لم يكن من المقدر ان اقترب من هذا الموضوع لتشابكه ودقة منعطفاته, لولا صدور كتاب في الاردن للكاتب الصحفي الاستاذ توفيق ابو بكر يحمل عنوان (الفلسطينيون في الكويت وازمة الخليج) وهو كتاب يقل حجمه عن مئتي صفحة اوصي كل مهتم بالشأن العام ان يقرأه لسببين على الاقل : الاول اهمية الكتاب, والثاني ان ما اعرضه هنا هو ملخص غير واف لما جاء فيه من معلومات وافكار ودروس تستحق ان ينظر اليها بدقة, وان تناقش بتؤدة. لقد قرأت الكتاب بعقل وقلب مفتوحين, وانا اعرف كاتبه, فهو صديق للعديد من اهل الكويت وناقد محب, وبعد الفراغ منه وجدت بشكل عام ان لدي ملاحظتين: الاولى ان ما قاله في الكثير من صفحات الكتاب هو قول انطباعي وفي القليل منه توثيقي, وكنت اود ان يحظى بتوثيق اكثر مما هو عليه, حيث ان الموضوع كبير ومتشعب, اما الملاحظة الثانية فإن الكتاب محاولة جادة لقراءة هذا الملف الشائك, وان تأتي هذه المحاولة من كاتب فلسطيني ورجل مسيس ليقدم شهادة حق لا تخالجها في الكثير مما كتب عواطف شخصية, هو شهادة لما قدمته الكويت والخليج ايضا من دعم ومناصرة للقضية الفلسطينية على اوسع نطاق, لم يكن مقدرا لهما ان يقابلا بالمثل من بعض قيادات العمل الفلسطيني التي (أكلت الغلة وشتمت الملة) , كمايقول المثل الجزائري. وصيتي للقراء المهتمين بالموضوع قراءة الكتاب قراءة متبصرة وواعية دون الاعتماد على تلخيص له كما افعل هنا, وهي وصية نابعة من ان الموضوع على ضيقه ليس خاصا بالفلسطينيين في الكويت, وان بدا كذلك, ولكنه في جوهره دراسة عن العلاقات العربية ـ العربية كيف يمكن ان تكون وما المتوقع من الاطراف المختلفة ان تقدمه للاطراف الاخرى او تحجبه عنها. كما يطرح الكتاب من جانب آخر طرق التفكير السياسي للعرب, او لبعضهم على الاقل, في الازمات. ولعلني بعد هذه المقدمة التي بدت طويلة ولكن ضرورية, اختار بعضهم المعالم التي جاءت في الكتاب للوقوف امامها وتحليلها, كما رواها المؤلف لبيان وضع الفلسطينيين في الكويت خلال خمسة عقود من الزمان, وعلاقاتهم الشعبية والرسمية. واقف في البداية امام رواية رواها المؤلف صادقا تقول انه ككاتب كتب في الصحف الكويتية ما يضير الكويت في بداية عقد السبعينيات وكان ان طلبه احد المسئولين الأمنيين: (ان تفضل عندنا بعد غد للنظر فيما كتبته) وقد كتب مقالا ـ كما يقول ـ انتقد فيه الحكومة الكويتية ووزارة التربية (باسلوب قاس). قال انه اتصل بمسئول فتح في الكويت, فقام الاخير بالاتصال بالمسئول الكويتي وقال له ان ما كتبه (فلان) يعبر عن وجهة نظر المنظمة وبعدها اتصل المسئول الأمني الكويتي وقال له بالكاتب, ولم يلغ الموعد المضروب فقط بل اعتذر عن ذلك الطلب. هذه اشارة وان كانت عاجلة وسريعة من بين اشارات عديدة ولها نظائر كثيرة شخصية وجماعية, تنبىء بما توافر للفلسطينيين في الكويت, خاصة النشطين منهم, من حماية لم يحصلوا عليها في اي بقعة من الارض العربية. ويضيف الكاتب في نص مباشر: (يجب ان نكون اوفياء ونعترف بان الكويت وفرت للفلسطينيين وغيرهم من المقيمين على ارضها الاستقرار والامن والحرية, ووفرت لهم حياة كريمة, حيث عاشوا آمنين مطمئنين, وعلموا ابناءهم في ارقى الجامعات, وتمكنوا من اعالة مئات الآلاف من الاسر في الاردن والارض المحتلة... وفتحت الصحافة الكويتية كل الابواب لاحتضان القضية الفلسطينية, حتى تحولت الى صحافة فلسطينية اكثر منها صحافة كويتية) . سياسيا كان سقف الحرية الذي سمح للفلسطينيين بان يماسوه في الكويت عاليا, واستخدم من اجل