بقلم: الدكتور طلعت شاهين ما أن تنتهي عواصف الشتاء وبرده القارص, حتى تفتح الطريق أمام النسمات الأولى لفصل الربيع, الذي يغير وجه أسبانيا التي تتمتع بطبيعة خلابة تجعلها بحق (الأندلس) المفقود الذي تغنى به الشعراء العرب والمسلمون وتعشقها الخلفاء, حتى تهل على شاشات التليفزيون والصفحات الأولى للصحف مشاهد تفسد التمتع بتلك الطبيعة الخلابة, مع نسمات الربيع واللفحات الأولى لحر الصيف تبدأ مشاهد الزهور المتفتحة, وتبدأ أيضا مشاهد جثث الغرقى في مضيق جبل طارق لمن شاءت تعاستهم أن يواجهوا الموت على أبواب (أوروبا المترفة) , ليس بحثا عن الحياة في ترف مشابه بل بحثا عن فتات تلك الرفاهية, وهربا من جفاف أفريقيا وجحودها على أبنائها. أما الذين يكون حظهم أقل تعاسة فتتلقفهم دوريات الحرس المدني قبل أن يصلوا الشواطئ, لتوقظهم من حلم الهرب من جحيم البلاد التي غادروها, وتعيدهم من جديد إلى ذلك الجحيم مكبلين بقيود ليست أقل قسوة من تلك التي هربوا منها, وحتى يعودا إلى بلادهم يتحولون لأيام إلى الطبق اليومي الذي يضعه المشاهد الأسباني, والأوروبي بشكل عام على مائدته اليومية إلى جوار الأطباق الأخرى المترفة التي يتذوقها, وكأن طبق موتى مضيق جبل طارق وضحاياه الضريبة المكتوبة على المواطن الأوروبي المرفه مقابل تلك الرفاهية التي يعيشها. الأرقام تقول كل شئ, ولا مهرب من القشعريرة التي تصيب الجسد عند سماعها على الرغم من حيادها الواضح, تقول تلك الأرقام أنه منذ بداية العام الجديد, أو القرن الجديد كما يريد البعض أن يسميه, ألقت مياه مضيق جبل طارق بما لا يقل عن ثلاث مئات من جثث الهاربين من جحيم المغرب و أفريقيا إلى ترف أوروبا, وكما يقول الخبراء أن هذا الرقم ليس كل شئ, لأن من لا تصل جثثهم إلى الشواطئ ويبتلعهم المصير المجهول إلى الأبد أضعاف هذا الرقم. على الرغم من مأساوية تلك المشاهد اليومية لمهاجري العالم الثالث فإن بعض السياسيين يستغلها لصالحه الخاص للحصول على المزيد من أصوات الناخبين تحت ستار (حماية المجتمع) من الغزو المقبل عبر مياه المضيق, وهذا ما فعله الحزب الشعبي اليميني الحاكم في أسبانيا خلال الانتخابات التي جرت في مارس الماضي, لأنه بفضل خطابه السياسي المتطرف تجاه الأجانب, أو كما يسميهم بالمهاجرين غير الشرعيين, تمكن من الحصول على أغلبية مطلقة في البرلمان, أغلبية لم يكن يحلم بها حتى اللحظة الأخيرة من إعلان نتائج الانتخابات. فقد شعر زعماء هذا الحزب قبيل الانتخابات أن اللعب على وتر التخويف من الآثار الناتجة عن فتح الأبواب أمام (جوعى العالم الثالث) يمكن أن يوقظ اليمين الفاشي ويعيده إلى أحضانه, بعد أن ابتعد عن المشاركة السياسية الفعالة ليصوت لهؤلاء الزعماء باعتبارهم (حماة الوطن) الذي تركه الجنرال فرانكو فريسة في أيدي اليسار المتمثل في الحزب الاشتراكي لأكثر من ثلاثة عشر عاما. وترسخت تلك الأفكار في رأس اليمين بعد الأحداث التي وقعت قبيل انتخابات مارس الماضي في قرية (الايخيدو) , التي شهد فيها العالم كله, عبر شاشات التليفزيون, مطاردة أهل القرية للعمال المغاربة في الشوارع, لأن موقف عمدة القرية الذي ينتمي إلى (الحزب الشعبي) المعادي للعمال الأجانب زاد من شعبيته أمام مواطنيه باعتباره المدافع عن الوطنية ضد الغرباء, وهذا دفع الحزب الشعبي إلى المجازفة والتصويت في البرلمان ضد قانون يمنح الأجانب حقوقا كانت القوانين القائمة ترفضها, ويعطي فرصة لمن لا يحمل أوراقا للحصول على الشرعية, على الرغم من أن حكومة الحزب الشعبي كانت وراء الأغلبية التي حصل عليها القانون في البرلمان في التصويت الأول. بعد أن حصل الحزب على أغلبية مطلقة في عدد كبير من المقاطعات بسبب موقفه من الهجرة والأجانب, قرر الاستمرار في استثمار هذا الموقف خلا ل الأشهر الأخيرة التي تلت تشكيل حكومته الجديدة, وبدأ يثير الفزع لدى مواطنيه بالتأكيد على أعداد المهاجرين الذين يحاولون الوصول إلى شواطئ أسبانيا, وفي أحيان كثيرة ينشر أرقاما مبالغا فيها, حسب رأي بعض الخبراء, أو مشوهة أو مبهمة تزيد موقف الأجانب تعقيدا, وتثير