استقبلت الخيط الاول من فجر الالفية الجديدة, بقلب مثقل بالمخاوف وضحكة مصنوعة, قلت لنفسي في اعقابها: اللهم اجعله خيرا.. هكذا يقول المصريون عادة كلما ضحكوا, لانهم تعودوا الا يدوم لهم صفاء, والا تتواصل لهم افراح, لذلك يستعينون بالله عند الفرح وعند الحزن . استعرضت في ومضات سريعة ما يجري على خريطة الامة والكون على كل صعيد فارعبني ما يجري, لكني ارغمت نفسي على التفاؤل. قلت لها معزيا: ليس في الامكان اسوأ مما هو كائن.. وليس هناك اشأم من الشؤم الرازح على قلوبنا, وقد عرفناه والفناه وتعايشنا معه, فالحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه. اشرت الى خريطة الامة, والى مبنى الجامعة العربية. دعوت: اللهم أصلح أحوال أمتنا. في الصباح ـ وعلى امتداد الايام الاولى من الالفية الجديدة ـ بدأت انباء السوء تترى: طالعتني اكبر الصحف الاسبوعية المصرية واكثرها انتشارا بمقالين يطالب اولها بأن تستأنف مصر الرسمية والشعبية, خطوات التطبيع مع اسرائىل, لكي تجني ثمار السلام, ويطالبها الثاني بألا تهتم بأحد وتبيع غازها الطبيعي فورا لاسرائىل لأن الدنيا مصالح.. ووقعت اشتباكات بين الجيش اللبناني وعناصر من مجموعات اسلامية متطرفة, متعددة العقائد, اسفرت ـ حتى الآن ـ عن خمسة عشر قتيلا. وخنقت راهبة مارونية في حادث غامض واعلنت الكنيسة التابعة لها اغلاق ابوابها لمدة يوم احتجاجا على ما جرى لها. وفي سوريا شنت الحكومة حملة اعتقالات شملت عدة مئات ينتمون الى تيارات اسلامية ويساريين الى بعض الفصائل الفلسطينية توخيا لحدوث عمليات تخريبية بمناسبة استئنافاتها لمفاوضات السلام مع اسرائيل. ووقع انفجار غامض في (مخيم عين الحلوة) في بيروت ـ واطلق مسلح فلسطيني صاروخين (آر.بي/جي) على السفارة الروسية في بيروت احتجاجا على حصار (جروزني) , ودنس متطرفون يهود قبر الشيخ عز الدين القسام في يافا.. ورسموا عليه الصليب المعقوف. بين الخبر والآخر, كنت طرفا في اتصالات هاتفية اتبادل فيها التهاني مع الاصدقاء بالعام الجديد. وكانوا يقولون: سنة حلوة يا جميل وكنت اقول: سنة مش حلوة يا جميل. اما الذي ازعجني اكثر من غيره وكدّر علي, وقوض الامل في ان استعيض ببهجة تواكب عيد الفطر لدى المسلمين, وعيد الميلاد لدى المسيحيين, عن بهجة بداية الالفية, فهو اخبار الحوادث التي وقعت بقرية (الكشح) بصعيد مصر. وطبقا للبيانات الرسمية وغير الرسمية, التي صدرت حتى الآن, فقد بدأت الاحداث عصر اليوم الاخير من القرن الماضي, بواقعة تافهة, كتلك التي بدأت بها (احداث خيطان) بين الصعايدة والكوايتة في اخر ذلك القرن. فقد ذهب مواطن مسلم, من مواطني القرية ليشتري أقمشة من متجر يملكه احد اقباطها, فحدثت بينهما مشادة, اعتدى خلالها المشتري بمساعدة اثنين من اشقائه على التاجر.. الذي اصر على ان يشكوهم الى الشرطة, لكن ما كاد يغادر متجره, حتى هجم المتجمهرون على الدكان فنهبوه, وفي دقائق كان النهب قد امتد الى المتاجر المجاورة التي يملكها الاقباط, واطلق احد الخفراء ـ واسمه ا(التايه) ـ النار, بدون تعليمات, لكي يفض التجمهر فيما يبدو, فطاشت رصاصاته واصابت ثلاثة من الاقباط! وبسرعة مذهلة ومريبة, اتسع نطاق العدوان على ممتلكات لافراد من الاقباط.. ومنذ تلك اللحظة, وحتى العاشرة من صباح اول ايام القرن الجديد, كان هذا العدوان قد شمل 24 محلا تضم ورشا للحدادة والخياطة واصلاح السيارات وصيدلية وستوديو للتصوير ومتاجر للاقمشة وللبقالة ومخزنا للاسمدة الكيماوية والغلال والحديد, وتراوح بين اتلاف واجهات المحلات.. وبين سرقتها ونهب محتوياتها بالكامل وحرقها وتدميرها.. وكان قد امتد ـ كذلك ـ الى المنازل التي تعرضت للقذف بالطوب ولالقاء كرات النيران المشتعلة وتحطيم المصابيح