التنظيم والتمويل والانخراط في نشاطات خاصة بهم تؤدي لرص صفوفهم (دون اعتراض من الاجهزة المختصة) كما يقرر الكاتب, ولقد قام الفلسطينيون في الكويت بتجربة رائدة لتنظيم انفسهم لم تتكرر لا في الشكل ولا في المستوى او المضمون في مناطق كثيرة من مناطق الشتات, وهي تجربة انشاء صناديق تعاونية وخيرية لابناء القرى والبلدات الفلسطينية القاطنين في الكويت, ولقد زاد عدد هذه الصناديق على مئتي صندوق تقدم الدعم المباشر للداخل يقول الكاتب في هذا الصدد: (لقد كان الاقبال هائلا على الانتساب لهذه الصناديق والعمل التطوعي فيها, وكان دافعا للتنظيمات السياسية الفلسطينية للعمل في اوساط هذه الصناديق, وكانت تقدم الدعم المباشر للداخل لقد كان الدعم الحكومي الكويتي للعمل الفلسطيني بكل اشكاله ومراميه دعما يحتاج تفصيله الى اسفار, وسيعود اليه المؤرخون ليحفلوا بوقائع قد لا تصدق ان رويت دون توثيق وتحفل مذكرات القادة الفلسطينيين مختلفي المشارب, والتي بدأت تظهر علينا بما يثبت دور الكويت في احتضان نشاطهم, وتقديم الرعاية والدعم والحرية في التمويل والاعلام للحركات الفلسطينية الناشئة في الستينيات والسبعينيات ما لم يتوافر لها في اي ارض اخرى, وهي شهادات كررها ابو داود وابو اياد, بل اعلنها ياسر عرفات في العشرات من الخطب. واما عن الدعم الشعبي فيكفي ان اورد القصة التالية كما رواها المؤلف, ودون تعليق, وان كانت شخصية حيث لا اريد ان اغادر هذا الموضوع دون ان اذكرها, وهي قصة انسانية رسخت في ذاكرتي على الرغم من ان الكاتب ذكرها في الصفحات الاولى من الكتاب وهي تقول: (جاء رجل الاعمال الكويتي محمد عبدالرحمن البحر الى مكتب المحامي محمد عياش ملحم, وطلب ان يراجع وصيته لدى المحامي المذكور, وجاء في الوصية ان الرجل يوصي بعد وفاته بدفع حوالي ستة ملايين دينار (20 مليون دولار) للجامعات الفلسطينية الست في الاراضي المحتلة, كان ذلك في صيف 1989 وبعد الاحتلال العراقي للكويت انتقل الرجل الى لندن والتقى المحامي ملحم في العاصمة البريطانية في مايو 1991 وعاتب الصديق الكويتي صديقه الفلسطيني على موقف القيادة الفلسطينية والتي لم تقف مع شعب الكويت في محنته, ثم قال: اني اود اخبارك بأني ما زلت مصرا على وصيتي التي راجعت وثائقها في مكتبك فيما يتعلق بجامعات الداخل, لقد كانت عائلتي مع بعض عائلات الكويت ومنها عائلة الصقر قد استقبلت الحاج أمين الحسيني في الثلاثينيات وجمعنا تبرعات لثورة 1936 وهذا أمر نعتز به, تلك هي الرواية التي أوردها الكاتب, وهي تقدم دلالة واضحة على موقف مبدئي. يتحدث المؤلف عن الفقر والغنى, ويشير إليه كواحد من العوامل التي حقنت بعض قطاعات الرأي العام العربي إبان محنة الاحتلال, ولكنه ما يلبث ان يناقش فصلا محزنا وغير انساني ويعبر عن مدى غياب الوعي في هذا الأمر, وهو يصف ما لاقاه فلسطينيو الكويت من اخوانهم فلسطينيي الأردن من عنت عند عودتهم, وهو يناقش هذا الموضوع من قبيل تحليل ظاهرة عربية مقيتة, وأدلجة عمياء, فقد رسخ في أذهان الكثيرين ان فلسطينيي الكويت أغنياء والآخرين الذين الذين لم يغادروا البلاد المحيطة بفلسطين فقراء, وقد ظهرت الشماتة من الفقراء تجاه الأغنياء عندما جاؤوا على رغم القرابة والجذور المشتركة وهو موضوع انساني وأيديولوجي بالغ الدقة, وربما يحتاج إلى الكثير من التحليل المتعمق لسبر غور هذه الظاهرة المأساوية, وكيف تم غرس الفهم الخاطئ في صلب السياسة العربية تحت شعار (للغني رب وللفقير رب آخر) وكيف سمم هذا الموضوع العمل