يمكن أيضا استخدام الديمقراطية كشعار للتكريس لحكم أسوأ من الدكتاتورية, حتى أن بعض المفكرين والمحللين السياسيين يطلقون على هذا النوع من التطبيق اسم (الدكتاتورية المتكاملة) , لأن الدكتاتوريات المعروفة, تكون عادة نظاما مفضوحا وليس في حاجة إلى دعوة الشعوب لمكافحته, بينما الدكتاتورية الناشئة عن الديمقراطية, أو (الدكتاتورية الكاملة) التي تولد وتنمو تحت تطبيق شعاراتها يصبح من الصعب الدعوة إلى إسقاطها, لأن من خلال الأسابيع الأخيرة كان هناك حدثان يمكنهما أن يبينا إلى أي حد يمكن قيام حكم دكتاتوري باسم الديمقراطية, الأول الانتخابات التي جرت الشهر الماضي في البيرو, والتي استطاع الرئيس ألبيرتو فوجيموري أن يرشح نفسه لفترة رئاسية ثالثة على الرغم من وضوح الدستور القاطع الذي يمنعه من ذلك, وعندما فشلت المعارضة في منعه من خرق الدستور لجأت إلى الجماهير دفاعا عن الديمقراطية, عندها اتهم الرئيس فوجيموري المعارضة باللا ديمقراطية, لأنها ببساطة لا تسمح له بممارسة حقه كمواطن يرغب في البقاء في السلطة. تحت شعار فرض الأمر الواقع, قبلت المعارضة مواجهته في الشارع وأمام صناديق الاقتراع, لكن الرئيس فوجيموري استطاع باسم الديمقراطية أن يمارس إرهابا ضد المرشح المعارض, مستغلا في ذلك أدوات السلطة نفسها, التي وضعتها الديمقراطية بين يديه ليستولي على وسائل الإعلام الحكومية, ويمنعها عن المعارضة, بل ويمنع وسائل الإعلام الخاصة من نقل صوت المعارضة إلى الجماهير من خلال استخدام أدوات متعددة, منها منع الإعلانات الحكومية والمؤسسية عن الإعلام المعارض. بل وصل الأمر إلى حد استخدام القوة, وفي النهاية تم تزوير الانتخابات نفسها لمنع المرشح المعارض من الفوز, وأمام هذا الأمر الواقع حصل الرئيس فوجيموري على اعتراف جميع دول العالم, لأن كل هذه الدول التي كان يمكنها أن تؤثر في تصحيح الوضع لها مصالح اقتصادية, وليست على استعداد للتضحية بها من أجل سواد عيون مرشح المعارضة, حتى لو كان تأييد الشعب البيرواني له بلا حدود. المثال الآخر في المكسيك, حيث يوجد حزب يحكم منذ واحد وسبعين عاما باسم الثورة والدستور, شعاره الحفاظ على مصالح الجماهير الفقيرة, الفلاحية منها بشكل خاص, ورفع شعارات الديمقراطية, ومع مرور الوقت تحول الحزب الثوري الدستوري, الذي قام على مبادئ ثورة الفلاحين بقيادة اميليانو ثاباتا, ليصبح مدافعا عن مصالح الإقطاعيين, ومتحدثا باسمهم, ومع ذلك لم يتغير شعاره ولا مبادئه, لأن الشعارات والمبادئ تظل مجرد شعارات ومبادئ مركونة على أرفف وبين أضابير الحزب. مع مرور الزمن أصبح الحزب نفسه أداة من أدوات قمع من قام على مبدأ حمايتهم, بل أصبح من الأدوات التي تنشر الفساد في البلاد, ولم يكن ذلك قاصرا على قادة الحزب وبعض المستفيدين منه, بل أصبح الحزب خلية للمستفيدين ولا مكان فيه لمن يتجرأ على الحديث عن المبادئ, لأن من يتحدث عن المبادئ أو حتى مجرد تحويل مسار الحزب باتجاه التخفيف من غلواء الفساد يكون مصيره معروفا. أبرز مثال على ذلك أن الرئيس المكسيكي السابق كارلوس ساليناس هارب من العدالة بعد مغادرة كرسي الحكم مباشرة, وشقيقه الذي كان يوما أحد أبرز أعمدة الحزب مسجون, وسجنه لم يكن نتيجة لإصلاح يحاول الحزب أن يقوم به اعوجاجه, بل نتيجة لاتهامه بقتل مرشح الحزب نفسه للانتخابات الرئاسية قبل ست سنوات, إضافة إلى ضلوعه في عدد من عمليات تهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة التي لا يمكنها أن تغفر مشاركة عملائها في جلب المخدرات إلى الداخل(!). لذلك لم يكن يتوقع أحد أن تسفر الانتخابات التي جرت الأحد الماضي في المكسيك عن جديد على الساحة السياسية, فالحزب الثوري الدستوري أمس يملك كل شئ, ومنافسو مرشحه للرئاسة من حزب العمل الوطني اليميني أو حزب الثورة الديمقراطية اليساري لا يملكون سوى بما يسمح لهم به الحزب الحاكم. لكن كان هناك نوع من الإحساس بأن شيئا يتحرك على الساحة السياسية المكسيكية, خاصة أن الرئيس الحالي ارنستو زيديو, الذي ورث الفساد عن حزبه الحاكم, كان يبدو مصمما على تغيير قواعد اللعبة