الخارجية والابواب. اما وقد تدفقت قوات الامن على القرية في اعقاب ذلك, فقد مضى اليوم الاول من العام الجديد, من دون ان يحدث فيه شيء.. ولكن الاحداث تجددت صباح اليوم التالي (الاحد) , واذا بالاسلحة النارية تظهر على اسطح المنازل, واذا بالاسلحة البيضاء تبرز في الايدي لينتهي يوم الاحد الدامي بمصرع 18 مسيحيا ومسلم واحد, ومواطن مجهول ـ لعله رمز للوطن الذي لا يفرق بين ابنائه ـ واصابة 14 مسيحيا و19 مسلما واحراق 78 متجرا.. وطارت الانباء الى القرى المجاورة, فكادت الاحداث تمتد اليها, وحدثت فيها احتكاكات قليلة, لكن الحكمة تغلبت.. فلم تتسع الأمور لأكثر مما حدث. وما حدث في (الكشح) ـ هذه المرة ـ يختلف عما حدث فيها منذ خمسة عشر شهرا ـ وفي اغسطس 1998 ـ لان ما جرى فيها آنذاك كان يتعلق بتجاوزات قام بها بعض رجال الشرطة اثناء تحقيقهم في قضية قتل عادية, تركزت خلالها شبهاتهم على مواطنين من الاقباط, فقاموا باساءة معاملتهم, لأن وقوع مثل هذه التجاوزات في تعامل بعض افراد جهاز الشرطة مع الموطنين, ليس مما يختص به الاقباط دون المسلمين, وهو من دلائل المساواة بين عنصري الامة كما يختلف ـ كذلك ـ عما كان يتعرض له الاقباط من عدوان على اشخاصهم او ممتلكاتهم خلال النصف الاول من التسعينيات, وابان تصاعد الحوادث الارهابية, اذ كانت الدولة هي الهدف من هذه العمليات.. وكان تفويض النظام الحاكم واظهاره بمظهر العاجز عن السيطرة على الامور, هو الدافعية وراء اتخاذ بعض فصائل الاصوليين الاسلاميين للاقباط اهدافا لعنفهم, شأنهم في ذلك شأن السياح الاجانب لما يثيره العدوان عليهم من اهتمام اعلامي وقلق سياسي على الصعيد العالمي وخاصة في الدوائر الغربية الصديقة. واقرب الامثلة لما وقع في (الكشح) هذا الاسبوع, هو حادث الزاوية الحمراء, الذي وقع في 13 يونيو ,1981 وبدا بشجار بين سيدة مسيحية القت مخلفات من شرفة مسكنها الى الشارع, فلوثت ملابس مغسولة نشرتها جارتها المسلمة في شرفة مسكنها الذي يقع في الدور الاسفل من البناية نفسها, وتطور الشجار من السيدتين الى الزوجين, ثم اتسع نطاقه, وانتشرت اشاعة كاذبة بان المسيحيين حرقوا مسجدا, وان المسلمين احرقوا كنيسة, فنشبت المعارك بين الطرفين واستخدمت فيها العصي والاسلحة النارية والطوب, وكانت الحصيلة 10 من القتلى منهم 4 مسلمون و5 مسيحيون, وكان من بين الضحايا كذلك مواطن لم يعرف احد ديانته, لانه لم يكن يحمل بطاقة شخصية, ووصل عدد المصابين الى 54 مصابا.. خطورة حادث الكشح هذه المرة انه الاول منذ حادث الزاوية الحمراء, وعلى هذا الاساس ينبغي ان ننظر اليه وان نتعامل معه في ذاته, وان نتقصى كل الظروف المحيطة به, بحثا عن الحقيقة ايا كانت ومهما كانت مؤلمة, ومن دون اية محاولة لاخفائها او للتحايل لكي يتحمل طرف المسئولية دون بقية الاطراف, او لتبرئة كل الاطراف, كما يحدث عادة في مثل هذه المسائل الحساسة بتبويس اللحي والطبطبة على الاكتاف, وانه حادث عرضي, وان كل شيء تمام التمام و24 قيراطا.. لان ذلك كله سيكون صحيحا وصحيحا بقدر ما تبذل من جهد لمعرفة الحقيقة. واسوأ ما يمكن ان نفعله هو ان نستسهل ـ كالعادة ـ القاء تبعة ما حدث على طرف خارجي, وان نكرر الحديث المعاد عن الخطة الامريكية الاسرائيلية لتحويل كل دول المنطقة الى كانتونات طائفية, وان نربط بينه وبين دخول التسوية مع اسرائيل الى مرحلتها النهائية, وبين محاولة استعمال العنف في لبنان, ولذلك كله قد يكون واردا, ولكنه لا يعفينا من المسئولية عن غفلتنا.. وعن مساهمتنا بوعي او بدون وعي, في انجاح خطط المتآمرين! ما نواجهه اليوم هو الثمرة المرة, لاصرارنا على خديعة النفس وعلى الهرب من الحقائق, فعندما وقعت احداث الكشح قبل خمسة عشر شهرا, لم يحاول