معظم التحليلات ذات الصلة بمسار الغزوة الاستيطانية التى ابتليت بها فلسطين خلال القرن الماضى, انبنت ابتداء وانتهاء على نظرية الطبيعة اليهودية للغزاة بالدرجة الأولى. وقد كان الأخذ بهذه النظرية مصدر إلهام اساسى لمختلف التوقعات والأفكار, الخاصة بمصير الدولة الاستيطانية وسلوكها وحياتها قياما وقعودا فى قلب العالم العربى. ويلاحظ فى هذا السياق, أن أكثر الموقنين بالمسافة الفارقة بين المشروع الصهيونى وبين الهوية الدينية اليهودية, القائلين بعلمانية اسرائيل وإلحادية القائمين عليها وجل قيادييها, لا ينكرون تأثيرات الأبعاد الدينية (التوراتية) على محتوى الصهيونية, الحركة والدولة. أهمية مسألة الهوية اليهودية المميزة لهذه الغزوة تبدو حاسمة بالنسبة لبعض المدارس العربية, التى تعالج مستقبل اسرائيل وتبحث عن اجابة لقضية التعامل معها حربا أم سلما.. فالانطلاق من جوهرية الاعتبار الدينى للمشروع الصهيونى وأولويته, يترتب نتائج بالغة الدلالة فيما يخص أنماط المواجهة وحدودها والحشد المطلوب لذلك. ولعل التذكير بمواثيق القوى والتيارات الاسلامية التى تتبنى فكرة الطبيعة الدينية الصرفة للغزوة وكيانها السياسى اسرائيل, يشير الى بعض هذه الدلالة. إن هذه القوى هى الأكثر تقيدا بفلسطين الأرض الاسلامية التى لا يجوز لأحد التفريط بها كليا أو جزئيا. وهى تنحو لادخال الصراع مع اسرائيل فى اطار أوسع وأعمق, يتصل بالاشتباك التاريخى القديم المتجدد بين اليهود والمسلمين.. مثلما تأخذ بالتفسيرات والرؤى الدينية لماضى هذا الاشتباك ومستقبله. وفى حقيقة الأمر, فإن تأمل محتوى الكيان الصهيونى لا يترك فرصة كبيرة للأخذ بغير المنظور الدينى للغزوة الاستيطانية. والآية العظمى لهذا المنظور تتجلى فى الشرط الدينى لاستقبال الكيان للغزاة.. انه كيان لليهود اينما كانوا, بحسب مايسمى باعلان الاستقلال والقوانين الأساسية لاسيما قانون العودة والجنسية. يترتب على ذلك, ان البعض يمكن ان يكون صهيونيا لكن هذا الانتماء السياسى الفكرى وحده لا يكفى لكى يصبح صاحبه اسرائيليا أو يحق له المواطنية الاسرائيلية.. الشرط الحاسم هنا, هو أن يدين باليهودية. ولهذا الشرط محددات ينبغى أن تثبت بتحريات معينة, لاهوتية وعرقية. بناء على هذا المعطى الثابت تقريبا, جرت حسابات فلسطينية وعربية كثيرة, أبرزها يتعلق بموازين القوى السكانية بين اسرائيل والعرب أو بين الغزوة الصهيونية السكانية اليهودية والمجتمع الفلسطينى الأصل.. ولطالما استنتجت هذه الحسابات ميل هذه الموازين لصالح الفلسطينيين أو العرب فى التحليل الأخير. وكان الأصل فى هذا التفاؤل يقوم إما على نقص معدل خصوبة اليهود مقارنة بالعرب, واما على ميل التجمعات اليهودية للاندماج فى المجتمعات الأم خارج فلسطين, واما على محدودية اليهودية العالمية عموما أو انغلاق اليهودية وانعدام خاصية التبشير بها بين الأمم الأخرى. ولكن ما الذى يحدث اذا طرأ تغير فارق على معطى الهوية اليهودية البحتة للغزاة المستوطنين فى فلسطين؟ كيف يكون الحال اذا ما تخلى الكيان الاستيطانى الصهيونى عن واحدة من أعتى خصائصه المميزة, هى اقتصاره على استقبال الموسومين باليهودية دون سواهم, واصابته حمى الانفتاح على غير اليهود من الذين يطمع فى أن يعززه سكانيا فى مواجهة المحيط السكانى العربى الاسلامى الأصل؟ * كاتب فلسطينى ـ القاهرة