لتناسب الشعارات الديمقراطية, وهناك من المراقبين من يرى أنه وجد نفسه مجبرا على هذه الخطوة, بعد أن فشل في إصلاح حزبه من الداخل, فقرر أن يأتي بالإصلاح من الخارج من خلال التخفيف من عبء عمل المعارضة, لعل يكون الإصلاح على يد المعارضة, أو تكون المعارضة سببا في الإصلاح على أقل تقدير. الخطوة الأولى نحو هذا الإصلاح الذي عمل من أجل ارنستو زيديو, هي نجاح زعيم حزب الثورة الديمقراطية اليساري في احتلال مقعد محافظ العاصمة (مكسيكو سيتي) , تلك العاصمة التي تعتبر من أضخم مدن العالم من حيث عدد السكان, عشرون مليون نسمة, بعشرين مليون مشكلة, لأنها من اكثر دول العالم إثارة للمشاكل, وإحدى أقل مدن العالم أمنا, لأنها تبدو في النهاية مرآة حقيقية للوضع الذي يعيشه الشعب المكسيكي بكامله. يضاف إلى هذا أن فيثنتي فوكس مرشح حزب العمل الوطني اليميني, الذي كان أكثر المرشحين المعارضين حظا في إبعاد الحزب الثوري الدستوري من السلطة, لا يمثل خطرا حقيقيا على المصالح الاقتصادية الأجنبية, وبشكل خاص لا يقلق مصالح الولايات المتحدة الأمريكية, لأن هذا المرشح يمثل ببساطة مصالح أمريكية في البلاد, لأنه رئيس أضخم شركة أمريكية في البلاد, شركة الكوكاكولا صاحبة النفوذ في العالم كله. من هنا كان هناك أمل في ان يكون الرئيس أرنستو زيديو آخر رئيس ينتمي إلى الحزب الثوري الدستوري الذي حكم البلاد لواحد وسبعين عاما, بل يعتبر أطول فترة قضاها حزب سياسي في الحكم في العالم كله, وربما سيظل لسنوات طويلة المثال على أنه الحزب الذي حكم أطول فترة في التاريخ. لهذه الأسباب جاء نجاح المرشح اليميني المعارض فيثنتي فوكس مفاجأة لبعض الحالمين ببقاء الحزب الثوري الدستوري في الحكم, ودليلا على أن التغيير ممكن, ولكن يجب أن تساعد كل الظروف المحيطة على نجاحه, والظروف الداخلية وحدها ليست كافية لفرض هذا التغيير, لأنه في حالة البيرو لم تكن تلك الظروف الداخلية كافية, بل يجب أيضا وضع الاعتبارات الدولية في الحسبان, خاصة أن عيون الولايات المتحدة لا تغفل ولا تنام عن أي حركة تهدد مصالحها في تلك المنطقة, حتى لو كانت استجابة لتطبيق الديمقراطية التي تنادي بها ليل نهار, لأن الديمقراطية في عرف الولايات المتحدة أداة ووسيلة, وليست هدفا. الظروف المحلية المحيطة بالانتخابات التي جرت الأسبوع الماضي في المكسيك, جعلت حتى اليسار يدعو إلى انتخاب مرشح يميني للقضاء على فساد الحزب الحاكم, وأملا في إمكانية المشاركة نظرا للفارق اليسير الذي يتفوق به حزب السلطة الجديد عن الحزب الخارج من السلطة, وربما كان هذا السبب الأول الذي أدى إلى إمكانية تحقيق معجزة إبعاد حزب أصبح الدكتاتورية بعينها. إضافة إلى الظروف الدولية التي تنظر بعين الرضا لفوز فيثنتي فوكس لأنه ممثل لرأس المال. إلا أن الطريق لن يكون سهلا أمام التغيير الذي بشر به الرئيس الجديد, الذي لن يتولى السلطة الفعلية قبل يناير المقبل, فالإدارات الحكومية تمثل امتدادا سرطانيا للحزب المهزوم, وتلك الإدارات لن تسلم بسهولة للحزب المنتصر, بل ستحاول تعطيل إصلاحاته بكل ما تملك, خاصة أن معظم الوظائف العليا تشغلها كوادر الحزب المهزوم أو عملاء له. من ناحية أخرى على الرئيس المنتخب أن يبدي تفهما للمعارضة اليسارية التي أثبتت أنها أصبحت أكثر برجماتية وساعدته هذه البرجماتية على الوصول إلى السلطة رغم العراقيل التي وضعتها السلطة أمامه. هناك أيضا المشاكل الرئيسية التي يرثها الرئيس المنتخب عن واحد وسبعين عاما من الفساد, والتي خلفت إرثا ثقيلا ابرز ملامحه وجود ما يقرب من خمسين مليون مواطن يعيشون تحت خط الفقر, والأقليات الهندية التي لم تعد تحتمل مزيدا من الإهانة فقررت أن تتمرد في شكل حروب عصابات فشل جبروت الجيش في القضاء عليها, ومن أبرز ممثليها (جيش التحرير الثاباتي) الذي يعيش حربا يومية مع الجيش منذ عام ,1994 وفشل الجيش حتى الآن في إخضاعه. لذلك يصبح السؤال الآن: إلى متى تستمر ليلة البكاء على السلطة في المكسيك؟ الإجابة ليست سهلة, ولكن الرئيس المنتخب بدأ الخطوة الأولى. كاتب مصري مقيم في اسبانيا.