في سنة 1963 أوفدت اسرائيل ضابطا شابا من غلاة الصهاينة للتدريب على تنفيذ (عمليات الكوماندوز الخاصة) في جبال الألب الفرنسية كان أول الدروس المستفادة التي وعاها الضابط الاسرائيلي يتلخص في عبارة جوهرية تقول كلماتها: - أهم ما ينبغي أن نتوخاه هو: الحرص الشديد الدقيق ..ثم الحرص والدقة في التخطيط وفي التنفيذ. من ضابط الى رئيس وزراء ومرت الأيام لكي يتحول الضابط الصهيوني من سلك العسكرية الى مجال الحياة المدنية والى معمعان السياسة الحزبية حتى أصبح في أيامنا هذه رئيس وزراء اسرائيل ولعل الضابط سابقا والسياسي راهنا - إيهود باراك - ظل يذكر ولا ينسى مبدأ الحرص والدقة الذي تعلمه في سالف الأيام ولعله تطلع الى أن يطبق مبدأ (الحرص ) هذا من أجل الترتيب لانسحاب منظم دقيق ومأمون ويحفظ ماء الوجه من جنوب لبنان, ولكن ها هي الأيام التي تابعها العالم من أواخر مايو الماضي وقد شهدت انسحابا اسرائيليا تداولت أخباره ومشاهده الميديا الاقليمية والدولية على السواء..وتناثرت من مؤسسات الميديا بالكلمة والصورة والرأي والتقييم أوصاف الانسحاب المرتجل والمهين والذليل والعشوائي. وكان هذا يصدق على انسحاب قوات الاحتلال الصهيوني بليل من مناطق الجنوب وشريطه الحدودي كما يصدق على أفواج العملاء التعساء الذين كانوا يشكلون ما كان يعرف باسم (جيش لبنان الجنوبي) الذي أسسه مع أوائل ثمانينيات القرن الماضي سعد حداد ثم تبعه أنطوان لحد في قيادة هذا الجيش.. عميلا وارثا لعميل.. واذا كانت الوحدات الاسرائيلية قد انسحبت كي تتوجه الى مقارها الأصلية في داخل اسرائيل فان خروج العملاء السابقين, أو ما وصفته الأوساط الأمريكية بأنه (الاكسورس) المعاكس كان خروجا من لبنان الوطن - الأم الى حيث المجهول والضياع .. أو الى حيث (تركتنا اسرائيل كي تنهشنا الذئاب) كما جاء مؤخرا على لسان واحد من هؤلاء التعساء الذين ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا خدما وطواشية وعبيدا ولو مسلحين وأدوات يستخدمهم الغاصب المحتل كي يصب قنابله على بني جلدتهم من مواطني الجنوب اللبناني ويكرس احتلاله على امتداد أكثر من 20 عاما لتلك المنطقة ويواجه قوات المقاومة الوطنية اللبنانية وفي الطليعة منها عناصر وأركان حزب الله. بين التخطيط والاستشهاد في أواخر مايو الماضي أدرك ايهود باراك ولاشك أن (مبدأ الحرص) الذي سبق وتعلمه من أيام تدريب الكوماندوز في جنوب فرنسا لايصلح إزاء مبدأ مقابل يترجم مقولة أن لايفل الحديد إلا الحديد واذا كان الكوماندوز الصهيوني قد تعلم أهمية (الحرص ) في التخطيط والتنفيذ, فقد تداعى المبدأ الى حد الانهيار أمام مبدأ آخر في الحرص وقد استقاه المقاتلون اللبنانيون من المنظومة الايمانية والتاريخية التي يستلهمونها ويصدرون عنها والمبدأ منسوب - كما نحسب - الى خليفة المسلمين الراشد الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه يقول: - إحرص على الموت, توهب لك الحياة . وفق هذه المعادلة الجوهرية - البسيطة يستصغر المؤمنون الباطل حين يكبر في عيونهم الحق ويجل العدل ومن ثم تهون التضحية. ومن هذا كله يستمد المؤمن قدرته على الصبر وطاقته في الصمود ومهارته الفائقة في منازلة العدو على ساحات شتى .. عسكرية, وفدائية, وسياسية, وغيرها . ولم يحرص أركان القيادة الاسرائيلية على أن يخططوا لانسحاب يسوده التنسيق والتنظيم كي يحافظوا على صورتهم التي أفلحوا في طبعها وجهدوا في تثبيتها في ذهنية العالم - صورة الجندي الاسرائيلي الشديد الاحتراف والبالغ الانضباط لكن جاءتهم الضربة من الانهيار السريع والمباغت لقوات عملائهم في جنوب لبنان وفي ساعات قليلة تحول تنظيمهم العميل