مرة اخرى يطلق الشيخ زايد دعوة جديدة للمصالحة العربية ولانعقاد القمة المؤجلة من سنوات, وتمر الدعوة في هدوء بعد ان استراح الجميع للوضع القائم. ومرة اخرى تتواصل جهود الدبلوماسية المصرية من اجل عقد المؤتمر الموعود, ورغم بعض النتائج التي تحققها الاتصالات , فمازال كل حديث عن القمة يرتبط بالعبارة التي دخلت التاريخ العربي واستقرت فيه وهي ان القمة ستنعقد (بعد الاعداد الجيد لها) وهو ما اصطلح على ترجمته في السنوات الماضية بأنه (لا قمة الان) . وفي حوار تلفزيوني مع الرئيس الجزائري بوتفليقة, وضح الرجل المسألة بصراحة قد تجرح ولكنها توضح, قال إن القمة ستنعقد, لان المشروع الامريكي للتسوية في الشرق الاوسط يسير في طريقه وفقا للجداول الامريكية, وفي مرحلته الاخيرة لابد ان يدعى القادة العرب للموافقة على ما تم (!!) فلماذا يتساءل بوتفليقة, ينتظر العرب هذه اللحظة؟ ولماذا لا يجتمعون من الان بدلا من انتظار استكمال الخطة الامريكية؟ والاجابة موجودة داخل السؤال, ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهكذا يغيب الموقف العربي, وتفعل اسرائيل المدعومة امريكيا ما يحلو لها, وتتوقف المباحثات الاسرائيلية السورية, وتتعرض المباحثات بين باراك وعرفات للازمة المعتادة التي تسبق موافقة السلطة الفلسطينية على ما تريده اسرائيل, ومع كل ذلك فان المخطط الامريكي يسير في طريقه, والضغوط الامريكية على العرب تثمر حصادها المر, وتنعقد المباحثات متعددة الاطراف في موسكو تحت مقولة ان هناك تقدما على المسارات الفلسطينية والسورية (هل رأيتم تقدما .. وما ثمنه؟) وان هذا التقدم لابد من تشجيعه, ويتم الاتفاق على تفعيل اللجان المختلفة لخدمة الاهداف الامريكية ـ الاسرائيلية, أما اللجنة الوحيدة التي تمس اسرائيل وهي لجنة الحد من التسليح ووقف انتشار الاسلحة غير التقليدية, فيتم تعطيلها. ويتم بعث (الشرق الاوسطية) من مرقدها, ويبدأ الاعداد للمؤتمر الجديد المقرر عقده في مصر في الخريف المقبل, والذي اعلنت مصر انها تشترط لانعقاده ان يتحقق تقدم جوهري في التسوية السياسية, وهو ما تعارضه امريكا التي لا تريد الربط بين تحقيق التسوية السياسية وبين فرض التعاون الاقتصادي مع اسرائيل على العرب. وقد وضح الموقف تماما في مؤتمر (دافوس) حين وقف (المعتدل) الاسرائيلي شيمون بيريز يطالب بتسريع العمل في مشروعه الشرق اوسطي الذي يفرض الهيمنة الاسرائيلية (وخاصة الاقتصادية) على المنطقة, فاذا به يتحدث عن اسرائيل البقعة المضيئة الثرية النظيفة وسط محيط من القذارة والفقر في العالم العربي, ليكشف بذلك ليس فقط عن العنصرية الصهيونية المعروفة, وانما ايضا عن المستقبل الذي تريده للمنطقة تحت قيادتها, فالمطلوب ببساطة ان تنفتح الاسواق العربية لاسرائيل, وان تستول اسرائيل على المال العربي لتستغله في مشروعات تعدها بحيث تكون هي المركز التكنولوجي والعقل العلمي للمنطقة, ولهذا يتم التركيز على منطقة الخليج, ويتم التأكيد على انشاء البنك الاقليمي للاستثمارات في الشرق الاوسط, ليكون البديل عن المؤسسات العربية القائمة, وليكون الوسيلة لاحكام السيطرة الصهيونية (الامريكية والاسرائيلية) على الاقتصاد العربي. ولأن بيريز هو العقل المفكر لهذا المخطط فلا ينبغي ان يمر حديثه مر الكرام, فبيريز هو الذي قدم مشروعه بان ما لم تحققه اسرائيل بالقوة العسكرية تستطيع تحقيقه بالاقتصاد, وبيريز هو الذي وضع صيغة المال العربي والاسواق العربية والايدي العاملة الرخيصة مع العبقرية, الاسرائيلية والنفوذ الصهيوني والتكنولوجيا المتقدمة ليحاول استدراج العرب, وبيريز هو الذي قال بوقاحة قبل ذلك ان العرب جربوا قيادة مصر نصف قرن, فلماذا لا يجربوا قيادة اسرائيل؟ ناسيا ان العرب (بمن فيهم مصر) كيان واحد, قاتلوا معا, ونهضوا معا, وانهزموا وانتصروا معا, وقاموا جميعا (على مدى نصف القرن الماضي الذي يتحدث عنه) من طاعون صهيوني اغتصب الارض والحقوق واستنزف الطاقات العربية وأدى أسوأ دور في اجهاض النهضة العربية وحصار الجهود التي تم بذلها من اجل التنمية والاستقرار والتقدم. وقاحة السيد بيريز قديمة, وافكاره واضحة ومعلنة, ولعله بما اكده في دافوس يفتح عيون اهل الغفلة وانصار الهرولة على المصيبة التي تعد للعرب, والجريمة التي يجري تدبيرها. والرد على بيريز وما قاله سهل, لكن الرد على مشروعه هو الاهم, واذا كان وزير الخارجية المصري عمرو موسى قد لقنه درسا جعله يحاول التراجع عن هذه التصريحات الوقحة, فان الاهم ان يدرك العرب حقيقة الموقف, وان يتعاملوا مع اسرائيل كما تستحق فهي ليست معجزة وانما هي ثكنة حربية وقلعة صنعتها امريكا ومولتها وانفقت عليها ومازالت لتؤدي دورها المطلوب, وقد ادته ـ والشهادة لله ـ كما ينبغي, واستفادت من الدعم الامريكي الهائل والسيطرة الصهيونية على مراكز القرار في الغرب, لتحقق ما حققته, وهو امر لا يمكن ان يستمر الا اذا وضع العرب انفسهم تحت المقصلة الصهيونية, وقبلوا مشروعات التسوية المهينة التي تفرض عليهم ليس فقط التنازل عن حقوقهم وارضهم المغتصبة, ولكن التنازل ايضا عن المستقبل, ووضع انفسهم في بيت الطاعة الصهيونية. المطلوب من العرب الان المشاركة في جريمة تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين والتنازل عن المياه والبترول لاسرائيل, ووضع كل مفاتيح المستقبل في يد السيد بيريز فيغير بحر القذارة والتخلف العربيين. ولكي تستعد اسرائيل للدور الجديد فقد تم تزويدها بكل عوامل القوة العسكرية والاقتصادية, وتوالت اخيرا صفقات السلاح فائق التقدم, ورشتة الانسحاب من الجولان ستكلف امريكا 17 مليار دولار, اما الانسحاب من الضفة فلابد ان يكون ثمنه اكبر, ورغم ان امريكا تحصل على ما تقدمه لاسرائيل باليمين من العرب بالشمال, بترولا وصفقات اسلحة واموال في خدمة الاقتصاد الامريكي, رغم ذلك فالطلبات الان تزيد, واولبرايت تطالب العرب بان يشاركوا في دفع ثمن الانسحاب من ارضهم المحتلة. وان يشجعوا باراك بالمضي في الهرولة إلى تل ابيب وتفعيل التعاون الاقتصادي من خلال المؤتمر الاقليمي حتى لو توقفت المباحثات وامتنعت اسرائيل عن الانسحاب من الجولان أو اصرت على اغتصاب القدس والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. اما السيد بيريز فقد ركز في (دافوس) على امرين: الاستثمارات المشتركة والتطبيع في مجال التعليم وهو الهدف الاساسي القادم للاستراتيجية الاسرائيلية, وقد رد عمرو موسى وزير الخارجية المصرية على وقاحة بيريز, ولكن الاهم كان رده على مقترحاته, فقد قال ان المؤتمر الاقتصادي للشرق الاوسط وشمال افريقيا يطرح كمؤسسة مسئولة عن سياسات المنطقة لعقود طويلة, وهذا ـ كما اكد موسى ـ غير وارد عربيا, فهذا المؤتمر نشأ لتشجيع عملية