الخطوة الاصلية ـ تحرير الكويت ـ كانت قرارا عربيا. لكن ما ان حدثت ضربة البداية حتى اتضح ان الخطوات اللاحقة لم تكن شأنا عربيا تماما. وهكذا ما بين عام 1990 وختام القرن العشرين استحق هذا العقد الاخير من القرن ان يكون العقد الامريكي الاسرائيلي في العالم العربي . الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت عند اواخر عام 1987 بفجائية اذهلت حتى عرفات وصحبه في مقر منظمة التحرير في تونس بعد ان اخذتهم على حين غرة. ووقوع الاحتلال العراقي لاراضي الكويت وتداعيات حرب الخليج كان ايذانا بحلول العد التنازلي للانتفاضة. لقد (فرملت) الحرب مسار الانتفاضة لسببين: اولا, لان التحدي العراقي الفارغ لقوات (التحالف الدولي) بقيادة الولايات المتحدة افرز لدى قطاعات الشعب الفلسطيني شعورا زائفا باقتراب النصر النهائي على اسرائيل المسنودة امريكا, وتصاعد هذا الشعور عندما عبرت صواريخ (سكود) الاجواء انطلاقا من غرب العراق لاصابة اهداف داخل اسرائيل. اما السبب الثاني فهو ان الهزيمة الماحقة التي تلقاها العراق افرزت مشاعر يأس لدى القيادة الفلسطينية مما هيأها نفسيا للاقبال على مرحلة التنازلات اللاحقة. ولذا يصح ان يقال ان اتفاق اوسلو في عام 1993 نتيجة مباشرة للمتغيرات السياسية التي انتظمت في العالم العربي من محيطه الى خليجه عقب حرب الخليج الثانية. وما يترتب عليه بعد ذلك من انحراف عربي صوب اسرائيل لم يكن سوى تسلسل لتداعيات حتمية. لقد ادت نتيجة الحرب الى رفع الاسهم السياسية للولايات المتحدة في العالم العربي, وبالتالي اتساع نطاق نفوذها. ولم يضع وزير الخارجية الامريكية جيمس بيكر وقتا في استثمار هذه الظروف المستجدة لأقصى حد ممكن لتحقيق تصالح عربي اسرائيلي وفقا للشروط الامريكية الاسرائيلية, حتى ذلك الحين كان الشرط العربي الاساسي للدخول في اية مفاوضات سلام مع اسرائيل هو الا تجرى مثل هذه المفاوضات الا تحت مظلة مؤتمر دولي يشارك فيه الاتحاد السوفييتي على قدم المساواة مع الولايات المتحدة كراعيين للعملية التفاوضية وفي اطار قرارات الامم المتحدة بشأن الشرق الاوسط وخاصة القضية الفلسطينية. واذا كانت واشنطن قد نجحت في اخراج (مؤتمر مدريد) ليكون مجرد خطوة شكلية تحمل الصفة الدولية لتفضي الى مفاوضات مباشرة خارج اطار الشرعية الدولية فلانها وجدت الاطراف العربية مهيأة نفسيا للانكسار السياسي. وبنظرة الى الوراء نكتشف الآن ان الانقسام العربي لم يكن في يوم من الايام اسوأ مما كان عليه في اعقاب حرب الخليج الثانية. فقد انقسمت الامة العربية الى فريقين متواجهين بسبب تشتت الارادة الجمعية تجاه الحرب. وهكذا تسارعت التطورات وفق سيناريو امريكي اسرائيلي.. يكرس يوما بعد يوم حالة الشقاق العربي المزرية. فقد تبلور اتفاق اوسلو بصورة سرية على خلفية (مفاوضات المسارات) في واشنطن.. وبذلك كان هذا الاتفاق الفلسطيني الاسرائيلي ضربة للمسارين الاردني والسوري استفاد منها الطرف الاسرائيلي.. فجرى ابرام اتفاق وادي عربة مع الاردن في السنة التالية مباشرة لاتفاق اوسلو. وبعد اكتمال تحييد ثلاث جبهات عربية ـ مصر وفلسطين والاردن ـ اصبحت اسرائيل جاهزة لمواجهة سوريا. ولان هذه الاطراف الثلاثة تضم الطرف الفلسطيني صاحب القضية الاصلية فان الحرج قد رفع عن اية دولة عربية كانت تراودها فكرة الاعتراف باسرائيل جزئيا او كليا, اما من تلقاء نفسها او بسبب ضغوط امريكية. خلال عشر سنوات فقط انتفت عن اسرائيل عمليا صفة (العدو الصهيوني) ... وتتطلع الدولة اليهودية الآن لتصير خلال السنوات العشر المقبلة (الشريك الاقتصادي)