ركزت وكالات الانباء التي تابعت اجتماعات المجلس المركزي الفلسطيني اهتمامها على معرفة الموعد الذي ضربه المجلس لاعلان الدولة الفلسطينية. وفيما اذا كان المجلس سيلتزم بالموعد الذي حدده سابقا وهو الثالث عشر من سبتمبر المقبل, ام ان هذا الموعد سيطرأ عليه بعض التأجيل الى ما قبل نهاية العام؟ ورغم ان المجلس اعاد التأكيد على الموعد نفسه الا انه اعطى للقيادة الفلسطينية مرونة التصرف بالتأجيل حتى نهاية العام. وفي رأيي انه بهذه المرونة جعل التأجيل هو الاساس, وموعد الثالث عشر من سبتمبر هو الاستثناء. وقد يكون الخامس عشر من نوفمبر هو الموعد المقرر. لا لأنه يتطابق مع تاريخ اعلان الدولة بالجزائر عام 88 ـ رغم انه سيكون وجيها لاخراج الموضوع ـ ولكن لان قرارا بهذا الحجم وبهذه الخطورة يحتاج الى فترة ابعد من منتصف سبتمبر للاعداد لما يمكن ان يترتب على القرار من مسئوليات وواجبات. ولأن الجانب الفلسطيني (يفضل العنب على مقاتلة الناطور), وبالتالي فهو رغم ايمانه بأن اعلان الدولة حق له لا ينازعه فيه احد, الا انه يفضل ان يتم ذلك برضى الطرف الآخر ونتيجة الاتفاق معه, ومباركة القوى الدولية المؤثرة. وهو لذلك يريد ان يعطي للاتفاق والمفاوضات فسحة اطول من الوقت لابراء ذمته ايضا امام المجتمع الدولي. كما انه ـ وهو الحريص على كسب رضا الجانب الامريكي, او على الاقل عدم استفزازه ـ لا يمكنه ان يقدم على خطوته قبل موعد الانتخابات الرئاسية الامريكية في الرابع من نوفمبر, اذا ما طلبت اليه الادارة الامريكية التأجيل خشية التأثير سلبا على موقف الديمقراطيين الانتخابي. ومع التسليم بأهمية موضوع اعلان الدولة وتداعياته, إلا انني اعتقد ان قرار الدولة لم يكن اهم ما يمكن استخلاصه من اجتماعات المجلس المركزي, فهو ليس بالأمر الجديد. أما الجديد لاحظه كل من اتيح له ان يطلع على الحوارات والنقاشات التي شهدتها جلسات المركزي, فهو التقارب الكبير في لغة الخطاب التي استخدمها طرفا المعادلة, السلطة والمعارضة, على خلاف ما جرت عليه العادة في اجتماعات سابقة. ولم يكن من الصعب ادراك سر هذا التقارب. فقد قرب الموقف الاسرائيلي المتعنت موقف طرفي المعادلة الفلسطينية الى حدود التوحد تقريبا. وما كشفه المفاوضون الفلسطينيون اثناء مداخلاتهم اوضح ان ما عرضه المفاوضون الاسرائيليون عليهم في المفاوضات السرية لم يكن اقل خطورة مما طرحوه علنا, بل قد يكون نسخة مطابقة له. مما يعني ان هروب الطرف الاسرائيلي للمفاوضات السرية لم يكن إلا لجر الفلسطينيين للاستسلام سرا للاطروحات الاسرائيلية. وقد فاقت هذه الاطروحات كل توقعات القيادة الفلسطينية لمناورات باراك وألاعيبه السياسية. فالسيد باراك لم يكتف بالضغط على طاولة المفاوضات, بل صعد ضغوطه عبر مساعديه القانونيين والعسكريين لدرجة انكار الاساس الدولي القانوني الذي تقوم عليه المفاوضات حين اعتبر القرار 242 لا ينطبق على الجانب الفلسطيني باعتباره لم يكن يشكل دولة عام 67 حين اتخذ القرار الدولي. واتبع هذا الموقف بآخر لا يقل عنه خطورة حين اطلق هو ورئيس اركانه تهديداتهما بضم بقية الاراضي الفلسطينية لاسرائيل, وقام باستفزازات عسكرية مباشرة عبر اجراء مناورات وحشد قوات برية وبحرية على حدود مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية. في ظل تصاعد الموقف الاسرائيلي مع اقتراب المواعيد التي ضربتها القيادة الفلسطينية, او جرى التوافق عليها, لانتهاء المرحلة الانتقالية وانجاز الحل الدائم واقامة الدولة الفلسطينية, بدت هذه الاهداف وكأنها تبتعد اكثر مما تقترب. مما زاد في قناعة القيادة الفلسطينية بحرج الموقف ودقته, خاصة بعد ما لمسته خلال زيارتها لواشنطن, او خلال استقبالها للمبعوثين الامريكيين للمنطقة, من انسجام الموقف الامريكي مع الموقف الاسرائيلي, مما ولد لديها حالة من الغضب, تحدث عنها من رافقوا الرئيس عرفات الى واشنطن او في استقباله اولبرايت ودينيس روس. ازاء هذه التطورات تعمق ادراك القيادة الفلسطينية بأنها تقترب من لحظة الحسم والمواجهة. فلم تجد بدا من مكاشفة شعبها وقواه السياسية بالحقيقة, والتحدث اليه صراحة عن الاخطار التي تواجه الوضع الفلسطيني ومجمل القضايا الوطنية. ومن استمع للرئيس عرفات وهو يعرض الامر على المجلس المركزي تلمس النبرة الغاضبة والحاسمة في خطابه, الامر الذي ادركته القوى السياسية الفلسطينية الاخرى المشاركة في اجتماعات المجلس فالتقطته وبادلته اقترابا باقتراب وحرصا بحرص وتمسكا مشتركا بحق الفلسطينيين في اعلان دولتهم المستقلة ورفض التنازل عن حق اللاجئين في العودة الى اراضيهم وممتلكاتهم وفق ميثاق الامم المتحدة وقرارات الشرعية الدولية او التفريط في القدس. هذه الاهداف التي جرى التأكيد عليها والالتفاف حولها مجددا, تشكل اساسا لبرنامج نضالي وطني يمكن ان تلتقي عليه ليس فقط منظمة التحرير الفلسطينية وانما كل التيارات السياسية في ساحة العمل الفلسطيني, بما فيها التيار الاسلامي. كما يمكنه ان يستقطب التفافا شعبيا واسعا حوله. لان اهدافا بهذا الحجم, ومعركة بهذه الخطورة طرفها الآخر يملك امكانيات هائلة لا يمكن خوضها الا بحشد كامل الطاقات الشعبية الفلسطينية والعربية ايضا. وحتى يمكن تجسيد هذا الطموح لوحدة وطنية شاملة, ولخوض معركة مضمونة النتائج, يظل الشرط الاساسي هو ثبات الموقف التفاوضي الفلسطيني, وعدم خضوعه للابتزاز, او تراجعه امام وعود او ضمانات وهمية قد يقدم عليها الجانبان الاسرائيلي والامريكي, والحرص على مصداقية خطابه امام شعبه. كما يظل من الشروط الضرورية للنجاح في هذه المعركة اعادة النظر في الوضع الداخلي, والتخلص من الخيول الكسيحة والاسلحة الفاسدة التي تحد من قدرتنا على المواجهة بل قد تكون اشد خطرا من العدو الخارجي. ترى هل تكون الدورة الاخيرة للمجلس المركزي نقطة التحول التي طال انتظارها في المسيرة الفلسطينية؟! كاتب فلسطيني