السلام التي يفترض ان تتم خلال عامين وليس العكس, واكد موسى ان السير بالمؤتمر في اتجاه اخر بعيدا عن السلام وكأنه مؤسسة قائمة بذاتها ليس واردا ولن يسمح به احد. وهذا حديث هام وموقف يتم توضيحه لاول مرة بهذه العلانية والحسم, والاهم هنا ان يكون هذا الموقف تعبيرا عن ارادة عربية والا يرضخ البعض للضغوط الامريكية ويخرج على الصف ان التمسك بهذا الموقف ينسف المخطط الاسرائيلي من اساسه, ويطرح رؤية ترفض قيام المنظمة الشرق اوسطية التي يحلم بها بيريز, وتؤكد على ان ما يجري داخل المؤتمر الاقتصادي الشرق اوسطي هو مجرد جهد لدفع عملية السلام حتى يتحقق, وبعدها يصبح لكل حادث حديث, ولكل موقف متطلباته. واظن ان هذا الموقف سيكون جوهر الصراع داخل المؤتمر في دورته القادمة اذا انعقدت في شرم الشيخ بمصر كما هو مقرر, وان جهودا امريكية ـ اسرائيلية ـ أوروبية ستتم في الاتجاه المعاكس, ومن هنا يصبح التساؤل واجبا عن كيفية بناء موقف عربي في ظل الظروف القائمة, ومع الوضع في الحسبان ان احتمالات السير في التسوية السياسية وفقا للجدول الزمني الامريكي مازالت قائمة. ان ذلك يعيدنا إلى بداية هذا الحديث, إلى جهود المصالحة العربية التي مازالت تتعثر. إلى الدعوات المتكررة من مصر والامارات, ومن الشيخ زايد والرئيس مبارك التي تصطدم في النهاية بالعبارة التي لم تعد تسر احدا (ستنعقد القمة بعد الاعداد الجيد لها) . ثم إلى تصريحات بوتفليقة التي وضعت الملح على الجرح, خاصة انها تتم في ظل نشاط امريكي يتركز على شمال افريقيا ويحاول الربط بين العلاقات مع امريكا والمرور من البوابة الاسرائيلية, ثم نسأل مع السائلين: هل سننتظر حتى تقع الواقعة ثم تنعقد القمة للتوقيع على صكوك التنازل, ام نسبق الكارثة ونحاول انقاذ ما يمكن انقاذه, ونستعد لما هو قادم, ونضع انفسنا على اول طريق الخلاص؟ وشكرا للسيد بيريز فقد كشف ـ بوقاحته ـ بعض الحقيقة التي جاهد البعض ومازالوا لاخفائها, واظهر لنا كيف يفكر المعتدلون الاسرائيليون, وكيف ينظرون إلى العرب, ليدرك الجميع ان الفرق بين بيريز ونتانياهو هو الفرق بين قاتلين يمسكان بنوعين مختلفين من المسدسات, الاثنان يؤمنان بانهما يمثلان (الشعب!) المتحضر الغني النظيف في بحر من الجهل والقذارة والتخلف العربي. نتانياهو كان يؤمن انه قادر على فرض الارادة الاسرائيلية, وبيريز (ومعه باراك بالطبع) يؤمن بأن الافضل ان يأتي العرب طائعين, وهو ما يفعله البعض اليوم حين يرفعون شعارا يقول: كل خطوة اسرائيلية, نقابلها بخطوتين, ورغم ان اسرائيل لا تخطو الا إلى الخلف, فان الخطوتين تتحولان إلى هرولة وتجارة و(بزنس) مالي وسياسي تدفع الامة العربية كلها ثمنه, ومضاعفا. ان وقاحة بيريز وتسويف باراك تفضح الامر كله, فالمعتدل عند الصهاينة عنصري حتى النخاع, والمشروع الصهيوني مازال كما هو, وتصفية القضية الفلسطينية ليس الا مرحلة, والمطلوب تصفية العرب واقامة النظام الجديد للمنطقة بزعامة اسرائيل وهيمنة امريكا, والخطة تسير على ما يرام, ولكن الموقف الصدامي الذي برز في دافوس يعيد طرح الامر, ويبقى على الانظمة العربية ان تختار, فاما ان تستعد للمواجهة المصيرية, أو تنتظر عقود الاذعان التي تمليها السياسة الامريكية ـ الاسرائيلية على حساب العرب ومصالحهم, بل ووجودهم نفسه. والخيار صعب, والحسابات كثيرة, والتاريخ لا يرحم, والشعوب ايضا.