ضدهم بعض فئات المجتمع المتطرفة . تتبع حملات الحكومة ضد الهجرة قبل وصولها إلى اليابسة عبر مضيق جبل طارق أو عبر المياه من جنوب المغرب والصحراء إلى جزر الكناري, حملات أخرى ضد المهاجرين أنفسهم داخل المدن وفي المزارع والحقول والمصانع التي يعملون فيها, وهذه الحملات خلقت مناخا خانقا من الخوف دفع رجال الأعمال إلى الاحتجاج, لأنه يضيق الخناق حتى ضد العاملين الشرعيين منهم. وأيضا يفتح الباب أمام الشباب المتطرف الذي يرفع شعارات النازية الجديدة لممارسة العنف ضد هؤلاء العاملين المنتجين, خاصة الأفارقة منهم. لكن ليس كل ما يشتهيه اليمين يجده, فقد تلقت الحكومة اليمينية أثناء ممارستها هذه الحملة ضد المهاجرين لطمة قاسية جاءتها من خلال الأرقام التي أعلنت عنها مؤسسات رسمية على رأسها الأمم المتحدة, تثبت حاجة أسبانيا وغيرها من الدول الأوروبية لمهاجري العالم الثالث بسبب انخفاض معدلات النمو السكاني في القارة الأوروبية بشكل عام, وفي أسبانيا وفرنسا بشكل خاص. لأن تلك الإحصائيات بأرقامها الباردة التي تتناول عدد الجثث الغرقى التي يلفظها مضيق جبل طارق يوميا, تشير أيضا بأرقام باردة أن شعب أسبانيا يتناقص عدده سنة بعد سنة, وأ نه خلال فترة زمنية ليست بالطويلة سيجد المجتمع الأسباني نفسه عاجزا عن إعاشة كبار السن من المحالين إلى التقاعد بسبب تناقص نسبة عدد الأيدي العاملة الوطنية التي تحافظ على الإنتاج مقابل تزايد عدد العجزة وكبار السن . وترى تلك الإحصائيات أن الحل الوحيد أمام أسبانيا وغيرها من المجتمعات الأوروبية هو فتح أبوابها أمام ألأيدي العاملة المهاجرة, التي تحافظ على النمو الاقتصادي الذي يحافظ بدوره على توازن الدخل الوطني لتغطية نفقات كبار السن والمحالين على التقاعد. بل الأكثر من هذا, أن بعض القطاعات الإنتاجية بدأت تطالب الحكومة الأسبانية بوضوح وعلنا بزيادة معدلات العمالة الأجنبية إلى البلاد, وحددت أرقاما كبيرة لتغطية العجز في بعض تلك القطاعات, وعلى الرغم من أن الفكرة السائدة تقول أن العجز شبه الدائم في الأيدي العاملة كان في مجالات البناء والزراعة, إلا أن الإحصائيات الأخيرة بدأت تبين أن قطاعات أخرى مهمة لتقدم الاقتصاد ونموه في حاجة إلى أعداد أكبر من العمالة الأجنبية, ربما أكثر بكثير من الحاجة إلى الأجانب في القطاعات الإنتاجية التقليدية. لذلك كانت المفاجأة أن رئيس اتحاد رجال الأعمال الأسبان طالب الحكومة بالتخلي عن هوسها ضد العمالة الأجنبية, والبحث عن طريقة تضمن تغطية عجز القطاعات التي يعمل فيها أكثر رجال الأعمال الذي قدره بما لا يقل عن 700 ألف من المتخصصين في الحاسبات الإلكترونية بجميع تخصصاتها, من فنيين ومبرمجين ومدربين, وهو رقم مشابه لما أعلنت عنه ألمانيا قبل أسابيع قليلة, وتغطيته لا يمكن أن تتم إلا من خلال إغراء خبراء العالم الثالث في هذا ا لمجال . إزاء الموقف الجديد, فإن الحكومة اليمينية الأسبانية بعد حملتها الشعواء ضد الأجانب والنتائج الممتازة التي حققتها انتخابيا وجدت نفسها في موقف لا تحسد عليه, فهي حائرة بين سندان مطالب المتطرفين المعادين للأجانب الذين يمثلون دعما انتخابيا ومطرقة رجال الأعمال والمطالب الحقيقية للمجتمع بشكل عام. إزاء هذا الوضع فإن حكومة خوسيه ماريا أزنار تتقدم خطوة وتتأخر أخرى في مشروعها المعلن انتخابيا لسد الأبواب أمام الأجانب الراغبين في العمل في أسبانيا, وتجد نفسها مجبرة على تلبية مطالب رجال الأعمال والمعارضة السياسية, ولكنها تريد أن تتحمل تلك المعارضة وزر الأجانب أمام الفئات المتطرفة من المجتمع الأسباني فتكسب الحكومة أصواتا تساعدها على البقاء في السلطة لأطول فترة ممكنة. هذا الوضع يتكرر في باقي دول أوروبا, الحكومات والسياسيون يخضعون لمطالب فئات معينة برفض العمالة الأجنبية, ولكن في المقابل يخسر الاقتصاد الأيدي العاملة التي تحافظ على استمرار النمو, إنها معادلة صعبة, لكن الخاسر الأكبر في النهاية هي تلك المجتمعات الطاردة التي تقف مكتوفة الأيدي أمام هروب أيديها وعقولها إلى أوروبا. كاتب وصحفي مصري مقيم في اسبانيا