الذي جرى في النمسا خلال الاسابيع الاولى من عام 2000 امر (جلل) وحدث له ابعاده ومعانيه: شعب من شعوب اوروبا دولته النمسا عضو كامل الحقوق والواجبات في الاتحاد الاوروبي يحتل مكانة القلب ـ تاريخيا وجغرافيا ـ من القارة العريقة المتطلعة لتقاسم مصير الدنيا مع العملاق الامريكي , الشعب النمساوي يدعى للاقتراع حسب بنود دستوره وبصفة طبيعية أي لم تفرضها لا حالة استثنائية ولا تفاقم أزمات, فيهب الناس الى صناديق الاقتراع بمحض اختيارهم وعلى بينة من امورهم لأنهم يعيشون نظاما سياسيا شفافا يسمح للمتزاحمين بحرية التعبير والاجتماع والتظاهر والاضراب ويضمن مرور تيارات الهواء السياسي النقي تدور في شرايين الاعلام الحر المحايد تحميه مؤسسات مستقلة وعتيدة من سلطة تشريعية منتخبة وقضاء مستقل عادل ورأي عام مثقف مطلع... هذه هي الديمقراطية النمساوية التي افرزت مشاركة جزئية لحزب الحرية اليميني في السلطة... جزئية لا كلية اي انه يلتزم بقواعد اللعبة وبنود الدستور ويحتكم لقوانين الائتلاف السياسي كما صرح بذلك زعيمه هايدر. هذه هي اصول الديمقراطية, لكن اية ديمقراطية؟ فقد جاءت دول الاتحاد الاوروبي الاخرى لتقول لا لهذه الديمقراطية, وتبعتها الولايات المتحدة الامريكية ـ ولا مجال لذكر الموقف الاسرائيلي لانه موقف غير مؤسس على مبادىء وقيم بل على حسابات ابتزاز سياسي ومالي ـ جاءت اذن الديمقراطيات الاوروبية والامريكية لتذكر النمسا بأن هناك ديمقراطية محلية قد تتناقض مع ديمقراطية اكبر هي الديمقراطية العالمية.. وفي حالة التناقض والتضاد فان الديمقراطية العالمية (بالدال الكبيرة) تغلب على الديمقراطية المحلية (بالدال الصغيرة). وبالطبع فان هذه الديمقراطيات ـ في اوروبا وفي الولايات المتحدة الامريكية ـ ليست نقية ولا نظيفة كما توحي لنا بذلك, فهي دول مؤسسات نعم! لكن سياساتها انتقائية تراعي بالدرجة الاولى مصالح ما يسمى بالعالم الحر ولا تراعي جملة المبادىء والقيم التي تعلنها وترفع شعاراتها واقرب مثال امامنا هو مثال مواقف تلك الديمقراطيات من حرب الابادة التي تشنها روسيا في الشيشان ومواقف تلك الديمقراطيات من قضية تيمور الشرقية, الموقفان يختلفان حسب دين وحضارة الشعوب المضطهدة المسحوقة لا حسب احترام روسيا او اندونيسيا لحقوق الاقليات او لحرية تقرير المصير هنا او هناك. واليوم يختار النمساويون حكومة وتختار لهم اوروبا وامريكا حكومة ثانية وتصطدم الديمقراطية النمساوية الداخلية بالديمقراطية العالمية الخارجية. ونفهم كذلك حسب هذا الانموذج ما يجري ترتيبه في السودان وفي ليبيا وفي الجزائر على اساس مراعاة هذا المفهوم الجديد للقانون الدولي وهذه الثورة العارمة في مجال العلاقات الدولية. فالخيار الشعبي لدى الاقتراع لم يعد هو الفيصل.. بل تحول الى مجرد رغبة شعبية مهما كانت نسبتها المئوية, لابد ان تبصم عليها القوى العظمى وأساطين القانون العالمي الجديد لتصبح ذات مفعول, والا فان ادوات الحصار وآليات الملاحقة جاهزة لتسليط ما يسمى بعقوبة المنظومة الدولية ضد إرادة شعب من الشعوب. ان هذه التحولات تستدعي من العرب اعادة النظر في موازينهم السياسية وسلوكياتهم الحضارية على ضوء مفاهيم مستحدثة للعلاقات الدولية لامكان فيها لما كنا نعرفه من سيادة الدولة او حتى سيادة الشعب كمرجع وحيد للسلطة الحاكمة. لقد عصفت التيارات الفكرية الجديدة بكل العصر الماضي وتبعاته ورسوباته ويبدو أن القضية النمساوية اعطت مع مطلع عام 2000 اشارة الانطلاق لعصر مختلف قادم سوف ينعكس على العرب بآثاره المعروفة او غير المعروفة. فاذا كان هذا حال النمسا وهي كما ذكرت في اول المقال قلب اوروبا جغرافيا وتاريخيا, فما عساه يجري لو اختار شعب عربي غدا غير ما تتوقعه عواصم اوروبا وواشنطن؟ فالنمسا تقع في قلب قارة اوروبا وتاريخيا كانت مقر الامبراطورية البروسية القوية وهي معلمة اوروبا في مجالات الابداع السياسي والثقافي والفني... ثم تجد نفسها اليوم مدانة مستهدفة لأن جماهيرها اعطت ثقتها جزئيا ـ لا كليا ـ لحزب يصنف ضمن اليمين المتطرف ويعبر زعيمه عن اعجابه ببعض وسائل النازية الالمانية ولا يتردد عن اخذ مواقف متطرفة من الهجرة والعولمة وطغيان المثال الامريكي في الثقافة والاستهلاك. لنتابع معا وبكل حرص ودقة ما يجري في فيينا.. لنعتبر اولا ولنستعد لمستقبل مجهول, لم تكن لنا نحن العرب يد في صنعه واعداده.