ينتظم هذه الأيام معرض الكتاب الدولي بالقاهرة, وهو من أكبر تظاهرات ثقافة (المطبوع) في العالم إلى جانب المعرض الدولي للكتاب بمدينة فرانكفورت الألمانية والمعرض العالمي لكتاب الأطفال في مدينة بولونيا الايطالية, وتدل كل هذه المواعيد السنوية الدولية على ان عصر الاتصالات الالكترونية لم يقض على ثقافة المطبوع وأن الكتاب وهو الاساس لثقافة المطبوع ظل صامتا أمام تدفق المعلومات الرقمية, بل ان توزيع الكتاب ـ حسب التقرير السنوي لمنظمة اليونسكو لعام 99 ـ شهد انتشارا أكبر وسجل أرقاما قياسية في اليابان والولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الأوروبي. ويعيش العالم منذ بداية العشرية الأخيرة من القرن العشرين عصرا يمكن ان نطلق عليه عصر تشخيص الطباعة بواسطة الكمبيوتر, فلم تعد الطباعة ولا التوزيع يحتاجان إلى تجهيزات ثقيلة وصناعة مطبعية مكلفة وخبرة ميكانيكية عليا وشاحنات وبواخر وقاطرات للتوزيع, بل أصبح الشخص الواحد أمام جهازه الالكتروني المصغر ـ كمبيوتر عادي مجهز بطابعة ـ بامكانه ان يطبع النصوص التي يريد بالحرف الذي يختاره والألوان التي يقررها ثم يضغط على زر لتصوير كل ذلك وعلى زر ثان لارسال مطبوعته إلى كل أنحاء العالم بواسطة البريد الألكتروني, فالشخص الواحد أصبح هو المؤلف والمخطط والطابع والموزع في الوقت نفسه بلا وسائط وبلا حدود وبلا ضوابط أحيانا. يقول المفكر وعالم الاجتماع الفرنسي الشهير ألن توران (ان تشخيص الطباعة تعد الثورة المطبعية ـ والثقافية ـ الثانية بعد ثورة جوتنبرج مخترع المطبعة عام 1403 ميلادية. ويذكر المؤرخون ان الدافع الحقيقي لجوتنبرج كان اشراك الفقراء في تلقي الثقافة والتعليم, اللذين كانا مقصورين على البرجوازية الأوروبية, ونعتقد ان الثورة الثانية في هذا العصر ـ أي تشخيص الطباعة ـ سببها الرئيسي ليس بعيدا أو مختلفا عن سبب اختراع جوتنبرج, فقد وفر الكمبيوتر للناس جميعا امكانية لا تلقي المعلومة فحسب بل إرسالها, ولا قراءة المطبوعة فحسب بل تصنيعها وترويجها, وهذه هي الديمقراطية الفكرية الحقيقية. فالديمقراطية نحصرها عادة في حرية الانتخاب السياسي, لكن معناها أعمق وأبعد غورا على صعيد الثقافة الانسانية, لأنها بفضل تشخيص الطباعة تصبح سلوكا ثقافيا شخصيا ـ أي على صعيد الحرية الشخصية ـ ثم تصبح أداة معولمة أي بلا حدود, فقد مضى الزمن الذي تضع فيه الدول جهاز الجمارك ليغربل وينتقي ويختار ويمنع وهو يؤدي عمله في المطارات والموانئ والحدود. مضى هذا الزمن إلى غير رجعة وأصبحت الدول تحتار وتفكر كيف تقنن هذه الدروب الاعلامية ـ كما ترجمها عن الطرقات الريعة للاعلام الزميل الأستاذ الدكتور نبيل الجردي , فالعالم يضم اليوم عددا لا يحصى من شبكات الاتصال التي سماها بيل جيتس الجهاز العصبي الالكتروني لحضارة هذا العصر, فأحدثت الطباعة المشخصة ثورة كبرى على صعيد الاقتصاد تمثلت في القدرة الفائقة على المنافسة عبر الأسواق الالكترونية الجديدة, وبلغت نسبة المبادلات التجارية عبر الانترنت نسبة 32% في الولايات المتحدة و 14% في الاتحاد الأوروبي في مجالات السياحة والطيران وأقراص السي دي والعطور والمقتنيات الفاخرة. أماعلى صعيد الثقافة والهوية فإن تشخيص الطباعة أصبح مشكلة وحلا في الآن ذاته, أصبح مشكلة للثقافات الهشة الضعيفة الخائفة المترددة وأصبح حلا للثقافات الصلبة القوية الجريئة الحازمة, وعلينا اليوم ان نختار ـ نحن العرب ـ إلى أي صنف ننتمي وبالطبع لا يمكن ان نطمح إلى ثقافة غالبة إلا بتحقيق وحدتنا سياسيا وامتلاك المعرفة الحديثة ثقافيا, ثم علينا ان نتساءل لماذا دخلت أمم مثل اليابان وكوريا وماليزيا وتايلاند وسنغافورة والهند وجنوب أفريقيا إلى رحاب الحداثة الالكترونية بفضل اقرار ثورات معرفية عميقة وسريعة في تربيتها وثقافتها واقتصادها وظللنا نحن نراوح بين القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين بعقلية القرون الوسط, أي اننا لم نجب بعد على أسئلة طرحها منذ قرون طويلة كل من ابن رشد وابن خلدون ومن بعدهما الطهطاوي والافغاني والوزير خير الدين التونسي والكواكبي. مما يعني أننا لا نتحرك ولا نتقدم, وهذه أم المعضلات التي شغلتنا عنها (أم المعارك) .