احد ان يتقصى حقيقية الشكوك التي تقول بان وراء جناية القتل التي وقعت عناصر, يختلط فيها ما هو متطرف بما هو قبلي, وان التجاوزات التي قام بها افراد من الشرطة كانت تستهدف استبعاد هذا الاحتمال. ومع ان هذه الشكوك قد لاتكون صحيحة, الا ان ما حدث هذا الاسبوع, لا يمكن ان يكون قد نشأ من فراغ, او انبعث من العدم وليس هو النتيجة المنطقية لخلاف تافه على ثمن بضاعة, او لمجرد رصاصات طائشة اطلقها الخفير (التايه) انها ليست حزمة من (الملان) ولكنها ـ كما يقول المثل الشعبي ـ (قلوب ملآنة) ! واذا كنا نبحث حقا عن استقرار الوطن ووحدته, فلابد وان نفتش في هذه القلوب الملآنة لكي نعرف ما يملؤها, ونطهرها مما تحمله من مخاوف او مواجد, وان نبحث عن الحقائق مهما كانت مرارتها وان نواجهها كما يفعل الشجعان الحريصون على اوطانهم وعلى امتهم, والمؤمنون بالله حقا, وان نكف عن تعليق كل مشاكلنا على مؤامرات خارجية, سواء كانت حقيقية او وهمية! واول الحقائق التي ينبغي ان نواجهها, هو ان مناخا من التعصب القطري والديني والمذهبي. بدأ يزحف على الامة العربية كلها, قطرا بعد اخر منذ هزيمة ,1967 التي كانت اعلانا بفشل الدولة القومية في تحقيق مشروعها, وايذانا بسقوطها,.. وهو مناخ تصاعد منذ بداية مسيرة السلام مع اسرائيل التي انهت المواجهة مع العدو الخارجي الذي كانت الامة تتوحد في مجابهته,.. وفي البحث عن عدو, بديل ارتدت الجماعة العربية الى تكويناتها البدائية الاولى, فتصاعد مدى التعصب القطري والديني والمذهبي.. حتى اصبحنا ـ على صعيد الامة وعلى صعيد كل قطر ـ نمد اصابعنا الى بنادقنا, لكي نطلق رصاصاتنا على صدور بعضنا البعض, بعد ان تم وقف اطلاق النار على الجبهة مع العدو الذي اصبح صديقا. واسوأ ما ارتكبته الدولة الوطنية ـ تمييزا لها عن الدولة الخاضعة للاحتلال ـ في حقنا, هو انها استغلت وجود العدو الخارجي لكي تستبد وتهدر الحقوق, وتفرض علينا نوعا من الوحدة العسكرية في الولاء لها بدون شروط او حقوق, فلم يتوقف احد لكي يطالب بحقوقه, ليس فقط لانه لم يكن يجسر على ذلك, ولكن كذلك لان اعلام المساواة في اهدار الحقوق كانت ترفرف فوق رؤوس الجميع, فلما انهارات وسلمت البضاعة للعدو, بدأ الجميع يزحفون بلا نظام ولا تنسيق لكي يطالبوا بحقوقهم, فتضاربت المسارات, ووقعت المصادمات وكانت النتيجة هي هذه الفوضى التي تهدد لمسحنا من الخريطة! وقد ان الاوان لكي نعيد بناء الدولة الوطنية على الاسس الديمقراطية التي بدونها لا تستقر المجتمعات ولا تزدهر ولاتنعم بالسلام ولا بالامن.. والاساس في بناء هذه الدولة, وانها دولة لكل مواطنيها, يتساوون في القيام بالتكاليف العامة, وهي دفع الضرائب والتجنيد الاجباري, ويتساوون ـ مقابل ذلك ـ في التمتع بكل حقوق المواطنة, ولا يجوز التمييز بينهم في ذلك, سواء بسبب النوع او اللون او العقيدة الدينية, او الاتجاه السياسي.. ان الاوان لكي تتحول الدولة الوطنية العربية الى مجتمع سياسي ينتمي فيها الناس لتيارات سياسية وفكرية, ويعبرون عن مصالحهم من خلال جماعات سياسية تتداول الحكم فيما بينها, طبقا لماتسفر عنه انتخابات نزيهة وخالية من التدخل الاداري, اذ البديل الوحيد لذلك هو ان يرتدوا الى جماعاتهم الاولية, فيسود التعصب, وتجري دماؤها قبل مياهها, وتمسح الامة من فوق خريطة الالفية الثالثة.. وليس في ذلك دعوة لكي يتخلى احد عن عقيدته الدينية, فمنذ اكثر من مئة عام, فرق عبدالله النديم, بين العصبية الدينية بمعنى ان يتعاون اتباع كل دين فيما بينهم للدعوة لدينهم, والتكافل فيما بينهم, وبين التعصب الديني الذي يدعو الى كراهية اتباع الاديان الاخرى.. والف لعنة على التعصب الذي لا يجلب الا الموت, وعلى الاستبداد الذي لا يجلب الا الخراب.