أيا كانت دوافع ومبررات القرار الروسي بتعليق العمليات العسكرية في الشيشان, فإن نتائج الحملة العسكرية الروسية لم تتحقق, لقد برهنت الأيام صدق ما حذر منه كل العقلاء, بأن القوة العسكرية لا تستطيع وحدها ان تحسم أي خلاف أو تحل أية مشكلة, فالآلة الحربية مهما تضخمت ليست ـ في المحصلة النهائية ـ إلا واحدة من أدوات الصراع السياسي, وان المفاوضات لابد وان تعقب على أي عمل عسكري, فما بالنا إذا كان الأمر يتعلق بغزو لطمس وازالة دولة من الخريطة السياسية. وعلى مدار الأيام الماضية ـ منذ بداية الحملة ـ تجاهلت القيادة الروسية (العسكرية والسياسية) كل دعوات الجانب الشيشاني للجلوس إلى مائدة المفاوضات, إذ اعتبرت ذلك نابعا من موقف ضعف حتى عندما قال الرئيس أصلان مسخادوف بأنه مستعد لتقديم (تنازلات تاريخية) , قابل الروس ذلك بالسخرية والازدراء. وتأتي القيادة الروسية اليوم لترفع نفس الشعارات التي سبق ورفضتها بادعائها انها تعلق الحرب حفاظا على أرواح المدنيين في جروزني ولخشيتها على أرواح جنودها من استخدام الشيشانيين للأسلحة الكيماوية, ورغم صعوبة تصديق الرواية الروسية, إلا اننا نرحب بهذا التراجع والعودة إلى فضيلة التعقل, وندعوها لامتلاك شجاعة اتخاذ القرار بايقاف العمليات العسكرية نهائيا في الشيشان, واللجوء إلى المفاوضات. ويبرز الآن تساؤل ملح حول دور منظمة المؤتمر الإسلامي وضرورة ان تلعبه بعد ان تأخرت عنه منذ بداية المأساة. ان منظمة المؤتمر الإسلامي يمكنها, من خلال تشكيل وفد قوي يمتلك آليات متفق عليها بين دولها, ودعم فعال من العالم الإسلامي, يمكنها ان تقدم مشروعا لحلحلة الأزمة الشيشانية إلى جانب دعم قدرة المفاوض الشيشاني على مواجهة الهجمة الروسية, ومن ثم تكون هذه الأزمة فرصة لوضع آلية يحتذى بها في حل مثل هذه النوعية من الصراعات.