة, وما بين المنخفض والمرتفع من الناحيتين المادية والمعنوية نقاط كثيرة. وكذلك الامر بالنسبة الى الغنى والفقر والتعصب والتسامح والعلم والجهل بطرازها الغربي, وبين المناصرة والمخاصمة للطراز الحضاري الاسلامي, وبين صيغة من صيغ الحداثة والنموذج الاسلامي. والحقيقة ان تصور طراز الحداثة الغربي والطراز الاسلامي للتنمية والتقدم على انهما نقيضان, تصور يدل على نقص المعرفة بهذين الطرازين. ان تصنيف الحداثة الغربية والطراز الاسلامي في التنمية والتقدم على انهما متناقضان قد يعود الى النقص في فهم هاتين الظاهرتين اكثر مما يعزى الى التناقض الحقيقي بينهما. فالفكر البشري في قضايا الحياة والمفاهيم الاساسية في الحياة والقانون والمجتمع والعلاقات البشرية, لا يمكن ان يستبعد بعضه بعضا تماما, ولابد من ان تتشابه جوانب من جوانبه. فمفاهيم الحكم والقانون والانصاف والحدود والضوابط والحرية والهدف والغاية والوسيلة والتخصص والمجتمع والانسان والفرد والجنس والدولة والعلم (بكسر العين) والعلم (بفتح العين واللام) والبحث والحاجة والاقتصاد والسعادة والازدهار والشقاء وغيرها الكثير, موجودة في الفكر البشري في العصور القديمة والوسطى والوقت الحاضر, طبعا هذه المفاهيم موجودة في الفكر المصري القديم والسومري والآوري والصيني والهندي واليوناني والعربي والاسلامي وفي الفكر البشري المعاصر في شتى ارجاء المعمورة. ان للفكر البشري مشاكله. واعتبار ظاهرتين من الظواهر متناقضتين ليس بسبب التناقض التام بينهما, ولكن بسبب قصور الفهم البشري لاحدى هذه المشاكل. ومن اسباب هذه المشكلة وجود الحواجز الثقافية الفكرية النفسية والقيمية التي تحول دون ايصال مضمون ظاهرة من الظواهر الى العقل البشري. وتفسر ظواهر بشرية تاريخية او معاصرة كثيرة بهذا السبب, اي وجود الحاجز الثقافي النفسي الذي يحول دون نقل معنى الظاهرة الى العقل. * استاذ الدراسات الشرق أوسطية ـ الولايات المتحدة