من جيش عسكري زودته اسرائيل بأحدث أسلحة العصر الى فلول مذعورة من الهاربين والمشردين مما ترك حدود اسرائيل الشمالية في حال من السيولة والخطر الجسيم على نحو ما عبرت عنه (نيويورك تايمز) في افتتاحية خصصتها لهذا الموضوع. أصوات أمريكية عاقلة وإذا كانت الصحيفة الأمريكية تصدر عن منطق الحدب بطبيعة الحال على سلامة اسرائيل وأمن حدودها, فإن القضية لم تعدم أصواتا وأقلاما قد نصفها بأنها في جانب التعقل أو الموضوعية ولو ضمن حد من الحدود. وقد باتت ترتفع ويكتب أصحابها محذرين في تعقل هادئ ومحمود من مغبة انسياق السياسة الأمريكية إما سادرة في تأييد اسرائيل على طول الخط وتلك هي السياسة التي يزمع اتباعها الحزب الجمهوري على فرض نجاحه في تسلم مقاليد الرئاسة الأمريكية بعد انتخابات نوفمبر المقبل أو في الاكتفاء بدور وسيط أشبه بحكم المباراة الرياضية أو مراقب الخطوط في ساحة الملعب حيث الطرفان الاسرائيلي والفلسطيني بالذات يتساجلان بغير تكافؤ وحيث الامكانات والمواقع والمواقف ومن ثم النتائج والتوقعات كلها, تميل بالضرورة لصالح الطرف الصهيوني الغاصب أصلا والمحتل فعلا . تلك هي الملاحظة التي أوردها واحد من هذه الأصوات الأمريكية التي تحاول أن تكون موضوعية في غمار التحيز العام - الأعمى في بعض الأحيان الذي تحظى به اسرائيل في أوساط عديدة بالولايات المتحدة. والملاحظة أوردها الأستاذ (ميلتون فيورست) في دراسة موجزة نشرها مؤخرا وبدأها بعبارات قال فيها: - جاءت المظاهرات التي نشبت في الفترة القريبة الماضية في الضفة الغربية وقطاع غزة وهي الأسوأ عنفا على مدار عقد كامل من الزمن, بمثابة تذكرة بالخلل الرهيب في التوازن من حيث قوة المساومة بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية, ذلك الخلل الذي نشأ بعون أمريكي في اتفاقات أوسلو في عام 1993 . عالم وأكاديمي بارز والأستاذ فيورست في طليعة الأكاديميين الأمريكيين المهتمين بالشرق الأوسط وخاصة بما يمكن أن يوصف بأنه (الشأن الاسلامي) بوصفه ظاهرة محدثة لها أسبابها وتطوراتها وتأثيراتها على مجمل الأوضاع في المنطقة وله في هذا أبحاث وكتب مهمة بالنسبة للدارس والمحلل العربي والمسلم يحمل آخرها الصادر عام 1999 العنوان التالي: (في ظلال النبي: النضال في سبيل روح الاسلام) أما الدراسة التي نحن بصددها منذ نشرها مؤخرا وكان لها صداها في الميديا الأمريكية المكتوبة بالذات وتدور حول اليد العليا أو الميزة النسبية المرجحة (بكسر الجيم) التي تتمتع بها اسرائيل بالمقارنة مع السلطة الفلسطينية مما يزيد من القوة التفاوضية الصهيونية في مقابل استضعاف الطرف الفلسطيني ولأن هذه الميزة النسبية هي التي كفلتها أمريكا لاسرائيل في التحليل الأخير, تأييدا سياسيا ومعونات مادية - عسكرية بالذات الى حد يمكن وصفه بأنه شراكة أمريكية - اسرائيلية في مشروع الاستيطان الكولونيالي الصهيوني فوق الأرض العربية - لهذا فإن الأكاديمي الأمريكي البارز ميلتون فيورست ينتهي في دراسته المكثفة الى خلاصة يقول فيها: - (ان الولايات المتحدة, وليس غيرها, هي التي يمكن أن تأمل في تحجيم اسرائيل . ولقد كان جيمي كارتر مستعدا لممارسة بعض الضغط في كامب ديفيد عام 1977 وهكذا كان جورج بوش في اطار انعقاد مؤتمر مدريد عام 1991) بيد أن البروفيسور فيورست لايلبث أن يضيف ملمحا بأن المقصود هنا هو الضغط في المجال السياسي. بمعنى مجال الوثائق أو الصياغات التعاهدية بين الأطراف وكل هذا بعيد كل البعد عن القضية الرئيسية - المحورية وهي قضية (الأرض) ومن ثم فالكاتب الأمريكي يضيف في هذا السياق بالذات : -..