السياسي بين الدول العربية. والمشهد هنا ليس بين أبناء دولتين اختلف فيهما توزيع الثروة, ولكن بين شعب واحد جزء منه وجد فرص عيش كريم وآخر لم يسع لايجاد هذه الفرصة, وأورد هنا قصتين باختصار رواهما المؤلف لهذا الموقف العبثي: الأولى كما كتب (موقف نقابة المحامين الأردنيين على سبيل المثال (كما يقول) وليس الحصر, فقد اقترحت على رئيس الوزراء تعديل قانونها لينص على بند يمنع بموجبه الحصول على عضوية النقابة لمن تجاوز الأربعين, وكان الهدف هو إغلاق باب العمل أمام المحامين القادمين من الكويت) ! أما القصة الثانية فهي لأحد كبار المحامين الدوليين, وهو شخصية معروفة أدار مكتبا ناجحا في الكويت ويتعاون مع كبار المحامين في العالم, ومع ذلك (أجبر على التدريب في عمان في مكتب محام) , وبعد جدل وتدخل من سلطات عليا, سمح له بالتدريب فقط وليس العمل! قصص من هذا النوع كثيرة, وربما يحتاج الأمر إلى أكثر من كتاب توفيق أبوبكر لسبر غورها وتفسيرها, ولكنها تسقط ـ من جانب آخر ـ ما رفعته القيادة العراقية من شعار توزيع ثروة العرب تبريرا لفعلها الشنيع. لقد أدان المؤلف موقف منظمة التحرير من أكثر من جانب جراء وقوفها مع الظلم, والادانة جاءت من زاوية المصالح الفلسطينية كما يراها, فلا يجوز في نظره ان تقف منظمة تمثل شعبا يطالب بتحرير وطنه من احتلال موقف الموافق على احتلال آخر. ويسهب المؤلف في تفصيل هذا الأمر, سواء من موقفه الشخصي أو موقف القيادات الفلسطينية المختلفة من موقع العارف بالتفاصيل, ويناقش قضية مهمة لها علاقة بالعمل العربي السياسي, وهي هل يجوز للقيادات ان تنساق وراء آراء الجمهور, حتى لو كان هذا الجمهور على خطأ بين؟ هذا السؤال لا يزال يطرح في أوساط عديدة في العمل العربي السياسي, فالجمهور في أوقات قد يغذى بأفكار خاطئة تكون القيادات ضحية لها عندما تتبعها وتنقاد لشعاراتها, وبالتالي تفرط في مصالح شعبها على المدى الطويل. كما يناقش المؤلف قضية ما سمي وقتها بالربط, أي ربط الانسحاب من الكويت بانسحاب سوريا من لبنان واسرائيل من الضفة الغربية وهنا يبرز التكتيك السياسي الانتهازي الذي تبنته القيادة الفلسطينية ويأتي بالأمثلة التي شارك في بعضها, كما يفند مقولة سياسية أصبحت ظاهرة للعيان, وهي ان مسيرة السلام لم تكن بسبب ما فعله النظام العراقي, بل هو أضعف بجريمته امكانيات سلام عادل, ولقد تكرر هذا المعنى واستمعت اليه, اخيرا, في لقاء المثقفين المصريين مع الرئيس حسني مبارك, حيث قال ان ما عرض في كامب ديفيد كان يمكن ان يحقق انسحابا اسرائيليا اكثر مما يتفق عليه الآن, ولعلنا نذكران اتفاقية كامب ديفيد قد وقعت قبل سنوات عدة من احتلال العراق للكويت. المؤسف حقا ان ما تحقق للفلسطينيين حتى الآن, وما يمكن ان يتحقق في سقفه الاعلى لا يزيد على ربع فلسطين التاريخية ونصف ما وعد به قرار الامم المتحدة بشأن التقسيم, وما قد يتحقق هو الحصول على جزء بسيط مما كان تحت يد العرب, قبل ان يقرر (الباباوات) ان يشنوا حرب التحرير! انها مأساة وملهاة التاريخ العربي الحديث. على رغم مطالبة المؤلف بالتوعية, وعلى رغم توخيه الدقة في السرد, فان المؤلف يقدم نقدا ينزلق في بعضه الى حد التبرير, وهو موقف انساني معروف. وفي بعض ما كتب من نقده, نقاط تحتاج الى مناقشة ليس مكانها هنا الآن. ولكن في نهاية الامر المقصود من هذا المقال هو إلقاء ضوء على هذا الكتاب المهم, وعلى اهمية قراءته لما يتضمنه من مضامين تتعدى القصد المباشر لتصل الى دروس احرى بنا جميعا ان نستوعبها.