مع توغل القوات الاثيوبية داخل الاراضي الاريترية واستيلائها على مدينة تلو مدينة لابد ان القيادة السياسية في اسمرا اخذت تتساءل فيما بينها عن جدوى نظرية (الامر الواقع) التي يبدو انها استرشدت بها قبل عامين عندما ارسلت قواتها العسكرية لاحتلال اراض حدودية متنازع عليها مع الجارة اثيوبيا. فما هي نظرية (الامر الواقع) ؟ بعد اندلاع الجولة الاولى من الحرب بين الدولتين وبداية تدخل الوساطة الافريقية ممثلة في منظمة الوحدة الافريقية اعلنت الحكومة الاريترية انها لا تمانع من ناحيتها في نقل النزاع الحدودي على الاراضي الى محكمة العدل الدولية. لكن اريتريا كانت تكرر هذا الاعلان بعد ان خلقت بالفعل (امرا واقعا) جديدا باحتلالها اولا الاراضي موضع النزاع. هذه هي نظرية (الامر الواقع) في النزاعات الحدودية: احتل الارض اولا.. ثم اعلن بعد ذلك قبولك للدخول في مجادلات دبلوماسية وقانونية لأنك في هذه الحالة تتعاطى عملية التفاوض والمجادلة من موقع اقوى بالمقارنة مع خصمك على الطرف الآخر. لكن المسئولين الاريتريين تجاهلوا فيما يبدو ان العنصر الاساسي في نظرية (الامر الواقع) هو ان يكون للطرف المهاجم تفوق مميز في القوة العسكرية بالمقارنة مع الخصم بحيث يتهيب الخصم خيار استرداد الارض المحتلة بأسلوب رد الهجوم العسكري. لقد ركبت اسمرا مخاطرة عظمى. وعندما تقرر دولة ركوب مثل هذه المخاطرة فانها يجب ان تكون متأكدة مسبقا من حساباتها العسكرية والسياسية ولا يبدو ان ذلك ينطبق على المخاطرة الاريترية. من الناحية العسكرية تبرز اثيوبيا بحجمها السكاني الكبير كقوة تتفوق على القوة الاريترية بمقدار 20 مرة ويبدو انه تراءى لاسمرا ان اثيوبيا لن تخوض حربا بالنظر الى تورط قوات اثيوبية في اشتباكات في بعض الاقاليم الاثيوبية. لكن الذي حدث هو ان الهجوم الاريتري الاستهلالي الذي اسفر عن احتلال الاراضي المتنازع عليها لم يفلح الا في ايقاظ مشاعر قومية مكتومة في نفوس الاثيوبيين ضد اريتريا منذ انسلاح الاقليم الاريتري عن اثيوبيا في اوائل العقد الحالي ليكون دولة اريتريا المستقلة. الحسابات السياسية الخارجية لم تكن اقل خطأ.. فقد راهنت اسمرا على ان الولايات المتحدة في مواجهة حرب بين دولتين صديقتين لواشنطن, سوف تدعم الطرف الاريتري بالنظر الى علاقة اريتريا الوثيقة مع اسرائيل لكن واشنطن فضلت الوقوف على الحياد اكثر من ذلك افرزت حالة الحرب بين الدولتين الجارتين تعاونا استراتيجيا بين اثيوبيا والجارة الثالثة.. السودان ومما يروى ان السودان يمد الآن اثيوبيا بالوقود. ما بين الجولة الاولى للحرب قبل سنتين والجولة الثانية التي بدأت الاسبوع الماضي كان متاحا للمسئولين الاريتريين مراجعة جدوى نظرية ( الامر الواقع) بناء على النتائج الواقعية. فقد كانت الحرب في الجولة الاولى سجالا على اقل تقدير ثبت خلاله ان اديس ابابا مصممة على مواصلة الحرب الى اجل غير مسمى. فقد كان الاجدر باريتريا الموافقة على سحب قواتها من الارض المتنازع عليها في مقابل ان تقبل اثيوبيا بنقل القضية الى محكمة العدل الدولية او جلوس الطرفين الى مائدة تفاوض باشراف الوسطاء الخارجيين (منظمة الوحدة الافريقية والامم المتحدة). لكن يبدو ان اسمرا فضلت التعصب للدواعي الوطنية عن الانصياع للحكمة السياسية. وهكذا ومع ازدياد توغل القوات الاثيوبية في عمق الاراضي الاريترية كما نرى الآن, ربما ادرك القادة الاريتريون ان نظرية (الامر الواقع) غير قابلة للتطبيق الناجح في كل الظروف والحالات.