فيما يتعلق بقضية الأرض ظلت أمريكا - على طول الخط الى جانب اسرائيل .. وهكذا عمد رونالد ريجان الى الخروج على موقف الأمم المتحدة الذي يقول بعدم شرعية ضم الأراضي بالقوة وهذا الموقف تبلور وسجل في قرارات عن الجمعية العامة ومجلس الأمن كما هو معروف - الأقواس من عندنا ـ ومن ذلك الحين, يضيف البروفيسور فيروست ظلت واشنطن تتحرك باطراد نحو المبدأ الذي تتبعه في الوقت الحالي وهو: أن الخلافات حول الأرض ينبغي حلها بواسطة الأطراف ذاتها وهذا الموقف يؤكد الغلبة باستمرار لاسرائيل بوصفها الطرف الأقوى) . توقعات المستقبل ونحسب أن الأهم في الطروحات التي كتبها المحلل الأمريكي هو تحوله الى حيث يرصد احتمالات المستقبل وذلك أمر يهمنا على وجه التحديد خاصة في ضوء ما نتوقعه من خلال رصدنا الراهن لمجريات السياسة الحزبية في أمريكا - من فوز ولو بنسبة تفوق ضئيلة للحزب الجمهوري .. وان كان ذلك لايعدو اجتهادا شخصيا من جانبنا في كل حال. المهم أن الأستاذ فيورست يتوقف بالتأمل عند لهجة خطاب المرشح الجمهوري الحالي وهو السيد بوش - الابن وقد تكلم مؤخرا في لجنة الشئون العامة الأمريكية - الاسرائيلية التي يصفها فيورست بأنها اللوبي الذي تستخدمه اسرائيل للتأثير على السياسة الأمريكية . يومها عمد بوش الابن الى(حقن) قضية الشرق الأوسط في جسم الحملة الرئاسية الأمريكية عندما قطع وعودا (في حالة نجاحه طبعا) بتأييد اسرائيل (دون أن يكون هذا التأييد مرهونا أو مشروطا بالنتيجة التي تسفر عنها عملية السلام في المنطقة..) وهذا الوعد - يضيف البروفيسور فيروست - لايتناقض وحسب مع موقف الرئيس كلينتون حاليا بل ويتعارض كذلك مع موقف الرئيس بوش - الأب شخصيا .. ولكنه ينسجم في نهاية المطاف مع ما تريده اسرائيل وقادتها حيث تُترك الساحة خالية للسيد باراك كي يتصرف وحده (بغير ضغوط أو تدبر للتبعات) ومن المعروف - كما يضيف ميلتون فيورست - أن باراك يستهدف إعطاء(بالأدق إعادة) أقل مساحة ممكنة من الأرض في حين أن المستوطنين (الصهاينة) يستكثرون هذا القليل حيث يتمثل مبدأهم في عدم اعطاء(أو إرجاع) أي أراض على الاطلاق. مهمة صعبة ورئاسة ضعيفة الكرة الآن في ملعب الرئاسة الأمريكية الراهنة وفي مرحلة تكون فيها هذه الرئاسة بحكم التعريف والتوقيت من أضعف ما يكون والمشكلة تتمثل في أن الرئيس كلينتون, بكل حماسه وتشبثه بسلطانه حتى اللحظات الأخيرة مطالب بأن يكسر الجمود الحالي أو بالأدق يكسر دائرة عدم التوازن الراهنة بين الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني, وتلك في رأي ميلتون فيورست مهمة شبه مستعصية تقضي بالعودة عن مسار العشرين عاما الماضية بل والعودة عن إطار التفاوض أو التساوم الذي أُبرمت فيه اتفاقات أوسلو(نضّر الله ثراها) وسواء علينا - نحن أصحاب القضية - أن يتحرك الرئيس كلينتون, وأغلب الظن أنه لن يفعل أو لن يستطيع, أو جاء الى سّدة الرئاسة الأمريكية الأولى السيد بوش - الابن ممثلا للحزب الجمهوري - فقد أثبتت أحداث الفترة القريبة الماضية أن غطرسة اسرائيل يمكن أن تنهزم ونزعتها الى العدوان يمكن أن تقاوم وصلفها المغرور يمكن مجابهته - فقط اذا تسلح الجانب العربي بارادة الصمود وعزم المقاومة وطاقة الصبر والحرص على الشهادة في سبيل الحق والعدل والعقيدة والوطن .. فضلا عن بصيرة الوعي المؤمن ومهارة الحسّ الذكي في ادارة الصراع الطويل والمرير مع العدو على امتداد مراحل الصراع وتعدد جبهاته . ملحوظة مهمة : الجزء التالي يتم وضعه في إطار داخل الموضوع: (وفيما يتعلق بقضية الأرض ـ ظلت أمريكا على طول الخط الى جانب اسرائيل. وهكذا عمد رونالد ريجان الى الخروج على موقف الأمم المتحدة الذي يقول بعدم شرعية ضم الأراضي بالقوة) .